.

عبد السلام عارف كما رأيته - منتديات الفكر القومي العربي
  


 الفكر القومي العربي
آخر 5 مشاركات
القدس العربي تنضم الى جوقة المتآمرين (الكاتـب : جمال الصباغ - )           »          اليمن اصبحت خـــط احمر على الجميع يا عبدالفتاح السيسي (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )           »          الجيش المصري يناقش ملف الاقصى والرمزية الروحية للقدس (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )           »          المؤامرة في نظرية المؤامره (الكاتـب : سيف الحق - )           »          باحثة من البصرة تسجل اكتشافاً علمياً جديداً (الكاتـب : كاظم الحمامي - )


  
العودة   منتديات الفكر القومي العربي > المنتديات > المنتديات > المكتبة القومية
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  
قديم 02-29-2008, 01:44   #1
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي عبد السلام عارف كما رأيته


في كتاب جديد حول الرئيس الاسبق

2008/02/24

لندن ـ القدس العربي :
في كتاب جديد من حياة الرئيس العراقي الاسبق عبد السلام عارف، يتحدث الدكتور صبحي ناظم توفيق عن تجربته كحارس لمنزل رئيس الجمهورية. ويزخر كتاب عبد السلام محمد عارف كما رأيته بالكثير من المعلومات الجديدة الشيقة حول الرئيس الاسبق، ومنها تفاصيل حول تواضع الرئيس وعائلته ومنزله.
فقد كان منزل الرئيس متواضعا جدا، وفي منطقة شعبية، وكان يخلو من وجود هاتف، حيث امر عارف بنقل هاتف منزله الي مقار حماية داره بعد ان اعتذرت بدالة الاعظمية عن نصب هاتف للحماية لعدم توفر خط شاغر. وكان ابناء الرئيس وبناته يذهبون الي مكتب الحماية في حال اضطروا لإجراء مكالمات هاتفية.
ويروي الدكتور صبحي ناظم ان زوجة الرئيس كلمته مرة واحدة في حياتها حين استدعته لتشكو له بصوت خافت تصرف احد جنوده ازاء ابنة جيرانهم.
ويقول د. صبحي ناظم توفيق ان من الامور التي كان يعاني منها اثناء عمله بالحراسة، هي اصرار الرئيس علي السير لوحده في المنطقة، فكان هو يتابعه عن بعد، وفي احدي المرات فقد حراسه اثره ثلاث ساعات وتبين انه ذهب لزيارة احد اصدقائه.
و( القدس العربي تبدأ اليوم نشر حلقات من الكتاب




عندما كلفت بحماية منزل الرئيس عبد السلام تصورته قصرا فارها تحيط به الدبابات والمدافع وفوجئت به بسيطا وسط بيوت المواطنين

القدس العربي
2008/02/24




مقدمة:
عبد السلام محمد عارف.. ضابط عراقي عربي، دخل التاريخ من أوسع أبوابه في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 عندما قاد اللواء العشرين من جلولاء وهو آمر فوج ويحمل رتبة عقيد ركن، وفجر ثورة في العراق، توجت نضالات وتضحيات العراقيين ضد الاستعمار والقوي الرجعية وسياسات الأحلاف والمعاهدات التي كبلت العراق وعزلته عن أمته العربية،
وشكلت علامة مضيئة علي طريق التحرر والانطلاق نحو آفاق التقدم والتنمية الوطنية والوحدة العربية، لذلك ليس غريبا ان تقترن ثورة تموز (يوليو) باسم هذا الرجل الذي ضرب أروع الدلالات في الإيثار الوطني والالتزام الاخلاقي، عندما تنحي عن موقعه الفعلي كقائد للثورة ومنفذها الاول الي زميله ورفيقه الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر، وفاء منه لكلمة شرف واتفاق اخوة وقسم علي التعاضد والتعاون بما يخدم العراق والأمة العربية، علما بأن الاخير الذي وصل الي بغداد بعد نجاح الثورة بخمس ساعات واحتل مكانه في وزارة الدفاع كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزير للدفاع، لم يقابل صنيع عبد السلام وفروسيته، الا بالجحود والتعالي، الامر الذي أدي الي انتكاسة الثورة وانحرافها عن الأهداف الوطنية والقومية التي قامت من أجلها، واعتقال مفجر الثورة ومحاكمته وسجنه وإصدار حكم باعدامه في سياق عملية كيدية للانتقام من دوره البطولي في انبثاق الثورة ونجاحها.
وكما عاني عبد السلام عارف ظلما واجحافا من زميله السابق عبد الكريم قاسم، فانه واجه غبنا وتهميشا من رفاقه الجدد عقب حركة الثامن من شباط (فبراير) 1963 عندما حاول البعثيون استغفاله والتجاوز علي مكانته وموقعه، وهم الذين استعانوا به كاسم وطني لامع ووجه قومي بارز، لصدارة الحركة واستثمار رصيده الثوري في مواجهة المعسكر المناوئ للوحدة والتيارالقومي من شيوعيين واكراد انفصاليين وبقايا العهد الملكي المباد، ولأن عبد السلام استوعب درس عبد الكريم قاسم جيدا، وأدرك بعد سنوات القهر الخمس التي أعقبت ثورة تموز (يوليو)، أن الاخوة والرفقة التي جمعته مع البعثيين لها التزامات مشتركة عليه وعليهم، وكل طرف يتهاون أو لا يحترم ما التزم به، يتحمل نتائج أعماله، لذلك اضطر عبد السلام الي حسم الامر معهم في الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 وأنقذ العراق مرة أخري من الفوضي وتناحر البعثيين وانشقاقاتهم.
والذين يستذكرون العامين والشهور الخمسة التي كان فيها عبد السلام عارف رئيسا للعراق من معاصرين له، او مؤرخين منصفين لعهده، لا بد وأن يتوقفوا إزاء سلسلة انجازات تحققت في هذه الفترة القصيرة، علي صعيد الأمن والاستقرار في البلاد والسلم الاجتماعي وسيادة القانون، والقرارات الاشتراكية والتشريعات التقدمية في استثمار الموارد والثروات الوطنية واتساع الخدمات البلدية والتعليمية والصحية والاجتماعية، وكلها موثقة لا تحتاج الي اثباتات.
وقد تعرض عبد السلام عارف في حياته وبعد وفاته في ذلك الحدث الجلل في الثالث عشر من نيسان (ابريل) 1966 الي ظلم كبير من قيادات حزبية وطائفية وعرقية تجنت عليه بدوافع سياسية، نتيجة استقامته وتواضعه، وثباته علي منهجه الوطني والقومي، وقد اتهم ولا يزال من قبل أوساط شيعية مقربة من ايران، بأنه طائفي سني، وتنسي او تتناسي انه هو من سمح لآية الله الخميني رجل الدين المعارض للشاه، بالقدوم الي العراق من منفاه في تركيا مطلع عام 1964، والاقامة والتدريس في النجف معززا ومحميا من عملاء الشاه البهلوي الايراني، واتهمته أطراف أخري بالدكتاتورية، رغم ان سيرته في الحكم والسلطة تؤكد عدالته ونزاهته اضافة الي بساطته ونقاء سريرته، واتهمه بعض قيادات القوميين بعدم الحماس للوحدة وأثبتت الايام انه قومي صلب ووحدوي أصيل.
عبد السلام عارف رحل الي جوار ربه، نظيف اليد والجيب والوجدان، لم يترك لبناته وأولاده أرصدة وعقارات وممتلكات، ولعلها من المصادفات الجميلة ان يصدر كتاب يؤرخ لجانب من حياة الرئيس الراحل عبد السلام عارف وفي هذا الزمن الذي صار فيه العراق يرزح تحت الاحتلال الامريكي ويحكم من زمر طائفية وعرقية معادية لتاريخ العراق وتراثه الوطني وعروبته، وأجمل ما في الامر ان صاحب الكتاب أكاديمي عراقي ومن القومية التركمانية، ليس محسوبا علي حزب أو جماعة سياسية معينة، بدأ حياته عسكريا وقادته وظيفته ليكون قريبا من رئيس الجمهورية مسؤولا عن حماية داره وضابطا في الحرس الجمهوري، فكتب مشاهداته وانطباعاته بتجرد وحيادية، مدفوعا بموضوعية شديدة ووطنية مخلصة، بعيدا عن المبالغات واصطناع الحوادث والروايات. لقد سرد الدكتور صبحي ناظم توفيق أحداثا عايشها، أو كان قريبا منها أو عارفا ببعض تفاصيلها، وقدمها الي قراء كتابه كما جرت بدون تزويق ومغالاة، وهو جهد يشكر عليه، ومبادرة تستحق الثناء. وفيما يلي الحلقة الاولي من اجزاء موسعة من الكتاب.

هارون محمد

تكليفي بحماية دار رئيس الجمهورية

تسلّمت قيادة الفصيل التاسع في السرية الثالثة للفوج الاول حرس جمهوري التي كان الملازم الاول هشام عبد الكريم السيد علي يقودها، وكنت محظوظاً بين منتسبيه من الجنود الأربعين وضباط الصف المعدودين، وعريف الفصيل ساجت عبد علي الذي كان أفضل ضابط صف التقيته.. والحقيقة أنني لم أعرف ضابط صف مثله او بمستواه الخلقي والعسكري واتزانه وشخصيته طيلة حياتي العسكرية التي استمرت ستة وعشرين عاما، إذ تعلمت منه اكثر مما تعلم مني، وخصوصاً خلال تلك الاسابيع او الاشهر الاولي من قيادة الفصيل. وكان آمر سريتي الملازم الاول هشام عبد الكريم السيد علي، من افضل ضباط الفوج، وخير معلم ومدرب وموجه لي في حياتي العسكرية كضابط تخرج حديثاً.
انقضت ثلاثة اسابيع قبل ان يحل يوم الحادي والعشرين من آب (اغسطس) 1964، حين انتهي الدوام الرسمي مع حلول الساعة الثانية والنصف، فتناولنا طعام الغداء في مطعم الضباط، وتوجه الضباط الي غرف او قاعات منامهم لنيل قسط من الراحة قبل حلول موعد الرياضة المسائية في ذلك اليوم المقرف بحرارة معهودة. كنا خمسة ضباط برتبة ملازم ثان نبيت في قاعة صغيرة واحدة، وهم سعد شمس الدين، عبد محمود البنا، عبد الجبار جسام، سعد عبد الهادي، وكاتب هذه السطور، حين دخل علينا مساعد آمر الفوج الملازم الاول حامد جاسم الدليمي علي غير عادته، ليطلب ان يذهب أحدنا لتسلم مسؤولية حماية دار رئيس الجمهورية من الملازم فاهم مالك الذي مضت عليه خمسة ايام في هذا الواجب.. وعندما انتبه ان لا أحد من الضباط الذين تخرجوا حديثاً قد تكلف بهذه المهمة، فقد أمر ان يحضر أحد هؤلاء الضباط الاحداث نفسه للمهمة، ولما كنت مستعداً لها، فقد بدأت اُهيئ الفراش السفري وحقيبة ملابسي قبل قدوم السيارة العسكرية التي ستقلني.
كان هذا الواجب مفاجأة لي، إذ كنت اعتقد بأننا ـ نحن الضباط الاحداث ـ سوف لا تناط بنا مثل هذه المسؤوليات الا بعد انقضاء عدة اشهر علي خدمتنا، لنكتسب مزيداً من الخبرة، فقيادة فصيل في تدريب او تمرين او واجب داخل ثكنة، او حتي في معركة هجومية او دفاعية هي من الامور التي تعلّمناها ومارسناها نظرياً، ولربما عملياً بشكل نسبي، خلال سنوات الدراسة والتدريب في الكلية العسكرية، أما مثل هذه المهمات الخاصة، وبالأخص حماية دار رئيس الجمهورية، فلم يكن طلاب الكلية العسكرية او سواها قد تدربوا عليها او تعلموها.
أقلتني سيارة عسكرية من طراز (كاز) روسية الصنع الي خارج ثكنة الفوج. وكان تصوري ان منزل رئيس الجمهورية قصر فاره او بيت فخم يقع قريباً من القصر الجمهوري، وقد يطل علي نهر دجلة في أحد أحياء بغداد الراقية، مثل كرادة مريم، او الجادرية، او عرصات الهندية او المسبح، واعتقدت ايضا ان بضع دبابات وعدداً من المدرعات تحيط به، ورشاشات ومدافع منصوبة عليه تحميه من أخطار محتملة في ظروف العراق القلقة عام 1964.
لم أشأ ان أستصغر نفسي وأنا ضابط لأسأل جندياً سائقاً لا أعرفه، عن الموقع الذي نحن متوجهون اليه في عصر ذلك اليوم.. ولكن وبعد ان اجتزنا كل شوارع كرادة مريم فـالصالحية والكرخ والعطيفية والكاظمية مقتربين من جسر الائمة (1) اضطررت الي محادثة السائق وسؤاله: الي أين نحن ذاهبون يا أخي؟
أجابني السائق: الي بيت رئيس الجمهورية سيدي.
وأين هذا البيت؟
في الاعظمية سيدي.
وسألته مستفسرا هل تقصد أنه في شارع الضباط؟ (2)
كلا سيدي.. انه قريب من المقبرة الملكية، رد علي السائق.
عبرنا جسر الائمة متجهين نحو سينما الاعظمية، ومن تقاطع الشوارع التي تقع علي مقربة منها، انحرفنا يميناً لأشاهد علي بعد مئات الامتار مبني المقبرة الملكية ذات القبة الزرقاء التي تضم بين جنباتها رفاة ملوك العراق فيصل الاول، غازي الاول وفيصل الثاني وعدد من امراء واميرات العائلة المالكة التي حكمت العراق المعاصر منذ عام 1921 حتي صبيحة يوم الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958، وقبل ان نصل الي ساحة المبني المذكور بمئة متر تقريباً، انحرفنا يساراً لندخل شارعاً فرعياً حيث شاهدتُ ضابطاً برتبة ملازم ثان واقفاً امام سياج مبني انتصب قرب باب دخوله جندي حارس واحد يحمل بندقية كالاشنكوف.
نزلت من السيارة، متوجهاً نحو الضابط، وأديت التحية العسكرية له وقدمت نفسي، فهذه المرة الاولي التي أتقابل معه، فقد كان الملازم فاهم مالك مهدي مشتركاً في دورة بمدرسة المشاة في معسكر الوشاش (3) تؤهله للترقية الي رتبة ملازم اول، وفور انتهائه من الدورة التحق بالفوج وأرسل لذلك الواجب، ولذلك وعلي الرغ من كونه آمراً للفصيل السابع ضمن السرية الثالثة التي انتسبت اليها قبل ثلاثة اسابيع، فإننا لم نتعارف من قبل.
لقد اجتذبتني شخصية الملازم فاهم مالك خلال الدقائق الاولي التي بدأ فيها يوجز المهمة التي سأتسلمها للمرة الأولي، فقد كان خفيف الظل، لبقاً ومتواضعاً، صريحاً في طرح آرائه، محباً لجنوده المنسجمين معه، ولكنه لم يكن يبالي كثيراً بالضبط العسكري الصارم ـ كما هو حال معظم ضباط الاحتياط ـ وقد علمتُ، بعدئذ، أنه من عائلة معروفة جداً في محافظة الديوانية. وبعد جولة سريعة داخل سياج المبني، وجدت هناك قاعة لمنام الجنود تحوي خمسة وعشرين سريراً وخزاناً معدنياً لحفظ الملابس وهي متلاصقة مع مبني لاستحمام المراتب، وتطل القاعة علي ساحة مبلطة بالاسفلت لأغراض التدريب، وهناك علي مبعدة من القاعة غرفتان لضابط الحماية، الاولي للمكتب والثانية للمنام، وعلي مقربة منهما سياج مشترك ارتفاعه متر ونصف متر يفصل الثكنة عن دار رئيس الجمهورية، وللثكنة بابان، احدهما للدخول، والآخر للخروج، ويقف امام كل منهما جندي حارس واحد.
ودارت جولتنا الثانية حول دار رئيس الجمهورية، بيت علي مقربة من ركن من اركان تقاطع اربعة شوارع فرعية ضمن منطقة سكنية اعتيادية متواضعة، تحوي مئات المساكن، مساحته بحدود ثلاثمئة وخمسة وسبعين متراً مربعا، مبني من الطابوق العادي، وربما مضي علي بنائه ما يقارب العشرين سنة، حديقته متواضعة، بناؤه من طابق واحد، ولاحظت ان غرفتين اُضيفتا اليه كطابق ثانٍ، وهناك سياج منخفض علي شكل مشبك معدني يفصل حديقة المنزل عن الشارع الفرعي المطل عليه، ارتفاعه متر ونصف متر، وبالقرب من باب الدار اُضيف بناء يبدو جديداً نسبياً، أو قد اُعيد طلاؤه مجدداً، يحوي في أسفله علي (كراج) يكفي بالكاد لسيارة واحدة، تعلوه غرفة صغيرة بمساحة الكراج نفسه لمنام سائق السيارة.
شعرت بالذهول مما شاهدته، فدار رئيس الجمهورية العراقية، التي تصورتها قصراً فارهاً في منطقة راقية، محاطاً بحدائق غناء ومياه جارية، تحميه دبابات ومدرعات ورشاشات ومدافع وجنود مدججون بالسلاح فوق سطوح وأبراج، أراها الآن بعيني دارا متواضعة في منطقة اعتيادية محاطة بعشرات الدور السكنية، بعضها أفخم منها بكثير في مساحتها وطرز بنائها وجمال حدائقها، واستغربت اكثر عندما علمت ان دار رئيس البلاد يحميها اربعة وعشرون جنديا لا يحملون غير بنادق (كلاشنكوف) نصفهم غادروا في اجازة او استراحة، وثلثا الباقين مرتاحون في قاعة المنام!! بادرني الملازم فاهم مالك قائلا: إسمعني يا ملازم صبحي جيداً، فهذا الواجب علي الرغم من سهولته وبساطته، فإنه يحمل حساسية قصوي تتعلق بشخص رئيس الجمهورية وأمنه عندما يتواجد في بيته، وخصوصاً وأنها المرة الاولي التي تكلف بها، إضافة لكونك ضابطاً حديثاً.. ناهيك عن الظروف التي تمر بها البلاد منذ ست سنوات. فمن حيث المبدأ، عليك أن تعرف أننا هنا مسؤولون عن حماية رئيس الجمهورية لوحدنا، وضمن منطقة سكنية اعتيادية، أهلوها من مختلف الاجناس والطوائف والاتجاهات السياسية، وان سيادته لا يوافق بشكل مطلق علي إزعاج أي منهم لانه يعتبرهم (جيران العمر) تربطه بهم علاقات إنسانية وشخصية وعائلية منذ سنوات.

نحمي عائلة الرئيس في حالة
الاعتداء علي بيته فقط

واستطرد يقول: ليس ضمن واجبنا حماية أفراد عائلة الرئيس، إلا في حالة وقوع اعتداء علي بيته، بحيث عندما لا يتواجد في منزله فإننا نكتفي بإفراز جندي حارس واحد للوقوف في كل من بابي دخول خروج الثكنة ليس إلا، كما تراهما الآن، وليس لنا ان نتدخل او نمنع او نعيق أي شخص يزورهم، سواء من أقاربهم أو أصدقائهم أو من الجيران، واردف قائلا: ان الرئيس لم يأت الي البيت هذا اليوم، وبما أن الوقت قد جاوز الساعة الرابعة عصراً فإنه من المستبعد أن يحضر، ولذلك فإنك تري الامور والاجراءات اعتيادية تماماً.
وعرفت فيما بعد أن من عادات الرئيس أن يزور بيته بين يوم وآخر، ولكن ذلك ليس نهجاً ثابتاً، وأنه قلما يبيت فيه ليلاً، وان فترة حضوره تنحصر عادةً بين انتهاء الدوام الرسمي ببعض الوقت وحتي بُعيد صلاة المغرب، أو لربما لحين صلاة العشاء التي يؤديها في البيت قبل الخروج والعودة الي القصر الجمهوري، وذكرني الملازم فاهم ان مسؤولا محددا سيتصل بك من القصرالجمهوري عندما يتوجه الرئيس الي بيته، وعادة ما يكون الرائد عبد الله مجيد سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية، أو العميد زاهد محمد صالح المرافق الأقدم للرئيس، أو الملازم رشيد علوان المهداوي المرافق الشخصي لرئيس الجمهورية ويقول لك: إن الرئيس قد غادر أو سيغادر القصر الجمهوري، عندئذٍ عليك أن تحسب حوالي عشرين الي خمسة وعشرين دقيقة وهي فترة وصول موكب الرئيس الي هذه المنطقة، وخلال هذه الفترة القصيرة عليك أن تتخذ الاجراءات التالية: تخصيص جنديين لكل من بابي الدخول والخروج بدلاً من جندي واحد، وتخصيص جنديين آخريين مزودين برشاشتين خفيفتين، كل منهما في زاوية من زاويتي سطح قاعة الجنود، الاول في الزاوية المطلة علي شارع المقبرة الملكية، والثاني في الزاوية الاخري المشرفة علي تقاطع الشوارع الفرعية، ثم تضع جندياً واحداً يقف في تقاطع الشوارع المذكورة وآخر في مدخل الشارع الفرعي من اتجاه الشارع الرئيس للمقبرة الملكية، ويقوم هذان الجنديان بقطع مرور السيارات فقط وليس المشاة الي الشارع الفرعي المؤدي الي دار رئيس الجمهورية قبل وصول موكب سيادته ودخوله الي بيته، اذ يتم السماح لمرور السيارات الأهلية بشكل عادي بعد ذلك وحالما يستقر (الرئيس) في داره، بعدها تتصل هاتفياً بأحد اولئك الذين ذكرتهم في القصر الجمهوري لتخبره بوصول السيد الرئيس بسلام الي داره، وأضاف الملازم فاهم ان وضع الجنود يبقي كما أوضحته آنفاً، طالما مكث الرئيس في البيت، ويظل الجنود الآخرون في القاعة بكامل ملابسهم وأسلحتهم لمواجهة أي طارئ قد يحدث، ولكن عليك ملاحظة إراحة الجنود الحراس في بابي الدخول والخروج وفي الشارع الفرعي والسطح، اذ ينبغي تبديلهم بجنود آخرين من داخل القاعة، لأن الرئيس قد يبقي في البيت لعدة ساعات.

دار رئيس الجمهورية بلا هاتف

وهنا لم أشأ السكوت، فقد نفد صبري وسألت الملازم فاهم: أرجو ان توضح لي لماذا نقوم نحن بكل هذه الاجراءات المعقدة؟ ولماذا لا يتصل احد أفراد عائلة السيد الرئيس بالقصر الجمهوري مباشرة لمثل هذه الامور، اليس ذلك أفضل لهم ولنا؟ وكم كانت دهشتي كبيرة عندما ابلغني الملازم فاهم، انه لا يوجد هاتف في بيت رئيس الجمهورية! وصحت ماذا؟ هل صحيح ما تقوله يا ملازم فاهم؟ نعم.. قالها الملازم فاهم بثقة واضاف: عندما اُنشئت ثكنة حماية الرئيس هذه، بادر ديوان رئاسة الجمهورية وفاتح رسمياً دائرة بدالة الاعظمية لمدّ خط هاتفي لمقر الحماية. ولكن بدالة الاعظمية اعتذرت عن تنفيذ الطلب لعدم وجود خط هاتف شاغر لديها، فما كان من رئيس الجمهورية إلاّ إصدار أمر لتحويل هاتف مسكنه لينصب في مكتب ضابط الحماية. ومرة اخري صحت عجيب!! فقال الملازم فاهم نعم، ويقال ايضاً ان السيد الرئيس ربما أحس ان الناس قد يزعجون أفراد اسرته بطلباتهم وتوسّطاتهم لذلك فقد اتخذ هذا الاجراء، وتساءلت في دهشة: طيب.. ولكن كيف تتصل زوجة رئيس الجمهورية وأولاده بالاقرباء والاصدقاء؟ أجابني ان أولاد السيد الرئيس يحضرون الي مقرنا لاستخدام هاتفنا، وفي هذه الحالة عليك تركهم لوحدهم لتفادي إحراجهم، فلربما يكون لديهم حديث خاص، وان السائق الحاج أحمد قد يحضر للغرض نفسه، ومن المحتمل كذلك ان يطلب أحد الاقرباء أو الاصدقاء أحد أفراد عائلة الرئيس، فعليك إخبارهم بواسطة الجندي المراسل او عريف الفصيل بذلك، ولكن لا أحد يطلب زوجة سيادته (أم أحمد) بشكل مطلق، وإن طلبوها فإنها لا تحضر عادة.
وبعد ان أنهي الملازم فاهم شرح اسلوب الحماية جلسنا في مكتب ضابط الحماية ليتطرق الي اُمور القيادة والادارة قائلا: لا بد وأنك لاحظت، ان الذي يسمي بـ (فصيل الحماية) هذا ليس فصيلاً كاملا، انما هو نصف فصيل يقوده ضابط واحد برتبة (ملازم ثان) يتكون من اربعة وعشرين جندياً يرأسهم ضابط صف، وأن سبعة الي ثمانية جنود ينزلون الي بيوتهم لغرض الراحة وزيارة عائلاتهم، لذلك فإن القوة القتالية الفعلية لهذا الفصيل قد لا تتعدي سبعة عشر جندياً، وخصوصاً لدي انتهاء ساعات الدوام الرسمي بعد ظهر كل يوم، مضيفا: إنني أري، انه في حالة وقوع أي اعتداء علي شخص السيد رئيس الجمهورية، او علي بيته، فإنك ستنشغل تماماً بالحدث، ولا يسمح لك المجال لطلب عون او الاستنجاد بقوة إضافية تحضر اليك بسرعة من الفوج او من القصر الجمهوري، لذلك فإنه من الأنسب ان تكلف احد ضباط الصف أو الجنود دائماً بالاتصال فوراً بأحد ارقام الهواتف المهمة المثبتة أمامك علي المنضدة، ويفضل إخبار مساعد آمر الفوج او الضابط الخافر للفوج أول الامر، ليكون اهم الاشخاص المسؤولين في فوجنا علي علم بالامر الطارئ، فمثل هذه الحوادث تتطلب إجراءات سريعة لاحقة علي مستوي الدولة، وبالأخص ان كان الاعتداء علي شخص رئيس الجمهورية، واستطرد الملازم فاهم في وصاياه قائلا: من الافضل ان لا تدع الجنود يتراخون، فالعرض الصباحي يبدأ في الساعة السابعة والنصف، وبعد ذلك تبدأ فترة ممارسة الرياضة الصباحية والهرولة لنصف ساعة قبل ان يتدربوا علي السلاح لساعتين مقررتين، وبعد الفطور الثاني وفي حدود الساعة العاشرة والنصف حاول ان تلقي عليهم محاضرة عسكرية او ضبطية أو اجتماعية او ما تراه مناسباً، وذلك قبل ان يحل موعد تناول طعام الغداء بعد الظهر، ولا تنس ان يتمتعوا بالرياضة المسائية عصراً، اذا لم يكن السيد رئيس الجمهورية حاضراً في بيته، بعدها أعطاني شرحا عن مواقيت اطعام جنود ومراتب الحماية، ومما قاله بهذا الصدد عن طعامي انا آمر فصيل الحماية، إن (مطعم ضباط الفوج) ليس مكلفا بإرسال الوجبات مع سيارة نقل الطعام الي الجنود او غيرها، لذلك عليك الاعتماد علي (جيبك) بإرسال جندي الي أحد المطاعم القريبة في الاعظمية ـ وما اكثرها عدداً ـ ليجلب لك الطعام الذي تشتهيه، وعلي نفقتك الخاصة.
لم يطل الملازم فاهم مالك الحديث معي أكثر من ذلك، فقد أشارت الساعة الي الخامسة تقريباً، حين أقلته السيارة العسكرية، وكان آخر نصائحه بأن لا أحمل هماً كبيراً في أداء هذه المهمة مذكراً اياي بأن أي شخص عندما يحس بعظم المسؤولية في أي ظرف وموقف، فإنه قد يبدع وتتفتق في ذهنه الأفكار والحلول الناجعة، فأديت له التحية العسكرية، شاكراً فضله ومتمنياً له السلامة.
الهوامش: (1) جسر الأئمة علي دجلة ويربط بين الأعظمية والكاظمية
(2) شارع الضباط أحد شوارع الاعظمية سكنه عدد من الضباط
(3) معسكر الوشاش كان يقوم علي أرض متنزه الزوراء حاليا
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 02-29-2008, 01:46   #2
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثانية)

القدس العربي
2008/02/26


استطلاع المنطقة.. ليلة الواجب الاولي

فكرت بادئ ذي بدء، ان أستطلع المنطقة التي تحيط بدار رئيس الجمهورية جيداً وبشكل أفضل مما أجريناه علي عجل قبل حوالي ساعة واحدة.. فقمت بجولة جديدة حول الثكنة، وبصحبتي عريف الفصيل رأس العرفاء كامل عبد الحسن، ملقياً نظرة خاصة وفاحصة علي مبني القسم الداخلي لطلبة دار المعلمين الابتدائية الذي يكتظّ بعشرات الطلاب الشباب، وسرت في الشوارع الفرعية المحيطة بالدار وركزت نظري علي السطوح العالية للدور ذات الطابقين بشكل خاص، لأعود الي سطح قاعة منام الجنود داخل الثكنة ومكتب آمر الفصيل. وثبتّ في بالي المواقع المحددة التي يمكن توجيه الجنود اليها في حالة فتح نيران أسلحة نحو دار رئيس الجمهورية، ذلك قبل ان اطلب من عريف الفصيل جمع ضباط الصف والجنود لأتعرف عليهم شخصياً، ويتعرفوا هم ايضا علي آمرهم الجديد وبعد ذلك، دخلت الي المشجب للتأكد من كميات العتاد المتوفرة لدي فصيل الحماية.
مضي الوقت سريعاً حتي حل الليل لأشعر معه برهبة تسري في نفسي، فإنها وإن لم تكن شديدة فحسب، فقد كانت كبيرة ومؤثرة، فها انا وحدي في بقعة تنأي عن القصر الجمهوري مسافة قد تصل الي حوالي عشرة كيلومترات، ولا اتصال لي معه سوي ذلك الهاتف اليتيم الذي يمكن ان يعطل او ينقطع بكل سهولة ويسر، فهو يرتبط بسلك رفيع معلق في الهواء بين أعمدة واضحة لكل عين، ولا سيارة تحت إمرتي أستطيع التحرك بها أو توجيهها أو تحريكها في مواقف طارئة معينة، وقد راودتني أسئلة وتساؤلات عديدة لم أجد لها جواباً يشفي غليلي.
وهكذا ظللت في الفراش متقلباً ذات اليمين وذات الشمال، وبملابسي العسكرية وسلاحي قرب رأسي حتي مطلع الفجر، انتقل الي خارج الثكنة مرة في كل ساعة لأتأكد من يقظة الجنديين الحارسين وضابط الصف الخافر بينهما، وأسأل وأتاكد من عدم وجود أي تجمع لأشخاص هنا او هناك، فقضيت تلك الليلة الثقيلة في تفكير دؤوب بحظي الذي حلّ بي وأتاني الي الحرس الجمهوري، ولكن عندما استعرضت شخوص الضباط الذين تعرفت عليهم وعرفت معظمهم عن كثب وبشكل فضولي لا أنكره، توصلت الي ان جلّهم (لا ناقة لهم ولا جمل) بالنظام الحاكم، فالذي كان يقال في المجالس الخاصة والعامة وأحيانا في الشارع العراقي عن عبد السلام محمد عارف انه يعتمد علي (عشائر الدليم) للحفاظ علي سلطته، وإسناده مناصب متنفذة لأشخاص ينتمون الي تلك المنطقة وقبائلها، أو هم من سكان مدن لواء (محافظة) الانبار، لم أجد له أثرا يذكر في فوج الحرس الجمهوري الاول الذي أتبعه وهو الفوج المسؤول وبشكل مباشر عن حماية القصر الجمهوري ودار رئيس الجمهورية، فآمر الفوج الرئيس الاول (الرائد) عبد الرزاق صالح العبيدي والملازم سعد عبد الهادي من حي الاعظمية والرئيس (النقيب( كاظم عزيز من حي الكرادة والملازم حامد جاسم ـ علي الرغم من كونه يحمل لقب الدليمي فإنه من عشيرة البوعلوان القاطنة في لواء الحلة، والملازم الاول سلمان شجاع الندواي من منطقة الكريعات، والملازم الاول يوسف خليل والملازمان عبد محمود البنا وقاسم علي من لواء الموصل، والملازمون وليد جسام وعبد الجبار جسام وقاسم فرحان كرخيون، والملازم عبد الامير عبيد من قضاء النعمانية التابع للواء الكوت، والملازم فاهم مالك من الديوانية، والملازم الاول قاسم محمد صكر من الناصرية، والملازمان سعد شمس الدين وعدنان العزاوي من لواء ديالي، والملازم عبد مطلك الجبوري من قضاء الحويجه التابع للواء كركوك، وانا من مدينة كركوك فلا يبقي هناك سوي ستة ضباط ما بين دليمي وعاني وحديثي من مجموع اربعة وعشرين ضابطاً، وتوصلت ايضا الي ان فوجنا اعتيادي ولكنه مكلف بواجب خاص، ولذلك فمن الأخلاقيات والتقاليد العسكرية التي تربيت عليها في الكلية العسكرية، ان اُؤدي واجباتي ضمنه كأي ضابط في وحدات الجيش العراقي، وتذكرت جيدا أنني قد اقسمت اليمين بالله العظيم وبالشرف العسكري أن اُؤدي واجباتي علي خير ما يرام خدمة للوطن والجيش، لذلك حصلت لدي القناعة التامة بأنه يتحتم علي أن أقوم بهذه المهمة وغيرها علي خير ما يرام وعلي ان أتوكل علي الله سبحانه وتعالي.
وجها لوجه مع الرئيس

مضت ساعات الصباح ليوم الثاني والعشرين من آب (اغسطس) 1964 بين تدريب وفطور ومحاضرة ألقيتها علي الجنود وهم جالسون علي أسّرتهم في قاعة منامهم ظهراً حتي موعد طعام الغداء، وحلّت الساعة الثانية بعد الظهر، إذ كنت جالساً في المكتب، حين رن جرس الهاتف:
ـ نعم، تفضلوا.
ـ مساء الخير.. انا الرائد عبد الله مجيد سكرتير ديوان الرئاسة.
ـ نعم سيدي تفضل.. انا الملازم صبحي ناظم.
ـ كيف حالك يا ملازم صبيح؟ هل أنت من الضباط الاحداث؟
ـ بخير سيدي.. واسمي صبحي وانا من الضباط الاحداث.
ـ حسناً يا ملازم صبحي.. الآن سيغادر السيد رئيس الجمهورية القصر، وعليك اتخاذ اجراءاتك الاعتيادية حسب التعليمات.
ـ حسناً سيدي.
وصل الموكب إلي الشارع الفرعي الذي كنت واقفاً في مدخله.. كانت سيارة رئيس الجمهورية واضحة تماماً، أديت التحية العسكرية وكذلك ضباط الصف والجنود الحراس، سار الموكب دون توقف فسُرت معه حتي استقر امام باب دار رئيس الجمهورية، عندها نزل الملازم رشيد علوان المهداوي مرافق الرئيس من السيارة ووقف بالاستعداد مؤدياً التحية العسكرية، قبل ان يفتح رئيس الجمهورية الباب الخلفي الايمن بنفسه ويترجل.
وقفتُ بالاستعداد وأديت التحية العسكرية، وقدمت نفسي بالاسلوب المتعارف عليه امام السيد الرئيس، والذي وقف قبالتي بالاستعداد، وهو يرتدي بدلة مدنية كحلية اللون، وقميصا ناصع البياض، وربطة عنق من لون البدلة. لم يتفوه بأية كلمة ودخل الي داره فيما غادر الموكب بضمنه افراد الحماية الخاصة.
وفوراً سمعت اصوات أولاد رئيس الجمهورية لأول مرة، وهم يستقبلون أباهم قرب الحديقة، ودفعني الفضول ان أتقدم بضع خطوات الي مقربة من سياج الدار المنخفض لأري عبد السلام محمد عارف وقد انحني عليهم يقبلهم ويقبلّونه، فتعلق الصغيران التوأمان (محمد ومحمود) برقبته قبل ان يحملهما معاً بين ذراعيه متجهاً الي داخل البيت.
واتباعاً للتعليمات، عدت الي مكتبي داخل الثكنة بخطي سريعة، لأخُبر سكرتير ديوان الرئاسة هاتفياً بوصول السيد الرئيس الي بيته، قبل ان أعود مسرعاً الي الخارج لأراقب مواضع الجنود الحراس المحددة، وأطمئن علي اوضاع الحماية والشوارع والأسطح المشرفة، فأصدرت أوامري بفتح الشارع الفرعي امام السيارات الاهلية بشكل اعتيادي.


الرئيس يرتب كراسي الجلوس في حديقة منزله

اقتربت الساعة من السادسة عصراً، وكنت لا أزال خارج الثكنة، والجنود ما برحوا في مواقعهم، وقد اجريت بعض التبديل بين اولئك الذين رابطوا في نقاطهم اكثر من ساعتين بآخرين كانوا في القاعة متهيئين، وسمحت لآخرين باجازة تسمي النزول الي بغداد ، اذ طرق سمعي صوت رئيس الجمهورية وهو يتكلم مع اولاده في حديقة البيت.. فتعمدت السير قريباً من سياج الدار، حين شاهدت عبد السلام عارف وهو يرتّب عدداً من الكراسي الخفيفة المصنوعة من الالمنيوم مغطاة بشرائط النايلون، ومن ذلك النوع الذي كان معظم اهالي العراق يستخدمونه في حدائقهم.
كان الرئيس مرتدياً (بيجاما) صيفية صفراء اللون مقلمة بخطوط خضر.. وبينما جلس الاولاد علي الكراسي، فقد فرش عبد السلام سجادة صغيرة ليؤدي صلاة العصر قبل ان يتناول الشاي مع أسرته.
شددت علي الجنود بوجوب اليقظة والحذر ومراقبة المنطقة المحيطة جيداً، حتي حل موعد صلاة المغرب بعد الساعة السابعة بقليل، اذ جاءني السائق الحاج أحمد ليخبرني ان السيد الرئيس يطلب ان تحضر سيارته لتعود به الي القصر الجمهوري، علي ان تنتظره في ساحة عنتر.
فوجئت بالطلب، فساحة عنتر تبعد عن موقع الدار الذي نحن فيه أكثر من كيلومتر واحد، والملازم فاهم مالك لم يتطرق لمثل هذا الأمر عندما ابلغني يوم امس بتعليمات الحماية ولم يذكر سوي حضور السيارة الي هذا المكان بالذات.. فكيف سأتصرف والحالة هذه؟
توجهت الي حيث الهاتف في مكتبي، واتصلت بـالعميد زاهد محمد صالح وأبلغته بالامر فلم يستغرب!! ولكنه طلب وكّرر أن اُرافق السيد الرئيس الي حين وصوله الي ساحة عنتر، وان يسير معنا بعض جنودي لتأمين حماية سيادته.
مرت بضع دقائق قبل ان يخرج عبد السلام عارف من باب داره، لأؤدي له التحية العسكرية المعتادة، وفاجأني بدخوله الي الثكنة من باب الخروج.. سرتُ علي يساره متخلفاً وراءه بخطوة واحدة، وتلك هي عادة العسكر.. توجه الي مكتب ضابط الحماية وألقي نظرة فاحصة عليها وعلي زواياها ومحتوياتها وغرفة النوم والحمام.. ثم الي قاعة منام الجنود، فنهض الجميع احتراماً له.. قبل ان نعود الي الشارع حتي بادرني بالسؤال: هل انت راض عن وضعك ووضع جنودك؟ أجبته نعم سيدي، فلا يوجد لدينا نقص يذكر، وسألني مرة أخري: وكم عدد جنودك؟ أجبت: الموجود الكلي خمسة وعشرون، والحالي ثمانية عشر، وهناك سبعة جنود نزلوا الي بغداد في استراحة بعد الظهر كما هي العادة يومياً سيدي. عند ذلك بدأ الرئيس يوجّه نصائحه وتوجيهاته اليّ قائلا: قبل كل شيء، اُريدك يا ملازم صبحي، ان تكون حريصاً علي جنودك وعلي راحتهم وضبطهم ونظامهم ونظافتهم.. وان لا تأكل قبل ان يأكلوا جميعاً، ولا ترتاح قبل ان تريحهم، ولا تنام قبل ان يناموا.. عندها تجدهم يحبونك ويتعلقون بك.. فالعسكرية ليست اصدار أوامر فحسب، بل هي حب واحترام ونظام.. فأنت ضابط قد تخرجت حديثاً، وعليك ان تتعلم مثل هذه الامور جيداً وتتخذها نهجاً في حياتك اليومية، مثلما تعلمنا نحن من الضباط الذين سبقونا ممن عملنا بإمرتهم في ظروف السلم والحرب.. فمهنة العسكر هي مهنة الموت، فلا ينبغي ان تصدق ان جندياً يمكن ان يقذف بنفسه نحو الموت في المعركة لمجرد أوامر أصدرها اليه ضابطه، لو لم يحبه من صميم قلبه، كن لهم أباً وأخاً كبيراً، حتي لو كان هناك فارق عمر بينك وبين بعض جنودك وضباط صفك خصوصاً، نعم سيدي ـ قلت ـ واستطردت قائلا: انه ليشرفني ان اسمع مثل هذه النصائح من سيادتك. سكت الرئيس عبد السلام قليلاً قبل ان يسأل وكأنه انتبه الي (لكنة) في نطقي:
ـ من اين انت يا ملازم صبحي؟
ـ من كركوك سيدي.
ـ أتركماني أنت أم كردي؟
ـ تركماني سيدي.
ـ بارك الله فيكم.. فأنتم أبطال، انتم اولاد عمر علي (1) بطل معركة جنين في فلسطين 1948. وقد عانيتم أنتم الأمرّين علي أيدي الشيوعيين في مذبحة كركوك عام 1959، وقاومتم ببطولة. شكراً سيدي ـ قلت، واردفت: ان اللواء الركن عمر علي صديق لوالدي وعمي، ولنا معه صلة قرابة. وسألني الرئيس: ومن هما والدك وعمك؟ أجبته: والدي من موظفي مديرية النفط في كركوك وعمي الذي أقصده هو ابن عم والدي العقيد المتقاعد مصطفي عبد القادر. رد علي الرئيس إن كان المقصود (مصطفي بيك) الذي كان آمراً لأحد افواج المجاهدين الفلسطينيين، فأرجو تبليغ سلامي الخاص له، وان بابي مفتوح له وللواء عمر علي متي يشاءان دون قيد او شرط، قلت: شكراً سيدي سأبلغمها بذلك. ثم سألني هل يصل الطعام الي الجنود بشكل منتظم؟ أجبت: نعم سيدي.. وقد وصلت وجبات اليوم في مواعيدها المقررة. قال: علي اية حال إذا لم تصل اليهم وجبة، فأنني اُخوّلك ان تبعث سائقي الحاج احمد بسيارتي ليجلب لهم (الكباب) علي عددهم، وعلي نفقتي الخاصة. قلت شكراً سيدي وهذه التفاتة طيبة من سيادتكم وسأبلغهم بذلك. كلا.. رد الرئيس لا اريد تبليغهم، لأن ذلك يعتبر (مّنة)، فمن حقهم علينا ذلك، فهم يحرسون بيتي ليل نهار. ولولا ظروف البلد الحالية لما سمحت لجندي واحد ان يبقي في هذا المكان.

الرئيس منعني من مرافقته

كنت أسير مع الرئيس عبد السلام عارف في ممر مقر الحماية ذهاباً وإياباً حتي حل ظلام الليل بعض الشيء، اذ كانت الساعة قد قاربت الثامنة، وهو يرتدي الملابس نفسها التي حضر بها ظهر ذلك اليوم، والحقيقة أن مشاعر الرهبة والاستغراب وبعض السعادة قد تملكتني، علي الرغم من أن ذراعيّ ويديّ كانتا (مُتسمرتين) علي جانبي تماماً، وكيف لا؟ فأنا ملازم (آمر فصيل) وهو مشير ركن وقائد عام للقوات المسلحة ورئيس البلاد، وكان نشطاً في مشيته وحركاته، واضحاً في كلامه مسترسلاً في أفكاره وطروحاته.
أسرع رئيس الجمهورية في مسيره بعض الشيء، وخرج الي الشارع العام، وأمسي يمشي علي الرصيف المتاخم لسياج مدرسة تطبيقات دار المعلمين الابتدائية، فسار خلفنا اربعة جنود من حملة البنادق كنت قد هيأتهم مسبقاً لغرض الحماية، حتي التفت نحونا وشاهدني والجنود، فقال: شكرا ملازم صبحي، عد مع جنودك الي مقرك.
أعود الي مقري! قلت لنفسي كيف ذلك؟ رئيس الجمهورية لوحده في شارع عام مكتظ بالناس والسيارات! كيف لي ان لا اُنفذ ما أمرني به المرافق العسكري الاقدم للرئيس قبل أقل من ساعة واحدة؟ ولكن كيف أتصرف والسيد الرئيس أصدر امراً مباشراً لي بالعودة الي الثكنة؟
وفوراً أمرت الجنود الاربعة بالعودة الي الثكنة، بينما قررت ألا أترك رئيس الجمهورية لوحده مهما كانت النتائج، بل ان أسير خلفه ولكن علي بعد، لا سيما وانه من المحتمل ان لا يراني بعد ان حل ظلام أول الليل.

عبد السلام عارف وحيدا في شوارع الاعظمية

وضعت السيد الرئيس ضمن مدي النظر أمامي، سار علي الرصيف حتي اجتاز الشارع الفرعي المحاذي لـحديقة النعمان فدخلها من بوابة ركنها القريب.. كانت الحديقة مليئة بعشرات العائلات، وقد فرشت نساؤها الارض بالحصران او البطانيات القديمة، ونصبت الكراسي والمقاعد المتنوعة، وجلس الرجال والنساء يتحدثون او يتناولون طعام العشاء في تلك الامسية من الليالي العشر الاخيرة من شهر آب (اغسطس) 1964 ومجاميع من الاطفال والصبية يلعبون هنا وهناك، وفتيان يسيرون قريبا من فتيات أنيقات يرتدين ملابس قصيرة ـ تقليعة الستينيات ـ وبعض منهم يتبادل نظرات حالمة وبعض الابتسامات مع فتيات أحلامهم.
اخترق عبد السلام عارف الحديقة حتي ركنها القريب من سينما الاعظمية، ولربما من دون ان ينتبه اليه أحد او يكترث به.. كنتُ أسير خلفه علي بعد حوالي عشرين متراً بحذر وقلق، فأنا لا أحمل غير مسدس واحد مع ست وعشرين رصاصة ليس إلا! حتي خرج نحو محطة الوقود (البنزين) المتاخمة للسينما، وسار علي رصيف شارع الامام الاعظم أمام مقهي النعمان، اذ انتبه اليه بعض الجلوس، فقاموا احتراماً له، فسلّم عليهم، وردوا عليه: هله بالحجي..
واستمر بالسلام علي بعض الأشخاص والمسير، حتي وصل الي مجموعة دكاكين من ضمنها محل لبيع المعلبات والبقوليات وبعض الحبوب وقد علق في واجهته قطعة خشبية مكتوب عليها )وكيل مصلحة المبايعات الحكومية) حيث نهض رجل كبير السن يرتدي (دشداشة( بيضاء اللون واستقبله، فتحاضنا وتبادلا القبلات بحرارة ثم دفع الرجل اليه صفيحة فارغة تسمي في اللهجة العراقية (تنكه) عليها قطعة مربعة من الاسفنج الاصطناعي وجلس رئيس الجمهورية علي الصفيحة وهو يتبادل الحديث معه، وانا أنظر اليه عن بعد محاولاً الاختفاء بين المارة من الناس، وهم بالمئات بين ذاهب وآت، لكنها كانت دقائق مُتعبة علي نفسي وسط هذه الجموع من البشر.
أسرع الرئيس في خطاه، بعد ان ودع صديقه وخرج من محله وقد وضع يديه خلف ظهره وهو يسير علي الرصيف بين أناس ينظرون إليه بسكوت أو ذهول، وبين آخرين لا يثير انتباهم، يسير بين اشخاص يحيونه بالسلام وآخرين لا يكترثون به بتاتاً، وهو يتجه نحو ساحة عنتر ولم تمض سوي دقائق حتي شاهدتُ من بعد السيارة الرسمية لرئيس الجمهورية وقد وقفت في جانب من الساحة، حياه الجميع بالتحية العسكرية وعلي رأسهم مرافقه الشخصي، فيما وقف جمع من الناس وسط ساحة عنتر وأرصفتها ينظرون الي الرئيس، فاستقل سيارته وسار موكبه وهم يصفقون له ويهتفون.
تنفست الصعداء حقيقة، وأحسست تماماً أن خفقان قلبي الذي عانيت منه لساعات عديدة، وبالأخص خلال نصف الساعة الاخيرة، قد خفّ، وذلك قبل ان اعود راجعاً، وحامداً العلي القدير ان يوماً واحداً ـ لا أنساه أبداً ـ قد مر بسلام.

اللواء عمر علي وآراؤه في السياسة

رأيت من الواجب والأمانة، وبعد أن أطري عبد السلام عارف ذلك المديح بحق اللواء الركن المتقاعد عمر علي (1) في أول لقاء لي معه، أن أبلغ ذلك الي الشخص المعني في أول فرصة ممكنة، لأعود بما يطرحه ويتحدث فيه الي رئيس الجمهورية في لقاء قادم لا بد ان يقع طالما كنت مكلفا بمهمة حماية داره.
وبعد انقضاء عدة أيام، وحالما حضر ضابط بديل تسلّم مني المهمة، ارتديت أفضل بدلة مدنية صيفية أمتلكها، وذهبت الي داره في الوزيرية، ضغطت علي جرس المنزل فأطل أبو بارز بقوامه المهيب ووجهه البخيل في الابتسامة، وشاربه الكث، وصلعته التي تحتل الجزء الاكبر من رأسه الكبير.
دخلت متعقبا إياه الي غرفة الاستقبال المهيبة، وبعد دقائق من الترحاب والمجاملات والتهنئة لمناسبة تخرجي من الكلية العسكرية، وانتسابي الي صنف المشاة، سيد الصنوف العسكرية وأصعبها وأرقاها وأقربها الي الرجولة ـ حسب رأيه ـ بادرت الي القول:
ـ يا عم عمر.. جئت لأبلغك ان السيد رئيس الجمهورية ذكرك بالخير وشهد لك بأنك كنت بطلاً من أبطال حرب فلسطين، كما تحدث خيراً عن عمي مصطفي وطلب ان أبلغكما ان بابه مفتوح لكما متي شئتما.
نظر اليّ اللواء عمر علي وقد تجهّم وجهه قائلا: أي رئيس جمهورية، ومن الذي أوصلك إليه؟
ـ لقد نسبت الي الحرس الجمهوري بعد تخرجي، وكلّفت بحماية دار رئيس الجمهورية خلال الايام الماضية.
ـ علي أية حال.. والآن يبعث عبد السلام معك سلامه وتحياته لي؟!!
ـ نعم يا عم.
وهنا تحول عمر علي الي كتلة من نار، وبات يزأر كالأسد وبأعلي صوته: ان هذا )الأرعن الأهوج( في تصرفاته، والصبياني في طموحاته، قد قاد عراقنا العزيز الي ما أمسي عليه الآن.. وإنه لو لم يهجم علي بغداد وقصور العائلة الهاشمية ودار نوري السعيد، ولو لم يقترف خطأه في ذلك اليوم المشؤوم، لما كان عبد الكريم قاسم قد استطاع قلب نظام الحكم واستحوذ علي كرسي السلطة عام 1958، ان عبد السلام هو المسؤول الاول عما قاسيناه وما عاناه هذا الشعب المسكين وتعرض له هذا البلد المعطاء وما سيتعرض له من مآس ومذابح ومجازر هنا وهناك، وعما سيصيبنا من أوضاع غير مستقرة لسنوات طويلة قادمة.
ـ ولكن يا عم عمر، الا تقدّر ان اية ثورة تقوم في أي بلد، تعقبها سنوات من عدم الاستقرار ريثما تعود الامور الي مجاريها؟
ہ ولماذا الثورة.. لماذا الثورة يا صبحي؟ واية ثورة تلك التي تتحدث عنها؟ ان الثوار لم يكونوا سوي حفنة من الضباط المجازفين والطامعين في تسلّم مناصب ليسوا أهلاً لها، أرادوا السيطرة علي مقاليد الحكم، فسيطروا، وكان ما كان.
ـ ألم يخلّصونا من الاستعمار؟
ـ اوه.. أي استعمار؟ لم يكن العراق مستعمراً بشكل مطلق منذ قيام الحكم الوطني عام 1921، نحن لم نقبل أن يستعمرنا الانكليز وغيرهم، ولم نكن مثل العديد من الدول العربية الإسلامية التي رضخت لإنكلترا او خضعت لفرنسا او سارت في ركاب هولندا.
ـ يا عم.. اقولها بصراحة، إني لست بمستوي هذا الكلام الكبير، ولا يمكن ان أتحدث مع السيد رئيس الجمهورية إلاّ بقدر إجاباتي المحددة علي أسئلة معينة قد يطرحها.. ولكننا نسينا تحيات سيادته اليك.
ـ إني لست علي استعداد أن أرتبط مع عبد السلام بأية علاقة، فقد عانيت الضيم من ثورتهم، وأدخلتُ في قفص الاتهام بهذا العمر وبتلك الرتبة، وبعد كل تلك التضحيات لسبب تعرفه جيداً.. وحُكم عليّ بالإعدام شنقاً بعد ما خدمت هذا الجيش وهذا الوطن اكثر من ثلاثين سنة خدمة نظيفة لا شائبة فيها.. وتوفي ولدي من جراء سماعه حكم الإعدام عليّ، انا الآن لست بحاجة اليه ولا الي غيره، وسوف لا أتقرّب اليهم مهما كانت الظروف ان شاء الله..
ولكن لكي لا تحرج أمامه، رد اليه السلام فقط اذا ما طرح ذكري مرة اخري.
ودعت العم اللواء عمر علي، بعد أن قبلت يده اليمني احتراماً واعتزازاً.. ولم أنس في ذلك المساء ان أتوجه الي مكتبة في حي راغبة خاتون لأقتني أول (أجندة) في حياتي بسعر خمسمائة وخمسين فلسا، ليكون حديث أول السطور التي سجلتها في اوراقها عن ليلة 29/28آب (اغسطس) 1964.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 02-29-2008, 01:49   #3
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثالثة)

2008/02/27
القدس العربي


اسرة الرئيس عبد السلام

كانت عائلة الرئيس عبد السلام محمد عارف مكونة من زوجته، التي أنجبت له سبعة أبناء، أربع بنات وثلاثة بنين، هم علي التوالي (وفاء، رجاء، سناء، أحمد، جلاء، والتوأمان محمد ومحمود) ولم أتعرف علي اسم زوجته السيدة اُم أحمد (1) طيلة السنتين اللتين قضيتهما في الخدمة بالحرس الجمهوري. كانت امرأة في حدود الاربعين من العمر، متوسطة الجمال والقامة والبنية، ترتدي العباءة السوداء العراقية، سواءً عند خروجها من البيت لزيارة الجيران، او لدي استدعائها لأحد الجنود الحراس الي باب حديقة دارها لتكليفه بشيء ما، بكل أدب واُصول وأخلاق.. ولم تستدعني غير مرة واحدة الي باب الحديقة لتشكو لي بصوت خافت عن تصرف غير مقبول لأحد جنودي مع ابنة أحد الجيران، فقمت بإرساله مع ملابسه وتجهيزاته وسلاحه شبه موقوف الي مساعد آمر الفوج بسيارة الأرزاق ظهر اليوم نفسه.. ولم تتم معاقبته فحسب، بل نقل الي خارج وحدات الحرس الجمهوري فوراً.
كانت اُم أحمد تبقي وحيدة في البيت منذ الصباح حين يذهب الاولاد جميعاً الي مدارسهم حتي يعودوا ظهراً.. لم اُلاحظ تركها لدارها الا مرات قليلة لزيارة الجارات القريبات، ولم تكن تتنقّل بسيارة العائلة مع السائق لوحدها بشكل مطلق الا مع أحد اولادها، ولم أسمع لها لغواً او صياحاً مع زوجها، علي الرغم مما كان يُشاع لدي عامة الناس أنهما علي غير وفاق، ولكنها لم تكن تجلس مع الاولاد في الحديقة عندما يكون عبد السلام عارف جالساً معهم. ولربّما يكون هذا التصرف قد فرضه الرئيس ابو احمد لسبب او لآخر.. وقد شاهدت خروجها مع إحدي بناتها او أحد بنيها، او جميعهم معاً بسيارة العائلة والسائق أحمد الكرخي لزيارة الاقارب او الاصدقاء البعيدين، ولكننا لم نكن علي معرفة بوجهتهم، فليس من واجبنا ذلك الا ان إحدي البنات كانت تحضر الي مكتبي للاتصال هاتفياً بأبيها مباشرة لإخباره بذهاب العائلة الي بيت فلان، وما اكثر الزائرات اللواتي كن يحضرن اليها سواءً من الجارات او القريبات، وكيف لا؟ وهي زوجة رئيس الجمهورية، والتي يفترض ان تسمي السيدة الاولي، كما هو متعارف عليه في معظم بلدان العالم، وكانت إحدي اقرب صديقاتها التي تتزاور معها يومياً امرأة في مثل عمرها سيدة اسمها اُم صباح الساكنة في الركن المقابل للدار.

أبناء الرئيس

كانت (وفاء) الابنة الكبري متزوجة من ابن عمها الملازم الاول الطيار صلاح عبد السميع محمد عارف الذي كان طياراً علي طائرة قاصفة من طراز (إليوشن 28) في قاعدة كركوك الجوية، وكانا يسكنان في إحدي دور ضباط القاعدة المذكورة. ولم يكونا يزوران بغداد الا عند تمتّع الزوج بإجازة، ويحضران مع ابنتهما الوحيدة نادية في دار رئيس الجمهورية. ولم الاحظ خلال فترات مهماتي مبيت وفاء في بيت والدها مطلقاً.. وقد علمت أنها تنزل في مسكن عمها عبد السميع ولكني لم اُقابلها أو أر وجهها عن قرب، أما )رجاء) فقد كانت فتاة في ربيعها السادس عشر، متوسطة القامة والبنية، بيضاء البشرة، جملية يانعة، أنيقة يافعة، تلميذة في الصف الرابع العلمي، مؤدبة وخلوقة يتمناها كل شاب.. وكانت تحضر مع أخيها أحمد او شقيقتها سناء عادة يومياً كي تتصل هاتفياً بأبيها او بإحدي صديقاتها او قريباتها، إذ كنت أترك المكتب لأتجول خارجه ريثما تنتهي وتترك المكتب.. وكلما كانت تخرج لتعود الي البيت فإنها تعتذر عن الإزعاج الذي سببّته لي وتشكرني، وخصوصاً عند إطالتها للمكالمة علي عادة جميع نساء العالم، وليس العراق فحسب.. وكانت تزور بنات الجيران القريبات بصحبة سناء او جلاء كثيراً، وبالأخص في أيام الجمعة او العطل.
والبنت الثالثة سناء، كانت في الثالثة عشرة من عمرها، لونها مائل الي السمرة، متوسطة القوام والبنية، طالبة في الصف الاول المتوسط، مؤدبة وذات اخلاق عالية حتي تبدو اكبر من عمرها، تصاحب اُختها رجاء دائماً، ولكنها كانت تحضر لوحدها بعض المرات للاتصال بالهاتف، وكانت علاقتها مع أخيها احمد سلبية، ولطالما سمعت صياحهما في حديقة الدار، والذي كان يخفت بتدخل الوالدة عادة.
أما أحمد الذي كان يبلغ من العمر إحدي عشرة سنة، فأبيض البشرة، متوسط القامة والبنية، ذو وجه جذاب، دائم الابتسامة، غاية في الادب والاخلاق والاصول، كان طالبا في الصف السادس الابتدائي في حينه. كان حضوره في مكتبي وقت العصر، اذ يتكلم بالهاتف مع أبيه، ويطيل في ذلك بعض الشي، حتي ينبهه والده ليكفّ، وأحمد يهوي العسكرية ويتلهف للتعرف علي الاسلحة، ولكن والده الرئيس قد نبّهنا مرات عديدة بعدم إفساح المجال له لمسك سلاح بين يديه وعدم مجاملته كثيراً..
كان احمد شغوفاً بالدراسة، ذكياً في طروحاته واستفساراته وتساؤلاته، وطالما كان يتمشي معي داخل الثكنة لينهال عليّ بوابل من الاسئلة المتعلقة بالاسلحة وانواع الطائرات وطرزها، وكذلك عن العلوم والتاريخ والجغرافيا عند عدم وجود والده في البيت، وبالاخص في ايام العطل الرسمية.. وبشكل عام لم يكن ميالاً الي اللعب مع أولاد الجيران في الشارع.
اما ابناء الرئيس الصغار جلاء والتوأمان محمد ومحمود فقد كانوا في الصفوف الاولي من الدراسة الابتدائية وقلّما كنت أراهم، لذلك فلم أتعرف عليهم عن قرب.
عائلة الرئيس عبد السلام ترتاد
دور السينما ببغداد دوريا

كانت عائلة عبد السلام عارف ميّالة لمشاهدة عروض الافلام الجديدة في دور السينما ـ حالها حال معظم العائلات العراقية ببغداد ـ وكان سائقهم يقلهم بالسيارة الخاصة الي سينما الخيام أو سينما النصر او غيرهما لمشاهدة أحدث فلم جيد وجديد وقت العصر او في الدور الاول مساء.. وقد صادفتهم جميعاً وهم جالسون في مقصورتين بين مقصورات الطابق الثاني من الصالة، إحداهما للبنات وأمهنّ، والأخري للبنين، بينما كان السائق يجلس علي مقربة من المقصورتين في الصف الاول من مقاعد الصالة، ولربما كان الحضور هناك من الناس لا ينتبهون الي ان تلك العائلة هي عائلة رئيس الجمهورية.
كان الحاج أحمد الكرخي (أبو شهاب) قد جاوز الخمسين من عمره، اذ عمل جندياً سائقاً ثم ضابط صف سائقا مع عبد السلام عارف عندما كان ضابطاً في وحدات الجيش وهو الذي قاد سيارته العسكرية ايضاً حينما دخل بغداد صبيحة الرابع عشر من تموز (يوليو) لتفجير الثورة. وقد اُحيل الكرخي علي التقاعد لبلوغه السن القانونية وهو برتبة رأس عرفاء وحدة آلي، وقد ظلّ علي زياراته لـعبد السلام عارف خلال سنوات سجنه أو عند شبه الإقامة الجبرية المفروضة عليه حتي (ثورة 14 رمضان) 8 شباط (فبراير) 1963 حيث قرر رئيس الجمهورية ان يجعله سائقاً لسيارته الشخصية التي تخدم العائلة والبيت، ناهيك عن حسن سيرته وأخلاقه العالية.
كانت سيارة رئيس الجمهورية ملكه الخاص، وهي مسجلة باسمه، وكانت من طراز (مرسيدس 220) موديل 1963 لونها سمائي، وقد بُني لأجلها كراج صغير قرب باب الحديقة، وأنشئت فوقه غرفة بالمساحة نفسها لمبيت السائق عند اللزوم.
كان الحاج أحمد الكرخي غاية في الخلق والادب، طويل القامة، رشيق البنية، وقد غزا الشيب قسماً من شعر رأسه، متجهم الوجه غير مبتسم، يحسبه الناظر متكبراً في اُول لقاء ويتهمه بالغطرسة لكونه سائق رئيس الجمهورية.. لكنه سرعان ما يكتشف ان ذلك طبيعة خلقه..
كان نشيطاً في عمله، جدياً في حركاته، حريصاً علي خدمة السيارة طول النهار، لا يعرف المزاح او النكتة.. وعلي الرغم من كونه رأس عرفاء متقاعد ويرتدي الملابس المدنية، فإنه لم يقف امامي وانا الضابط الحدث إلاّ بالاستعداد.. وقلّما رفع نظره نحو عيني..
كان من عادته التمشي مع عريف فصيل الحماية داخل مقر الحماية وخارجه، وخصوصاً لدي شعوره بالوحدة والملل في غرفة مبيته فوق (الكراج)، إذ لم يكن يختلط بأي شخص من الجيران أو سكان المنطقة، وكان يتناول وجبات طعامه هناك بعد أن يتسلمها من يدي أحمد، نجل الرئيس، او من احدي البنات.
كان يحضر السيارة قبيل الساعة السابعة صباحاً، في الصيف او الشتاء، اذ يخرج السيارة ليوقفها قريبة من باب الحديقة، وفي السابعة والنصف ينقل اولاد الرئيس الي مدارسهم قبل ان يعود في حدود الثامنة، ليخرج مرة اخري لشراء اللحم والخضروات والفواكه ويرجع ليبقي حتي الظهر حين يعود بالاولاد جميعاً من مدارسهم، وكان يقضي الظهر في غرفته حتي بعد صلاة العصر، فإذا رغبت العائلة او الاولاد بالخروج فإنه يتكلف بذلك، وإلاّ فانه يدخل السيارة الي الكراج ويغادر الي مسكنه الذي لم أعرف موقعه، اما اذا حضر رئيس الجمهورية الي الدار، فإنه يبقي ملازماً فيها حتي يغادر. واذا ما رغب الرئيس ان يبيت ليلاً في بيته، فإن الحاج أحمد يبيت هو الآخر في غرفته الصغيرة الخاصة به فوق الكراج.
كان راتبه الشهري خمسة وعشرين ديناراً، يدفعه الرئيس عبد السلام عارف من جيبه الخاص، وذلك حسبما أعلمني الحاج احمد شخصياً، بينما يبلغ راتبه التقاعدي ثمانية وثلاثين ديناراً، وكان يُفصّل بدلة شتوية واُخري صيفية علي نفقة رئيس الجمهورية سنوياً، اذ لم يكن يرتدي القميص والسروال لوحدهما حتي في أشد أيام الصيف حرارة، وذلك من أجل إضفاء بعض الوقار علي شخص سائق رئيس الجمهورية وليخفي المسدس (براوننك) الذي كان يحمله دائماً تحت السترة.
إخوة عبد السلام

أكبر اخوة الرئيس عبد السلام محمد عارف هو الملازم المتقاعد عبد السميع صاحب (مكوي النعمان) الواقع علي شارع الامام الاعظم. لم اُقابله مطلقاً، ولم يصادف ان زار دار اخيه خلال أي تواجد لي في مهمة الحماية، ولم أعرف غير نجله الملازم الاول الطيار صلاح صهر عبد السلام كما أسلفت.
وكان اللواء عبد الرحمن محمد عارف الاخ الثاني، اكبر عمراً من عبد السلام . الا ان الاخير قد سبقه في الدراسة والقبول في الكلية العسكرية. وكان يشغل منصب رئيس اركان الجيش وكالة في حينه، اذ لم يثبّت بهذا المنصب الرفيع أصالةً لعدم اشتراكه بدورة في كلية الاركان.. ومثلما كان عليه الحال مع عبد السميع ، فإنني لم اُلاحظ شخصياً أية زيارة له او لعائلته لدار أخيه.
وكان صباح (أخوهم الأصغر، ومدلّل العائلة كما كان يحلو لبعض معارضي النظام تسميته) قد تخرج من كلية الحقوق ببغداد، متوسط القامة والبنية، جميل المنظر، وكان صديقاً لأولاد عبد السلام اكثر من كونه مجرد عمّ لهم.. يحضر الي البيت لوحده، إذ كان عازباً لم يتزوج بعد، وكانوا يرحبون به بحرارة، ويركض البنون والبنات نحوه ويتحاضنون معه ويقبّلوه ويقبّلهم. ولطالما كنت اسمع مزاحاتهم في حديقة الدار، ويخرج بالاولاد وصغار البنات عادة بسيارته الشخصية الصغيرة المتواضعة.
كان صباح يشغل وظيفة (الكاتب العدل) في مجمع محاكم الاعظمية الواقع علي الكورنيش ، ولا يرتدي الا بدلة انيقة حتي في صيف العراق القائظ، ويحمل مسدساً تحت سترته، ذلك المسدس الذي كان حديث بعض الناس الذين كانوا يتهامسون فيما بينهم فيما لو كان من حق أخ مدني لرئيس الجمهورية أن يحمل مسدساً.. ولكني علمت من السائق الحاج أحمد أن صباح محمد عارف قد حصل علي اجازة رسمية من الشرطة لحمل ذلك المسدس لاعتبارات تتعلق بوظيفته التي لها مساس بمشكلات الناس ومصالحهم يومياً.. أما عبد السلام فقد كان يعتبره شاباً متهوراً لعدم التزامه بأصول الدين والصلاة، لذلك لم يكن علي وفاق معه.
وكانت لي مع صباح مفارقة، كان حديث مسدسه الخاص من ضمنها.. ففي يوم من أيام صيف 1965 جاءني صديق يحتاج حلاً لمشكلته لدي المحكمة الشرعية في الاعظمية، وكان لي قريب هناك اسمه كامل حسين ويكني (أبو مؤيد) يشتهر بعصبية مزاجه وتدخينه لمئة سيجارة او اكثر يومياً، ويشغل منصب الكاتب الاول لدي المحكمة نفسها.. وعندما دخلت مكتب أبي مؤيد وجدته خالياً، إذ أفاد أحد موظفيه أنه ذهب الي مكتب الكاتب العدل ، فتوجهت مع ذلك الصديق الي تلك الدائرة.. ولدي اقترابنا منها سمعت صياحاً عالياً، سرعان ما اكتشفت أنه صادر من حنجرة أبي مؤيد ، حتي فتحت باب الغرفة لأجد صباح محمد عارف جالساً علي كرسي مكتبه وأبا مؤيد واقفا ويداه متّكئتان علي المنضدة، وهو يوجه كلاماً جارحاً وبصوت عالٍ إلي صباح، كانت آخر عبارته: (اُنظر في عيني فإنني انصحك ان لا تحسب نفسك أخاً لرئيس الجمهورية، فإن المسدس الذي تحمله سأضعه في فمك لو لم تكمل ما كّلفتك به)، بينما كان صباح يبتسم قائلاً: حسناً، حسناً يا أبا مؤيد، فإن طلباتك أوامر، فأنت الاكبر عمراً، وأنا أخوك الصغير، آنئذ خرج أبو مؤيد معي وظلّ يتمتم طوال اجتيازنا الممر المؤدي الي غرفته.
والحقيقة أنني لم اُقابله او أتعرف عليه عن قرب، فقد كان يزور بيت رئيس الجمهورية، ولم يكن ـ استناداً الي التعليمات ـ خاضعاً لمساءلة عند إيقاف سيارته المتواضعة أمام باب الحديقة مباشرة.

الاقارب والاصدقاء

لم اُشاهد بأم عيني صديقا او قريبا للرئيس عبد السلام قد زاره في بيته، عدا بعض الجيران الذين كانوا يجلسون معه في الحديقة او داخل البيت لدقائق معدودات، فلربما كانوا يقدّرون محدودية أوقاته وكثرة مشاغله وضرورة تفّرغه لأفراد عائلته خلال تلك الساعات القليلة.
الا ان البعض منهم كانوا يؤقتون حضورهم قرب باب الدار مع مغادرته اياها، وخصوصاً عندما يشاهدون موكبه قد حضر.. وكان الرئيس عبد السلام بعد تبادل عبارات المجاملة معهم، يتسلّم منهم عرائضهم او رسائلهم المهيأة سلفاً قبل ان يناولها الي مرافقه الشخصي.. بينما كنا نحن آمري فصيل الحماية نتسلم العرائض من المواطنين، مهما كانت صفتهم، ونجمعها قبل ان نسلّمها باليد الي المرافق دون ان نتتبع مصيرها او الاجراءات المتخذة بحقها.
كان لآمر فصيل الحماية الحرية في استقبال أي صديق او قريب له في مكتبه، او للجلوس معه في حديقة الثكنة، وخصوصاً عند عدم حضور رئيس الجمهورية في بيته، ويقضي معهم ساعات طويلة ويجلب لهم الطعام من أحد المطاعم القريبة، وقد تعوّد معظم أصدقائي علي الحضور لزيارتي بمعدل يومي. وأذكر منهم علي سبيل المثال نجدت قاسم الصالحي، محمد أحمد الخطيب، وهبي شاكر مصطفي، الملازم أول الطيار مسرور بهاء الدين، الملازم المظلي عصمت صابر عمر، الملازم الملاح نهاد اسماعيل حقي، ولم تكن وجبات الطعام تصلنا من مطعم ضباط الفوج، اذ كنا نبعث لشراء طعام لنا من مطاعم الاعظمية وعلي نفقتنا الخاصة، ولم نكن نتقبل مطلقاً اية وجبة من بيت رئيس الجمهورية علي الرغم من الحاح زوجته عن طريق السائق الحاج احمد ، وخصوصاً في ايام الجمع او الاعياد او العطل الرسمية.
كنت اُلاحظ اثناء اتخاذنا لإجراءات حماية دار رئيس الجمهورية، وخصوصاً عند وجود الرئيس فيها، امتعاض بعض الناس في نظراتهم الغاضبة نحونا إثر منعنا لمرور السيارات في الشارع الفرعي الذي تطل عليه الدار قبيل وصول موكبه.. وكان البعض يتضجّر ويتمتم بعبارات غير مسموعة عادة. اذ كنا نعتذر ونبرّر ذلك بأنها أوامر واجبة التنفيذ.
وفي مفارقة لا أنساها... وبينما كنت أستطلع المنطقة المحيطة بدار رئيس الجمهورية في صباح أحد الايام الاولي من عملي في حماية دار الرئيس، وجدت لوحة صغيرة كتب عليها الدكتور خيري الجماس (توقفت عن المسير)، إذ أعادتني الذاكرة الي سنوات قليلة مضت. فهذا الطبيب كانت عيادته في كركوك وتربطه صداقة عائلية حميمة مع خالي المحامي السيد ناظم نوري الصالحي. ضغطت علي زر الجرس، وتأكدت من سكان الدار أنه المقصود فعلاً، وعرّفتُ نفسي إليهم بوضوح، واعداً إياهم بزيارة (الدكتور) ليلاً بعد عودته من العيادة، في حدود الساعة التاسعة والنصف.
ولكن يبدو انه لم يصبر عند إخبار اهله له بحضور ضابط الحماية في باب داره وهو يحمل مسدساً، حيث أخبرني احد الجنود بأن الدكتور خيري واقف بانتظاري في باب الثكنة.. فخرجت اليه مسرعاً، ولم يتذكرني، حتي تقربت اليه تماماً فصاح: ما الذي جاء بك الي هنا يا صبحي؟ أجبته: تخرجت في الكلية العسكرية قبل حوالي شهر وانتسبت الي الحرس الجمهوري، وكلّفتُ هذه الايام بهذا الواجب.. ولكن ما الذي جاء بك انت من كركوك الي بغداد بينما أنت من أهل الموصل؟ قال: انها ورطة تورطت فيها.
استفسرت منه أية ورطة لا سامح الله؟ قال: قُدرت لي هذه الورطة، فقد كان طموحي كطبيب ان افتح عيادة في بغداد ونقلت الي دائرة صحة العاصمة ، وتقدمت لخطبة فتاة، وحاولت العثور علي دار سكن، ففوجئت بالاسعار العالية للإيجارات التي لا تطاق، وما إن عثرت علي هذه الدار الفارغة حتي استهواني إيجارها المنخفض جداً (15) دينارا شهرياً فقط علي الرغم من كونها لائقة وكبيرة وذات مساحة واسعة وحديقة غناء وغرف متسعة وعديدة، ولم أكتشف أنها ورطة الا بعد ان استقررت فيها من حيث متاخمتها لبيت رئيس الجمهورية.
ـ ولماذا تحسبها ورطة يا دكتور؟
ـ إجراءات الحماية مزعجة.. جنود واسلحة.. تحديد حركة.. منع سيارتي من المرور في بعض الاوقات.. جنود في سطح الثكنة المتاخم لسطح بيتي.. إزعاجات اخري لا مجال لذكرها.. كل هذه ولا تحسبها ورطة ؟
ـ ولكن، هل يطل سطح الثكنة علي بيتكم؟ وهل يزعجكم الجنود عند صعودهم اليه؟
ـ إطلالة سطحكم علي بيتي ليست مباشرة والحق يقال والجنود لم يزعجونا.. ولكن مجرد إحساسي بوجود الجنود مدججين بالسلاح علي سطحكم يزعجني الي حد لا أستطيع معه النوم بعد الظهر.. وأنت تقدر جيداً أننا من اهل الموصل ومحافظون علي تقاليدنا وعاداتنا.
ـ إسمح لي يا دكتور خيري.. فأنت لست علي حق في تصوراتك، وأنت تهّول هذا الموضوع دون داع.
ـ لا والله يا صبحي، فإنني الآن اُحاول العثور علي دار سكن اخري في أية منطقة من بغداد، ومهما يبلغ ايجارها، فقد ضقت ذرعاً.
ودعت الدكتور خيري الجماس في تلك الظهيرة، وزرته في بيته ليلاً مرتين، قبل ان ينتقل الي دار اخري استأجرها في حي بغداد الجديدة.
هوامش

(1) أوضحت لي السيدة وفاء عبد السلام عارف عند زيارتي بيتها في حي اليرموك بحضور زوجها وابن عمها العقيد الطيار المتقاعد صلاح عبد السميع محمد عارف في الاول من نيسان (ابريل) 1997 ان اسم والدتها هو: ناهد حسين فريد الريس.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 02-29-2008, 01:50   #4
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الرابعة)

2008/02/28
القدس العربي


التحاقي بضباط حماية القصر الجمهوري

كانت حماية مبني القصر الجمهوري من مسؤولية فوج الحرس الجمهوري الذي التحقت بسريته الثالثة بعد انتهاء مهمتي في حماية منزل رئيس الجمهورية، وقد جاء دور سريتنا لتولي واجب حماية القصر في الاول من كانون الاول (ديسمبر) 1964 حيث انتقلنا بعد تهيؤ طال ساعات الليل كله، وبكامل الاسلحة والتجهيزات بسيارات شحن عسكرية من طراز )زيل( من ثكنة الفوج المجاورة للقصر الجمهوري الي القصر ذاته، ولم تكن هذه هي المرة الاولي التي أدخل فيها القصر الجمهوري، فقد زرتُ ضباط السرية الثانية خلال الشهرين الماضيين ـ بحكم الصداقة ـ مرات عديدة، سواءً في قاطع منامهم او في غرفة التشريفات، من دون ان أتجول في أروقة القصر وممراته ونقاط حمايته. يذكر ان القصر الجمهوري في بغداد قد بوشر ببنائه خلال السنتين الاخيرتين من العهد الملكي، حيث وضع حجره الاساس عام 1956، وتكامل هيكله قبل ان يزيّن بالمرمر والرخام حتي وقعت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 ليُترك ويُهمل تماماً خلال عهد عبد الكريم قاسم الذي طال حوالي اربع سنوات ونصف السنة، حيث اتخذ منه مقرا لفوج مشاة تشكل علي أنقاض كتيبة خيالة الهاشمي سميّ الفوج الثالث من لواء المشاة الخامس والعشرين بقيادة المقدم مصطفي طيفور حتي اندلاع ثورة 14 رمضان الثامن من شباط (فبراير) 1963 قبل ان يعاد التفكير والمباشرة لإكمال بناء القصر ليصبح )جمهوريا).

رئيس الجمهورية خلال الدوام الرسمي

لم تكن لنا، نحن ضباط سرية حماية القصر الجمهوري، أية علاقة بما يجري من أعمال في أروقة ودوائر القصر خلال ساعات الدوام الرسمي من الصباح وحتي بعد الظهر.. فالضابط الخافر يغادر غرفة التشريفات في حدود الساعة الثامنة صباحاً، بعد حضور الموظف المسؤول وإيجازه عما جري في الليلة السابقة وتسليّمه الاضابير التي ربما تحوي اوراقاً مهمة وردت من وزارت او دوائر ضمن البريد المسائي، او تلك التي صدرت من لدن رئيس الجمهورية في وقت متأخر من الليل. أما داخل القصر الجمهوري، فإن الحركة تدب فيه قبيل الساعة الثامنة صباحاً وحتي الساعة الثانية ونيّف ظهراً، حيث تدخله سيارات الموظفين بالعشرات وسيارات بعض الوزراء وكبار موظفي الدولة والضباط الأقدمين من ذوي المناصب المتقدمة لدي القوات المسلحة الذين يطلب رئيس الجمهورية مقابلتهم واستشارتهم في أمور الدولة، بينما يكتظ الشارع العام لمنطقة كرادة مريم المار أمام القصر الجمهوري مباشرة بأعداد كبيرة من المشاة وسيارات المواطنين ودراجاتهم البخارية أو الهوائية، وحافلات مصلحة نقل الركاب.
كان رئيس الجمهورية ينشغل بالاجتماعات الرسمية واستقبال كبار رجالات الدولة، أو زيارة إحدي الوزارات أو الدوائر والمؤسسات والمعامل والمعسكرات بمعدل يومي عادةً، أو لحضور احتفال رسمي أو شعبي، أو لافتتاح مشاريع معينة، اضافة الي جولاته التفقدية للمدن والمحافظات، فقد كان عبد السلام نشيطاً في هذا المجال بشكل ملحوظ ولا يعرف الكلل أو الملل.. أما مواجهة المواطنين الاعتياديين ممن يحملون هموماً ومشاكل وطلبات، فقد كانت تجري خلال ساعات الدوام الرسمي ليوم الخميس أو بعد انتهاء الدوام الرسمي ليوم الأربعاء من كل أسبوع وبشكل منتظم.. وفي حالة غيابه لأي سبب كان، فإنه يخول أحد كبار المسؤولين بهذه المهمة، وفي مقدمتهم سكرتيره العام عبد الله مجيد، وقد لاحظت ان الرئيس عبد السلام عارف لا يخلد الي الراحة بعد انتهاء الدوام الرسمي، وقد علمت بمرور الأيام أنه لا يحبذ تمشية البريد اليومي أثناء ساعات الدوام إلا إذا احتوي علي حالات عاجلة لا يمكن تأجيلها، إذ يتفرغ لذلك بُعيد الساعة الثانية ظهراً وحتي حلول موعد صلاة العصر عادة إذا ما تواجد في القصر ولم يذهب الي بيته أو الي أي مكان آخر، أما اذا غادر القصر فإنه يؤجل البت في البريد الاعتيادي الي ما بعد عودته ليلا، حيث كانت زيارات الرئيس الي خارج القصر تتم عصرا عادة ـ عدا زيارته لعائلته ـ سواء لحضور مباريات كرة القدم في ملعب )الكشافة(، فقد كانت تلك الرياضة ـ ذات الشعبية الواسعة في عموم العراق ـ من هواياته واهتماماته، تضاف إليها السباحة، او زياراته الاجتماعية.
كان أكثر الاشخاص المسؤولين حضوراً الي القصر للاجتماع برئيس الجمهورية مساءً خلال تكليف سريتنا بمهمة حماية القصر للمرة الاولي في كانون الاول (ديسمبر) 1964 لغاية كانون الثاني (يناير) 1965، وربما خرجوا معه للتجوال في حدائق القصر، هم:
ـ الفريق طاهر يحيي رئيس الوزراء، المقدم الركن صبحي عبد الحميد وزير الداخلية، اللواء الركن ناجي طالب العضو المتفرغ في مجلس الرئاسة المشترك للجمهورية العربية المتحدة والعراق قبل تسنّمه منصب وزير الخارجية، اللواء الركن محسن حسين الحبيب وزير الدفاع، العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، الدكتور عبد العزيز الوتاري وزير النفط، الدكتور عبد الرزاق محيي الدين وزير الوحدة، اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالةً، العقيد سعيد صليبي قائد موقع بغداد والانضباط العسكري، عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية، السيد أمين هويدي سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد، العقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري، الرائد الركن عبد الرزاق صالح العبيدي آمر فوجنا.
تمشية البريد اليومي

كان يجلس في مكتبة طويلاً، ويقضي معظم ساعات الليل فيه، ولا يخرج إلا لممارسة المشي، عصراً في بعض الايام، وليلاً بمعدل يومي، وكان البريد عندما يرد الي القصر الجمهوري بعد انتهاء الدوام الرسمي، فإن أحد موظفي مكتب السكرتير العام لديوان الرئاسة هو الذي يتسلمه من حامله في حالة وجود السكرتير بدائرته، وفي حالة غيابه فإن الضابط الموجود في غرفة التشريفات هو الذي يقوم بتسلمه، ويرسل )السري والشخصي) وكذلك (المستعجل) الي رئيس الجمهورية مباشرة، بينما يستبقي البريد الاعتيادي الي صباح اليوم التالي، وكذلك الحال بالنسبة الي البريد الخارج من مكتب رئيس الجمهورية في وقت متأخر من الليل، إذ كنا نرسل البريد العاجل الي الوزارات أو الدوائر المهمة ذات العلاقة في أي ساعة بإحدي سيارات القصر.
وقد دفعني فضولي مرات كثيرة الي تصفّح الاوراق والاطلاع علي هوامش رئيس الجمهورية المثبتة في متونها: كانت تعليقاته واضحة وبخط بيّن، ولكنه ليس بجميل، وعباراته مفهومة لا لبس فيها ومعظمها كان علي شكل أوامر لا مجاملة فيها، وتحوي في بعض الاحيان أمثالاً شعبية ساخرة لوحدها أو مصحوبة بكلمات كتبها باللهجة العامية، أتذكر منها: اللي يدري يدري.. واللي ما يدري كضبة عدس، وهامش آخر يقول: عصفور كفل زرزور.. وإثنينهم طيارة، وتعليق آخر يقول: ما طار طير وارتفع.. إلا كما طار وقع، ورابع: دفعة مردي وعصا كردي وخامس: عادت حليمة الي عادتها القديمة.

اللبن الرائب والخبز والشاي
عشاء عبد السلام المفضل

كان طعام عشائه المفضل هو اللبن والخبز والشاي، والفاكهة حسب الموسم، وقلما كان يتناول لحوماً أو مقليات، ويكتفي بتكريم ضيوفه بالقهوة والشاي وبعض الفاكهة، ولا يسمح بتقديم السكائر إليهم، فقد كان كارهاً للتدخين بل ومحارباً له، ولم يكن أحد يدخن السكائر أثناء مرافقته في تجواله اليومي احتراماً لشخصه.
كان ينهض فجراً، ويؤدي صلاته بخشوع ملحوظ ويطيل في دعائه، قبل أن يتلو القرآن بصوت مسموع طيلة ساعة كاملة تقريباً، ثم يرتدي بدلته الانيقة ويخرج لوحده في جولة مبكرة ضمن الحدائق الخلفية للقصر أو علي ضفاف دجلة، وفي جميع الاحوال كان يرد التحية علي الجنود في أقرب أبراج المراقبة، مستفسراً عن راحتهم وطعامهم ومتفقداً لخيامهم المتواضعة، وإذا ما صادف ضابطاً من سرية الحماية وهو يقوم بواجبه الاعتيادي فلا يمانع أن يرافقه ويسير الي جنبه، إذ كنت أراه في هذا التصرف وكأنه يعمل علي شاكلة )آمر فوج) لا يزال في الخدمة العسكرية أكثر من كونه رئيس جمهورية، وكنت ألاحظه كمن يستمتع بذلك.
أما في أيام الجمعة، فلا أتذكر أنه تأخر عن أداء صلاتها يوماً، وكان يحضرها كل أسبوع في أحد جوامع بغداد، مرة في جامع أبي حنيفة النعمان، وثانية في مسجد الست نفيسة بالكرخ، وثالثة في جامع الأزبك بالباب المعظم، واخري في العسّاف براغبة خاتون، او في جامع العاني بالوزيرية، وهكذا .. ولم يكن ذلك خافياً علي الصحافة، إذ كانت تنشر ذلك دائماً وفي مرات كثيرة فإن الجامع الذي سيؤدي عبد السلام عارف صلاة الجمعة فيه، كان ينشر في الصحف في اليوم الذي يسبق الجمعة.

فقدان أثر رئيس الجمهورية ثلاث ساعات

مضي اُسبوعان أو ثلاثة علي تواجد سريتنا داخل القصر الجمهوري لأغراض الحماية، وقد أمست مشاهدتنا للرئيس عبد السلام، وذات يوم، كان الدوام الرسمي قد انقضي، وقد بلغت الساعة الثالثة عصراً، حيث تكون أروقة القصر وأجنحته قد خلت من جميع موظفيه، بمن فيهم أولئك الذين تأخروا لبعض الوقت لإنهاء أعمالهم التي لم يستطيعوا إكمالها خلال الساعات المقررة، حتي غادر السكرتير العام لديوان الرئاسة والمرافق الاقدم لرئيس الجمهورية مكتبيهما بسيارتيهما الرسميتين الي مسكنيهما.
تجولت علي نقاط الحماية، وعدت الي غرفة التشريفات في حوالي الساعة الرابعة عصراً، وخرج الملازم عبد الجبار ليقوم بجولته الاعتيادية التي كان يحاول دائماً إنهاءها بكل سرعة ليتفرغ لصلوات النافلة وتلاوة القرآن الكريم دوماً في فترات الليل او النهار. وكثيراً ما كان يدعوني، بحرارة أن أبقي بشكل دائم في غرفة التشريفات، بينما يؤدي هو الواجب الاخر طمعاً في أداء عبادات افضل.
لم يمض علي جلوسي في تلك الغرفة المكيّفة مركزياً نصف ساعة حتي رنّ جرس الهاتف علي تلك المنضدة المتسعة ذات النقوش البارزة، وكان المتكلم علي الجانب الآخر نائب العريف رشيد مجيد آمر حرس الباب النظامي للقصر، وهو أحد ضباط صف فصيلي أصلاً ـ وهو يتحدث بارتباك ملحوظ وصوت عالٍ:
ـ سيدي.. سيدي.. لقد خرج السيد الرئيس من القصر في سيارة لوحده دون حماية!
ـ ماذا؟... رددت عليه وسألته: متي حصل ذلك وما نوع السيارة؟ الآن ـ رد عليّ ـ وقبل دقيقة واحدة، وبسيارة مكشوفة تَنتَه وليست تلك الرسمية التي يستخدمها عادةً سيدي. وسألته مرة أخري: ومن الذي كان يقودها؟ قال: السائق نائب ضابط ستار سيدي.
كانت المرة الاولي التي اُصادف فيها مثل هذا الموقف، إذ لم أعرف أو أسمع مسبقاً بخروج رئيس الجمهورية لوحده بسيارة دون حماية، ولم يبلغني أي من الضباط الذين سبقونا في مهمة حماية القصر بموقف مشابه، فما الذي ينبغي أن أعمله وكيف اتصرف وبمن اتصل واُخبر من؟
كان اقرب الاشخاص الذين فكرت فيهم هو مساعد آمر الفوج الملازم الاول عبد الصمد جابر الذي يبدو أنه قد امتعض من رنّة جرس هاتفه في تلك الساعة من قيلولته العزيزة، والذي بان من إجابته السلبية بأن هذا الامر ليس من اختصاصه، لكون سرية حماية القصر الجمهوري هي بإمرة ديوان رئاسة الجمهورية، وان ارتباطها بمقر الفوج ينبغي ان يكون في الحالات الطارئة، وذلك قبل ان يغلق سماعة الهاتف بشدة واضحة، ومن دون أن يرشدني الي تصرف مقبول.
تأثرت كثيراً من إجابته بهذا الاسلوب، ولم أجد أمامي بُدّاً من الاتصال مباشرة بدار المرافق الاقدم، قلت له: سيدي أنا آسف علي إزعاجك في هذه الساعة، ولكنني مضطر أن اُبلغكم بأن السيد الرئيس قد غادر القصر حوالي الساعة الرابعة والنصف بسيارة مكشوفة ومن دون حماية!
ـ حسناً.. رد عليّ المرافق الاقدم وسألني: ألم ترافقه سيارة مرور او شرطة نجدة من تلك التي ترابط دائماً امام القصر؟ أجبته: لا أعرف ذلك سيدي، ولكن استطيع التأكد من ذلك. طيب.. قالها بهدوء، تأكد وأخبرني.. ولكن لماذا تهوّل الامر، فهذه ليست المرة الاولي التي يترك فيها السيد الرئيس القصر بمفرده، فسيادته من جلاّبي المشاكل؟! قلت له: انا ضابط جديد، ولم اُكلّف بحماية القصر سابقاً، ولم اصادف موقفاً كهذا، واكرر أسفي علي ازعاجكم.
وفي هذه اللحظة دخل الي غرفة التشريفات شخص بدين، متوسط القامة، يلبس نظارة طبية ويرتدي ملابس عسكرية اعتيادية، أدي التحية العسكرية، ووقف امامي بالاستعداد وهو يلهث ويتصبب عرقاً غزيراً، علي الرغم من الطقس البارد الذي كان سائداً، قبل ان يقول:
ـ انا النائب الضابط ستار، سائق السيد رئيس الجمهورية، سيدي.
ـ اهلاً بك يا اخي.. هل كنت سائق السيارة التي خرج بها السيد الرئيس؟
ـ نعم سيدي.. وقد أوصلته الي محلّة (المشاهدة) في الكرخ قبل ان يترجل ويأمرني بالعودة.
سألته: من الذي بقي معه؟
رد: لا أحد سيدي!! وسألته مرة أخري: هل رافقتكم سيارة مرور أو نجدة من تلك التي ترابط قرب القصر؟
ـ كلا سيدي.. لم يرافقنا أحد، فقد خرجنا لوحدنا.
ـ وكيف حصل ذلك؟
ـ بعث السيد الرئيس بأحد مراسليه، وأمرني بتهيئة السيارة المكشوفة.. وبينما كنت اُدقق مستوي دهن المحرك وماء المبردة، فوجئت بالسيد الرئيس وقد اقترب ماشياً نحو سقيفة إيواء السيارات، وأمر بتشغيل السيارة، وجلس بقربي وخرجنا. ـ حسناً.. ولكن كيف تترك السيد الرئيس في محلة المشاهدة وتعود؟
ـ سيدي بالله عليك، اذا ما أمرك السيد رئيس الجمهورية، وأنت في موقف كهذا، هل تعود الي القصر أم ترفض؟ قلت: كنت أعود.. والآن ألم تعرف الي أين اتجه السيد الرئيس بعد ترجله من السيارة؟ قال: لقد (إنحشَر) بين جموع الناس علي الرصيف وظلّ يسير حتي غاب عن نظري.
توجهت اليه وقلت له: الحقيقة اقولها لك الآن، إنني كنت لا أعود والحالة هذه، بل أجعله امام نظري وأبقي أتتبعه، سواء بالسيارة او مشياً علي الاقدام، كي أتأكد من وجهته الاخيرة علي الاقل.
رد عليّ: سيدي وبصراحة، هذه ليست المرة الاولي التي (يُورّطنا) السيد الرئيس بمثل هذه المواقف!
قلت: علي أية حال.. انتظر خارج الغرفة ريثما أتصل بالمرافق الاقدم.
نصحني العميد زاهد محمد صالح بعد ان شعر بارتباك في حديثي معه، ان لا أقلق اكثر من اللازم في هذا الصدد، وكرّر بأن الحادثة ليست المرة الاولي التي يخرج فيها السيد الرئيس الي بيت صديق او قريب او جار قديم، او ليقوم بجولة في الشوارع، ولكنه أمرني باتخاذ الاجراءات المحددة الآتية:
ـ أولاً: ألاّ أتحدث عن هذا الامر علي الجهازين اللاسلكيين المرتبطين علي شبكة شرطتي النجدة والمرور، وتبليغ الامر نفسه الي آمرَي السيارتين التابعتين لهما والمرابطتين أمام القصر، وذلك لأن جميع سيارات الشرطة في بغداد ستسمع بذلك.
ـ ثانياً: إخراج أربعة جنود في سيارة تابعة لفصيل الحماية الشخصية لرئيس الجمهورية الي منطقة المشاهدة ، فهم بشكل عام قد يعرفون الي أين يذهب السيد الرئيس في مثل هذه الحالات، وربما يعثرون عليه، علي أن يكون السائق نائب ضابط ستار معهم في سيارته.
ـ ثالثاً: أن اُخبره هاتفياً متي ما حصلتُ علي معلومة جديدة.
انقضت حوالي ثلاث ساعات علي مغادرة الرئيس عبد السلام عارف للقصر، حتي أخبرني نائب ضابط ستار وهو يستخدم هاتفاً في محل أحد معارفه بمنطقة الكرخ ، ليذكر لي بأن السيد الرئيس جالس في بيت صديق قديم له في محلة (سوق حمادة) وأنه وبصحبته جنود الحماية ينتظرون خروجه، في حين كان كل من المرافق الاقدم وسكرتير عام ديوان الرئاسة قد حضرا الي مكتبيهما في أول الليل، إذ أخبرتهما بالامر.
عاد الموكب المصغّر ـ المؤلف من السيارة التي أقلّت عبد السلام عارف وسيارة فصيل الحماية ـ الي القصر في حدود الساعة الثامنة والنصف ليلاً. والحقيقة انني لم اُصادف خلال الاشهر الاخري اللاحقة التي قضيتها في حماية القصر الجمهوري مثل ذلك الموقف.. الا ان زملائي الضباط من السريتين الأخريين كانوا يتحدثون عن مواقف مشابهة جابهتهم أثناء تواجدهم في القصر، والعثور علي الرئيس عبد السلام عارف في مناطق مختلفة من بغداد، وخصوصاً في أحياء الكرخ والعطيفية والوزيرية والمنصور والزوية في الكرادة الشرقية وغيرها.
وقال لي آمر فصيل الحماية الخاصة الملازم شهاب أحمد الدليمي إن المقربين من الرئيس عبد السلام حينما كانوا يرجون منه عدم الخروج لوحده دون حماية، فإنه كان يردد عليهم قول الخليفة عمر بن الخطاب (عَدِلتَ فأَمِنتَ فنِمـت) ويردد الآية الكريمة (يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة( قائلا: القَدَر إن جاء بأجل أي كان فلا يستأخر ساعة، علما بأن زيارات الرئيس عبد السلام عارف الي الالوية (المحافظات) او خارج العراق كانت تُعلنُ في الصحف والاذاعة قبل يوم واحد أو أيام عديدة من تنفيذها، بينما كان حضوره لأداء فريضة صلاة الجمعة في الجوامع والمساجد معروفاً منذ صباح كل يوم جمعة، أو قبله بيوم واحد أو يومين.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-02-2008, 11:03   #5
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الخامسة)

2008/02/29



شيخ غاضب يأتي الي القصرالجمهوري

كنا في القصر الجمهوري قد اُنذرنا في احد ايام منتصف شهر كانون الاول (ديسمبر) 1964 عن احتمال حدوث حركة انقلابية، اذ يتطلب الامر اتخاذ الحيطة والحذر من لدن الجميع.. وكان من ضمن الاجراءات التي نتخذها في مثل هذه المواقف تحديد دخول الاشخاص غير المخولين الي القصر.
كنت في غرفة التشريفات قبل المغيب عندما أخبرني آمر حرس باب الدخول الي القصر هاتفياً بأن شخصاً كبيراً في السن اسمه الشيخ محمد رضا الشبيبي (1) يروم الدخول الي القصر بسيارته.. ولما كان هذا الشيخ العلامة قد قرأنا عنه في مراحل دراستنا، وهو علم من أعلام عراقنا، أوعزت بدخوله فوراً قبل ان اخرج الي باب التشريفات لأستقبله.
توقفت سيارته الفاخرة، وترجل من الباب الايمن الخلفي، فيما بقي سائقه في مقعده، قبل ان يتوجه الي رحبة وقوف سيارات الزائرين، رجل مهيب، معتدل القامة والبنية، ذو لحية خفيفة، يلبس قباء داكن اللون وعباءة سوداء، وعلي رأسه عمامة بيضاء، والوقار واضح علي وجهه المائل الي السمرة، يبلغ من العمر نحو سبعين سنة او يزيد، رحبت بمقدمه بحرارة، ولكن لم يكترث بي كثيراً، فقد كان غاضباً الي حد كانت معه يده اليمني ترتجف بشكل ملحوظ، حتي صاح بصوت عال غير معتاد في القصر الجمهوري: أين الحجي..؟
استغربت من تصرف الشيخ العلامة، فقد كان الذين يحضرون الي غرفة التشريفات ومعظمهم من كبار مسؤولي الدولة يجاملوننا كثيراً الي درجة نخجل من أنفسنا في بعض المرات.. ولما سكتُّ وبانت الحيرة علي محيّاي، صاح للمرة الثانية: أين الحجي..؟
توقعت ان مشكلة كبيرة قد حدثت له. رجوت منه الدخول الي غرفة التشريفات، فتوجه اليها وهو يتمتم بعبارات لم أتبين مقصده منها.

الرئيس يستقبل الشيخ الشبيبي

فوجئت بـالرئيس عبد السلام عارف يدخل الي غرفة التشريفات مسرعاً، وهو يقول:
ـ اهلآً.. اهلآً بشيخنا العزيز.
ـ لا هله ولا مرحبا.. نطقها الشيخ وهو لا يزال واقفاً.
ـ خيراً ان شاء الله؟.. سأله الرئيس مستفهما..
ـ وهل تتوقع خيراً مع مثل هذه التصرفات يا حجي؟ رد الشيخ الشبيبي.
ـ خيراً ان شاء الله.. قالها السيد الرئيس مرة اخري واردف متسائلا: ماذا حدث؟
ورد الشيخ: حجي.. هذه هي المرة الثانية التي احضر فيها الي قصركم العامر وللسبب نفسه، فقبل سنة ونصف تقريباً حضرت لأشكو لك تصرف اشخاص ارادوا تفتيش سيارتي في شارع عام، وكان الوضع في العراق غير ما هو عليه الان.. واليوم يجابهني موقف مشابه تماماً، فقد اوقفني بعض الشباب، مدعين انهم من افراد الامن والاستخبارات، ولم يخجلوا حين طلبوا بكل وقاحة تفتيش سيارتي، علي الرغم من كون عائلتي وبناتي معي، واني قد بلغت من العمر ما يرون.. ان اقل وصف لمثل هذه الوقاحة يمكن ان نسميه سقوطاً اخلاقيا.. فأين الشرف واين القيم؟ رد عليه الرئيس: صحيح ذلك، وانتم الصادقون، وانتم علي حق، فليس من حقهم ذلك يا شيخنا.
وهنا هدأ الشيخ الشبيبي قليلا وجلس علي مقعد، وراح يتكلم بينما ظل الرئيس عبد السلام واقفاً: أود ان اُوضح لك يا حجي: إنك تدّعي تصحيح الاوضاع السياسية في البلد، فما الفرق الآن عن شرطة نوري السعيد وسعيد القزاز (2) وعن قوات المقاومة الشعبية التابعة للشيوعيين، وعن أجهزة أمن عبد الكريم قاسم وعن الحرس القومي البعثي.. هل هناك تغيير، في الوجوه وفي صفات الاشخاص القائمين علي أمور الدولة؟
ـ لا يا شيخنا.. أرجوك لا تتعدي عليّ، قالها الرئيس!
واستطرد الشيخ الشبيبي يقول: بالله عليك.. هل تنبيهك يا حجي، نحو سليبات أو أخطاء تقترف، هو اعتداء عليك!؟.. أنت المسؤول عن هذه الامور، ولا بد من وضع حدّ لها.. مواطن يسير بالشارع في أمان الله، وجماعة يشكّون بأمره لمجرد الشك، فيوقفونه ليفتشوه دون موجب او سبب.. والله إنه الكفر بعينه.
حسنا.. إحسبها عليّ يا شيخنا.. فأنت استاذنا، وقبل ان يكمل عبد السلام كلامه، قاطعه الشيخ الشبيبي قائلا:
طبعاً احسبها عليك.. فأنت ان لم تكن المسؤول الاخير، فإنك المسؤول الأول.. ألم يقل الخليفة عمر: إن عثرت بقرة في العراق بصخرة فإنه مُحاسب علي ذلك، وقد قالها عن العراق وهو في دار الخلافة بالمدينة المنورة، بينما تقع مثل هذه التصرفات في شوارع بغداد وانت جالس في حكم بغداد.. فكيف لا أحسبها عليك؟

الرئيس عبد السلام عارف يصلي وراء الشبيبي

صحيح جداً ما تفضلتم به، قال الرئيس عبد السلام مضيفا: هدئ من روعك، وصلّ علي النبي وآله.. فلنقم الي الصلاة التي قال عنها الرسول )صلي الله عليه وسلم ( أرحنا بها يا بلال.. فقد قرب حلول الظلام.
ـ انا لا أصلي معك.. رد الشيخ الشبيبي علي الرئيس عبد السلام!
ولكن عبد السلام خاطب الشيخ قائلا: قم يا شيخ واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، فمثل هذا (الزعل) لا يمكن أن يصدر من علامة وشيخ وأستاذ، ومن أحفاد سيدنا علي كرم الله وجهه.. فإننا نعتبرك معلمنا واستاذنا ومربينا، قم يا شيخ لتكن أنت الإمام وانا تابعك.
ردد الشيخ الشبيبي عبارة أستغفر الله العظيم مرات عدة، قبل ان يسبق الرئيس عبد السلام في الخروج من غرفة التشريفات، بينما تابعتهما بنظري، وهما يسيران نحو الجناح الخاص في القصر، وانا مستغرب مما حدث خلال الدقائق الماضية امام عيني، وما سمعته اذناي، فعبد السلام الذي طرقت أسماعنا شراسته ومزاجه الحاد، وجدته أمامي ودوداً وديعاً مع الشيخ العلامة، الذي كان رئيساً للمجمع العلمي العراقي.

عبد الرحمن البزاز في القصر

كنت جالساً في غرفة التشريفات بالقصر الجمهوري مساء يوم الاحد، السادس من كانون الاول (ديسمبر) 1964 بينما كان دور الملازم عبد الجبار جسام بالتجوال علي نقاط الحماية كالعادة. وكان رئيس الجمهورية قد طلب حضور الاستاذ عبد الرحمن البزاز سفير العراق في لندن، وكان يشغل في الوقت نفسه منصب السكرتير العام لمنظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك)، وذلك في مكتبه الرئاسي لمناقشة بعض الامور في تمام الساعة السابعة مساءً.
لم أر الاستاذ عبد الرحمن البزاز لدي دخوله الي القصر الجمهوري، ولكن وفي حدود الساعة الثامنة مساء طرق سمعي كلام منمّق ومركّز يطلقه شخص ما في الممر المؤدي من الجناح الرئاسي الي باب القصر الجانبي قرب غرفة التشريفات، ولما نهضتُ شاهدت الاستاذ البزاز يتحدث وعبد السلام عارف ينصت اليه، وذلك قبل ان يخرجا الي الساحة التي تطل عليها نافذة غرفة التشريفات وانا اجلس فيها، ليظلا ذاهبين وآيبين علي مقربة من النافذة التي كنت قد فتحتها مسبقاً لغرض تهويتها للحرارة التي شعرت بها، علي الرغم من برودة طقس العراق في تلكم الايام من فصل الشتاء.
ولما كنت معجباً أشد الإعجاب بشخص الاستاذ البزاز ودرجة الدكتوراه في القانون التي يحملها ـ حسب اعتقادي في حينه ـ فقد زاد فضولي، لأتحول كلياً الي آذان صاغية (3).

التأميم في العراق والاصلاح الزراعي

انك تعلم يا حجي مواقفي السابقة ـ هكذا بدأ البزاز حديثه مع الرئيس عبد السلام وهما يتمشيان ـ سواءً خلال العهد الملكي او إبان حكم عبد الكريم قاسم، ولكني اقول إن الخطوة التي اتخذتموها بصدد التأميم كانت خاطئة وغير مدروسة.. فالعراق المعاصر الذي تأسس منذ عام 1921 دولة لم تكن رأسمالية مطلقاً لكي نطبق الاشتراكية ونؤمم مصالح الناس فيها، فالدولة كانت تملك جميع المصالح الاساسية ورؤوس اموالها تبلغ عشرات الملايين لكل مؤسسة علي حدة. اذن فهل كان هناك داع لتأميم معامل غزل ونسيج وشركات صغيرة؟ واقولها لكم صراحة، ان الذي توصلت اليه، إنكم أقبلتم علي خطوة التأميم واتخذتموها سيراً علي (مودة) اجتاحت دول العالم النامي بشكل عام، وانكم تأثرتم بالتجربة المصرية في هذا الشأن. فما دام الرئيس جمال عبد الناصر قد أمّم فإنكم أمّمتم، كان عليكم قبل كل شي، ان تدرسوا بعناية، ما آل اليه التأميم من نتائج في مصر، وما أحدثه من ويلات وانتكاسات في المجتمع المصري واقتصاده قبل ان تؤمموا.
وحتي بالنسبة للاصلاح الزراعي ـ والحديث ما زال للبزاز ـ وأنت غير مسؤول عنه، فقد بات وبالاً علي العراق، فبلدنا الذي كان مصدراً لأنواع الحبوب والسمسم والذرة وغيرها، ومن بعدها الماشية المرتبطة اساسا بالزراعة، فإنه اصبح مستورداً لها.
حينما سمع الرئيس عبد السلام البزاز يأتي علي ذكر عبد الناصر أكثر من مرة، بادره قائلا: ولكني ما زلت معجباً بالاخ الرئيس جمال وأعتبره أخاً كبيراً، ونحن سائرون في طريق الوحدة معه بإذن الله.
ورد البزاز بهدوء يا حجي إسمح لي أن أكون معك في غاية الصراحة، فالرئيس جمال قاد ثورة أفاقت الجماهير العربية وأبهرتها، ولكنه جعل مصر تنتكس انتكاستين مخجلتين إحداهما: احتلال أسرائيل لصحراء سيناء وبلغت قواتها قناة السويس خلال أيام معدودات عام 1956 ولكنه استطاع بوسائل إعلامه المقتدرة أن يبرر ذلك تحت غطاء العدوان الثلاثي، وثانيتهما انفصال سورية عن الجمهورية العربية المتحدة، وفشل أول تجربة وحدة عربية في التاريخ المعاصر، إذ كانت تصرفات القيادة المصرية وممثّليها في الشام وراء الانفصال، وقد حاول عبد الناصر تبرير ذلك بإلقاء اللوم علي الاستعمار والامبريالية والرجعية العربية كعادته دائما، ولكني علي يقين بأن القادة السياسيين والعسكريين المصريين الذين عيّنهم الرئيس عبد الناصر بنفسه، هم الذين تسببوا في تأجيج المشاعر التي أدت الي الانفصال، فإن كان سيادته علي دراية بذلك فتلك مصيبة، وإن كان لا يدري فالمصيبة أعظم، ثم إن الرئيس عبد الناصر يحكم بالنار والحديد، وبالارهاب الذي تفرضه المباحث تارة، والمخابرات تارة أخري، والاتحاد الاشتراكي تارة ثالثة.
وما رأيك يا دكتور بصدد تأميم النفط اذا ما اتخذنا مثل هذه الخطوة سأله الرئيس عبد السلام مستفهما؟
تأميم النفط موضوع مغاير، رد البزاز قائلا: انه يتطلب قراراً سياسياً تتوجب دراسته من جميع نواحيه، وتقدير ما ستتخذه الدول الاخري من مواقف محددة تجاهه، وخصوصاً الدول العظمي المتنفذة في امور العالم المعاصر ـ شئنا ذلك أم أبينا ـ إذ ان النفط يعتبر شريان الحياة المعاصرة، وقد اُضيفت اليها البتروكيمياويات التي اًدخلت في صناعات النسيج والمواد المنزلية والابنية الجاهزة وصولاً الي الصناعات الثقيلة، هذا ناهيك عن الآلة الحربية في كل دولة، لذلك فإن الحياة تتوقف فعلاً في أي بلد صغير بدون النفط، فكيف الحال اذا كانت الدولة صناعية كبيرة؟ لذلك فإنهم لن يسكتوا مطلقاً ولا يمكن أن يقفوا مكتوفي الايدي اذا ما أمّمنا النفط، لا سيما وانهم يعتبرون انفسهم اصحاب فضل علينا وعلي دول (اوبك)، ولولاهم ـ حسب رأيهم ـ لما اُكتشف النفط ولما اُستخرج من باطن الارض او البحر، وفي اعتقادي أنهم لو سكتوا تجاه أي قرار لتأميم النفط، فإنهم سيخططون للانتقام مستقبلاً، ومن رأيي ـ اضاف البزاز ـ ما دمنا نمتلك اكثر من خمسين بالمائة من حصص الشركات النفطية الاجنبية العاملة في العراق، أن نكتفي بإجراء المفاوضات الدائرة حالياً معهم لزيادة حصصنا الي أقصي قدر ممكن، وإذا لم ننجح فلا أري معضلة كبيرة في ذلك، ولا داعي لإثارة مشاكل كثيرة وعميقة، وعلينا ان نتوكل علي الله، ونسير بخطي رصينة ولكنها مدروسة، ومن دون تطبيل أو تزمير، ولا داعي أيضاً لخطي ثورية قد تجلب الأذي.
وهنا سكت الرئيس عبد السلام عارف بعد أن توقف عن المسير، وظل ينظر بعيداً نحو السماء المتلألئة بملايين النجوم، قبل أن يدقق في ساعته اليدوية، ويقول: آه.. لقد قاربت الساعة العاشرة، لقد تمشينا في هذا الطقس البارد ما يقارب الساعتين، شكراً يا دكتور علي هذه الأفكار والطروحات، إنني فخور بك.. صاحبتك السلامة.
استقل عبد الرحمن البزاز سيارته الشخصية، وقادها نحو بوابة الخروج من القصر، بينما كان رئيس الجمهورية يودعه واقفاً بالقرب من باب التشريفات.
وما إن دخل عبد السلام عارف الي جناحه الخاص، حتي هرعتُ لاُخرج مذكرتي الشخصية السنوية لعام 1964 لأسجل في صفحة يوم السادس من كانون الاول (ديسمبر) منها رؤوس نقاط لاحاديث عبد الرحمن البزاز مع عبد السلام عارف، قبل أن أرجو من زميلي الملازم عبد الجبار جسام إتاحة الفرصة لي هذه الليلة كي اُسجل تفاصيلها التي استمرت حتي الثالثة فجراً، بينما كان زميلي عبد الجبار يتجول علي نقاط المراقبة والحماية حوالي القصر الجمهوري، وعندما عاد واستقر علي مقعده في غرفة التشريفات، ووجدني غارقاً في الكتابة ظلّ يلومني علي هذا )الجنون) بدلاً من أداء صلوات النافلة والتهجّد.

سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية

كان الرائد عبد الله مجيد يشغل هذا المنصب الرفيع منذ عام 1964 وحتي نيسان (أبريل) 1966. يبلغ من العمر (35) سنة، ضعيف البينة، متوسط القامة ومائل الي القصر، أبيض اللون، دائم الابتسامة، قليل الكلام، يبدو علي محياه الذكاء وبعض المكر، وقد علمت بمرور الايام أنه كان ضابطاً في الجيش برتبة رئيس (نقيب) في تموز (يوليو) 1958 عندما اشترك مع العقيد الركن عبد السلام محمد عارف في الثورة التي اطاحت بالحكم الملكي، ورافقه في زياراته لألوية (محافظات) العراق بعد نجاح الثورة، وشارك في ثورة 14 رمضان (8 شباط) 1963 وحركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 إذ عينه عبد السلام بهذا المنصب ذي الدرجة الخاصة بمرسوم جمهوري، فاُعتبر ـ طوعاً ـ محالاً علي التقاعد.. أما صنفه في الجيش فقد كان الهندسة الآلية الكهربائية.
كان نشطاً في عمله، مسيطراً بشخصيته علي عموم الموظفين العاملين تحت إمرته في المكتب الخاص ودوائر السكرتارية الاخري، يحضر الي الدوام الرسمي في موعده المحدد، وينشغل دون ان يتمتع بأية استراحة حتي انتهاء ساعاته المقررة، بل طالما كان يتأخر حتي الثالثة او الرابعة عصراً وبمعدل يومي، حتي في حالة مغادرة رئيس الجمهورية القصر الجمهوري الي بيته، فيما كان يصاحبه دائماً في جميع زياراته خارج بغداد او العراق. كان متواضعاً بعض الشيء، أنيقاً جداً في ملابسه وحريصاً علي تناسق ألوانها، تنقله سيارته الرسمية من وإلي القصر الجمهوري قبل وبعد انتهاء الدوام الرسمي.. ولكنه كان يحضر بسياراته الشخصية الصغيرة من طراز (اوبل 1964) والتي لم يغيّرها بشكل مطلق، كان أقرانه وزملاؤه من الضباط المستمرين في خدمة القوات المسلحة، وكذلك بعض كبار ضباط الجيش وقادته من الذين يحضرون الي القصر الجمهوري، يحسدونه علي منصبه.
حدث مرة أن كنتُ في زيارة لصديقي الملازم عبد مطلك الجبوري في غرفة التشريفات مساءً، عندما دخلها عبد الله مجيد طالباً من كلينا أن نرافقه لحضور مجلس الفاتحة المقامة علي روح والد المقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، وذلك في جامع 14 رمضان قرب نصب الجندي المجهول، فقاد سيارته الشخصية وقد جلس عبد مطلك قربه في المقعد الامامي، بينما جلست انا في المقعد الخلفي.
كان مجلس الفاتحة مزدحماً بالمؤاسين بطبيعة الحال، رحب به اصحاب المتوفي كثيراً، بينما حيّاه العشرات من الجلوس بعبارة (مساكم الله بالخير)، فيما تقرب إليه عشرات آخرون يصافحوه ويحضنونه ويقبلونه بحرارة، صدقا، أو تقربا، وعند المغادرة، كنا نمشي خلفه مباشرة حتي وصل الي رشيد محسن ليصافحه ويقبله، وبعد عبارات المؤاساة الاعتيادية ترحماً علي والده، أخرج ظرفاً رسمياً من جيب سترته الأنيقة، ليقول: يا أخ رشيد.. هذا مبلغ متواضع من المال، أرسله السيد رئيس الجمهورية لكم. رد رشيد مستغربا ولماذا؟ قال عبد الله لتغطية مصاريف الفاتحة. أجاب مدير الامن العام نحن يا أخ عبد الله، لسنا بحاجة الي مثل هذه الامور، وأنت أعلم بذلك. ورد سكرتير الرئيس: لكنه عرف سائد.
حسناً.. قال المقدم رشيد وسأل: هل المبلغ من عند السيد الرئيس ومن ماله الخاص؟ أجاب الرائد عبد الله: كلا انه من (نثرية القصر). وهنا قال مدير الأمن العام: لذلك فإنني لا أتقبله، وسلامي مع تحياتي الي السيد رئيس الجمهورية، وقل له إنه متي ما أصبح قادرا علي إكرامنا من ماله الخاص، فإننا سنتقبله ممتنين. ومرة أخري راح الرائد عبد الله يقول: لكن يا رشيد لا يجوز ان ترده، فذلك شيء معيب.
رد المقدم رشيد بحزم: كلاً وقسماً بالله العظيم، أرجو اعتبار الموضوع منتهيا.
أعاد عبد الله مجيد الظرف المغلف ذا اللون الاسمر الي جيبه خائباً، وخرجنا بصحبته من ذلك الجامع وهو ممتعض من ذلك التصرف، فيما ظل يردد طوال الطريق بعض عبارات الغضب، ولم نستطع ـ نحن الضابطين المرافقين له ـ تقدير إن كان موقف رشيد محسن نابعاً من حرصه علي أموال الدولة، أم من سوء علاقته غير الظاهرة في حينه مع رئيس الجمهورية، حتي اشترك فيما بعد مع عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق في حركة لقلب نظام حكم عبد السلام عارف في ايلول (سبتمبر) 1965، التي سنورد تفاصيلها لاحقا.


هوامش

(1) توفي الشيخ محمد رضا الشبيبي في بغداد يوم السادس والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1965، وقد أوفد الرئيس عبد السلام عارف السيدين خضر عبد الغفور وزير التربية وسلمان الصفواني وزير الدولة نيابة عنه للمشاركة في مراسيم تشييعه من حي الكرادة الشرقية حيث داره الي النجف ليدفن هناك.
(2) سعيد قزاز شخصية ادارية كردية تولي وزارة الداخلية في الخمسينيات وعرف بالشدة في مواجهة الاحزاب والجماعات والشخصيات السياسية المعارضة للنظام الملكي، اعتقل عقب ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وحوكم امام المحكمة الخاصة برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي التي أصدرت قرارا باعدامه نفذ به وقتئذ.
(3) كان الاستاذ عبد الرحمن البزاز يتكلم مع الرئيس عبد السلام عارف باللهجة العامية العراقية الدارجة في أغلب حديثه، وربما تحويله الي الفصحي في الكتاب، قد يؤثر علي ما كان يعنيه من أمور وأفكار وطروحات، لذا وجب تنبيه القارئ الكريم.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-02-2008, 11:04   #6
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة السادسة)

2008/03/01



المؤيدون للحكم الملكي

من المعروف ان العقيد الركن عبد السلام محمد عارف هو الذي قاد أفواج لواء المشاة العشرين التي هاجمت وحاصرت قصر الرحاب الملكي وبعض مساكن كبار مسؤولي النظام وعدداً من المؤسسات الحكومية والثكنات العسكرية فجر يوم الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 وأدي الي انهيار النظام الملكي في العراق، وهو الذي أذاع البيان (رقم واحد) للثورة بصوته من دار الاذاعة العراقية في حي الصالحية، وان الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم لم يدخل الي بغداد مع وحدات لوائه التاسع عشر الا قبيل ظهر ذلك اليوم. وقد اُعُتقل العشرات من دعائم ذلك النظام بعد الثورة، وطُردوا من مناصبهم أو اُحيلوا علي التقاعد، وقُدّم الكثير منهم أمام المحكمة العسكرية العليا الخاصة التي تشكلت أساساً لهذا الغرض برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي، وصدرت بحقهم أحكام بالإعدام والسجن المؤبد أو لمدد طويلة.
وبعد ان ألغت حكومة الثورة نظام دعاوي العشائر، وعند إصدراها لـقانون الاصلاح الزراعي فقد حُرم الاقطاعيون وملاك الاراضي الشاسعة، من أراضيهم ومعظم ممتلكاتهم ونفوذهم، واضطر العديد ـ ممن ظلوا في قمة الثراء والجاه خلال العهد الملكي ـ الي ترك البقاع التي كانوا متنفّذين فيها طيلة عقود مضت تحت ضغط من الفلاحين الذين انضموا الي جمعيات واتحادات ذات مسميات مختلفة من تلك التي تسندها الدولة ومؤسساتها وبعض الأحزاب.
وعلي الرغم من عدم تنفيذ احكام الاعدام بشكل عام ـ إلاّ بحق عدد محدود من رجالات النظام الملكي ـ وإطلاق سراح المسجونين والمعتقلين منهم في عهد عبد الكريم قاسم نفسه، وعودة بعض النفوذ الي رؤساء العشائر عملياً بحكم تأصّل العادات والطبائع والأصول العشائرية في معظم مناطق العراق، الا ان الرجال الذين كانوا محسوبين علي العهد الملكي ظلوا حاقدين علي رجال الثورة، وفي مقدمتهم عبد السلام عارف بشكل او بآخر، ولما كان معظمهم من الاشخاص المحترمين وذوي ثقل اجتماعي ومثقفين عموماً، فقد تواصل تأثيرهم علي الشارع العراقي.
ولكن ولكونهم مرصودين، وبعضهم مراقبين، ولم يجمعهم اساساً حزب قوي او تنظيم ذي ثقل معين (1) فإنهم لم يكونوا قادرين علي التحرك بتأثير ملحوظ علي مجريات الامور حيال نظام الحكم القائم بشكل جدي.

الشيوعيون وأنصار عبد الكريم قاسم

أصبح الشيوعيون العراقيون قاب قوسين أو أدني من السيطرة علي الحكم في العراق خلال النصف الاول من عام 1959، ولولا المذابح البشعة التي اقترفوها او التي اقترفت باسمهم في كل من مدينة الموصل في آذار (مارس) 1959 بعد ثورة العقيد الشواف، وفي مدينة كركوك، أواسط شهر تموز (يوليو) من العام نفسه، فلربما استطاعوا نيل مأربهم.
وعلي الرغم من الضربة الموجعة التي سددها عبد الكريم قاسم اليهم بعد مذبحة كركوك، فإنهم وبعد انقضاء أشهر قلائل أعادوا تأثيرهم الملحوظ علي نظام الحكم القائم في حينه، ولحوالي ثلاث سنوات حتي نجاح ثورة (14 رمضان) 8 شباط (فبراير) 1963 التي أنهت دورهم في العراق بشكل شبه نهائي، وذلك بمقتل المئات منهم وتشريد الآخرين وتقديم أعداد غير يسيرة منهم امام المحاكم المختلفة وتنفيذ حكم الاعدام بالكثير منهم وتصفية آخرين جسدياً، واعتقال المئات وسجنهم وملاحقة الباقين دون هوادة.
ويضاف الي من تبقي من الشيوعيين، مؤيدو شخص وحكم عبد الكريم قاسم من الساسة وكبار العسكريين الذي انعدم او اضمحل نفوذهم بعد ثورة 14 رمضان، ناهيك عن نسبة كبيرة من الفقراء والمساكين وذوي الدخل المحدود الذين كانوا يرون في عبد الكريم قاسم منقذاً لهم وراعياً لمطالبهم في حينه.
ان هؤلاء واُولئك، وبعد حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 وعلي الرغم من اطلاق سراح معظمهم من السجون والمعتقلات، لمجرد نشرهم اعلاناً في الصحف يعلنون براءتهم من المبادئ الشيوعية والفوضوية، فانهم بلا شك ظلوا يحقدون علي عبد السلام عارف، ولهم تأثيرات ملحوظة علي نفوس الكثير من العراقيين المحبين لشخص عبد الكريم قاسم وآرائه.

الاكراد

كانت الاغلبية من اكراد العراق خلال عقد الستينيات قد انحازت الي الحركة التي كان الملا مصطفي البارزاني يقودها منذ شهر تشرين الاول (اكتوبر) 1960، وقد تسبب القتال الذي زُجّ فيه معظم فرق الجيش العراقي وقوته الجوية في قتل الكثير من الاكراد وتشريد الآلاف من أهالي قري كردستان العراق وأريافها من مساكنهم، وحُرمُوا من ممتلكاتهم وبساتينهم وحقولهم واراضيهم.
وعلي الرغم من إعلان وقف هش لإطلاق النار في المناطق الكردية بعد حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 مباشرة، الا ان التوتر بين الجانبين ظل قائماً، وذلك ما كان يؤلّب معظم الاكراد ـ ان لم نقل جميعهم ـ للتضادد مع عبد السلام عارف ونظام حكمه، ولا سيما بعد ان اندلع القتال مجدداً خلال شهر ايار )مايو) 1965.

البعثيون

شكل البعثيون قوة سياسية مؤثرة في الشارع العراقي منذ النصف الثاني من عقد الخمسينيات. ولكن صيتهم ذاع بشكل ملحوظ إثر مناهضتهم لحكم عبد الكريم قاسم ومقاومتهم للشيوعيين الذين خططوا للاستحواذ علي الحكم أواخر عام 1958 وأوائل عام 1959، حتي ارتبط اسم البعث بكل فئة او كتلة تناهض نظام عبد الكريم قاسم، وأمست الطبقة غير المثقفة من الشيوعيين بشكل خاص، ومناصرو ذلك النظام بشكل عام، يطلقون تسمية (بعثي) علي كل شخص يعارضهم، سواءً في صحفهم او هتافاتهم أو شعاراتهم أو أهازيجهم.
وعلي الرغم من مشاركة عدد غير قليل من ضباط الجيش والقوة الجوية من ذوي اتجاهات مختلفة ومن المنتمين الي أحزاب وفئات وتكتلات عديدة مناوئة لنظام حكم عبد الكريم قاسم، الا ان التخطيط لحركة 14 رمضان (8 شباط / فبراير) 1963 وقيادتها والدور الريادي فيها كان لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي تسلّم الحكم وقاد الدولة عملياً طيلة تسعة اشهر، حتي حدثت خلافات كبيرة بين بعض أقطابه، وبشكل خاص بين جناحيه المدني والعسكري، وأدت الي انشقاق خطير بين صفوفه في اواسط شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، والذي كان ينذر باندلاع قتال في شوارع بغداد ومعسكراتها، واذ لم يوفق وفد حزب البعث الذي جاء من القطر السوري، في تحقيق مصالحة بين المختلفين من القياديين البعثيين العراقيين، فقد استثمر الرئيس عبد السلام عارف تلك الخلافات ليستقطب حوله عدداً من أصدقائه ومحبيه وبعض أقربائه ومقربيه، مستغلاً ذلك الانشقاق الذي وقع في قيادة حزب البعث منذ الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، وبمؤازرة كبري من لدن ضباط الكتلة القومية ذوي المناصب المهمة في دوائر وزارة الدفاع والقوات المسلحة، إضافة الي عدد من القادة العسكريين البعثيين من اصحاب المناصب العليا في النظام القائم نفسه، ليقوم صبيحة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 بحركة انقلابية ناجحة وسريعة، ويسيطر علي الحكم.
وبعد فترة وجيزة أبعد عبد السلام عارف القادة البعثيين الذين ساندوه في حركته تلك، بينما ابتعد آخرون عن التعاون معه، وحينها صفا الجو السياسي له ولضباط (الكتلة القومية)، فعلي الرغم من تعيين احمد حسن البكر رئيس الوزراء في حكومة البعث السابقة، نائباً لرئيس الجمهورية بعد الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر)، فإنه لم يمارس عمله في منصبه الجديد، بل أعلن اعتزاله للعمل السياسي في الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) 1964 لينصرف الي اُمور عائلته (2).
اما زعيم (عميد) الجو الركن حردان عبد الغفار التكريتي الذي عيّن وزيراً للدفاع ونائباً للقائد العام للقوات المسلحة، فلم يبق في منصبه سوي شهرين، فقد حضر مع عبدالسلام عارف اجتماعات مؤتمر القمة العربي الاول التي عقدت في العاصمة المصرية خلال الفترة من (12 ـ 18) كانون الثاني (يناير) 1964، حيث افترق عنه في مطار القاهرة عند عودة الوفد العراقي الي بغداد بعد اختتام مؤتمر القمة متوجها الي لندن وإنقطعت أخباره، حتي صدور مرسوم جمهوري في الثالث عشر من آذار (مارس) 1964بتعيينه سفيراً في وزارة الخارجية وإعفاءه من منصبيه، فيما اُعفي المقدم الركن عبد الستار عبد اللطيف من منصب وزير المواصلات الذي شغله عقب حركة 18 تشرين الثاني، إذ تم تعيينه كذلك سفيراً في وزارة الخارجية.
اعتبر حزب البعث التحرك الذي قام به عبد السلام عارف ليس استغلالاً للظروف فحسب، بل غدراً وخيانة للعهد، واستحواذاً علي كرسي الحكم، وأنه علي الرغم من اطلاق سراح معظم الضباط والمدنيين البعثيين من المعتقلات بعد انقضاء عدة اشهر، الا انهم اُبعدوا عن المناصب الحساسة والصنوف المقاتلة في القوات المسلحة، من تلك التي قد يكون لها دور مؤثر في أية محاولة انقلابية وخصوصاً صنفي الدروع والقوة الجوية، حيث نقلوا الي مناطق نائية عن العاصمة بغداد ليعملوا بصفة ضباط مشاة في وحدات مقاتلة.
ولما كانت تنظيمات حزب البعث متغلغلة في القوات المسلحة والعديد من دوائر الدولة ومؤسساتها والمنظمات الجماهيرية والكليات والمعاهد، فإن نظام حكم عبد السلام عارف كان يحسب للبعثيين حساباً كبيراً وكان قلقاً من احتمال قيامهم بحركة انقلابية خطيرة. وكنت شخصياً أطلع ـ فضولاً ـ علي بعض التقارير اليومية او غيرها من تلك التي كانت ترفع الي رئيس الجمهورية من مدير الامن العام او مدير الاستخبارات العسكرية خلال تواجدي في غرفة التشريفات بالقصر الجمهوري في بعض الايام، إذ كان لنشاطات البعثيين في عموم البلد او القوات المسلحة حقل أكبر من باقي الاحزاب والفئات المعارضة للنظام.

الكتلة القومية

كانت هذه الكتلة تؤيد سياسة الرئيس جمال عبد الناصر نصاً وروحاً، وتتوق بحرارة الي الوحدة الفورية او السريعة مع الجمهورية العربية المتحدة، وكان معظم أقطابها من بعض كبار الضباط ذوي المناصب المتقدمة في القوات المسلحة العراقية، ومن اللامعين والاذكياء والاوائل علي دوراتهم، سواءً لدي تخرجهم في الكلية العسكرية او كلية الاركان، وقد اشترك العديد منهم بدورات عسكرية لدي كليات عسكرية أجنبية، وشارك الكثير منهم في ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 فيما خطط معظمهم ـ إن لم نقل جميعهم ـ في ثورة 14 رمضان (8 شباط / فبراير) 1963 او آزروها فور وقوعها، وبذلك تبوّأوا مناصب مهمة نسبياً بعد نجاحها. كانت هذه الكتلة مؤثرة بشكل خاص علي الساحة السياسية والعسكرية العراقية، وذلك لتغلغل تنظيماتها في تشكيلات ووحدات القوات المسلحة وكثرة مؤيديها إثر تعاظم الشعور الايجابي في الشارع العراقي تجاه الرئيس جمال عبد الناصر، وكانت حكومة البعث التي قادت الدولة خلال عام 1963 تحسب لها حساباً ملحوظا، خاصة وان أعضاء هذه الكتلة كانوا قريبين من عبد السلام عارف كونه يؤيد سياسة الرئيس عبد الناصر منذ عام 1958 وينادي بالوحدة الفورية مع (ج. ع. م) وبسبب ذلك اختلف مع عبد الكريم قاسم وحوكم وزُجّ به في السجن طيلة فترة قاربت ثلاث سنوات متتالية.
ولما حدث الانشقاق المعروف في صفوف بعض قادة حزب البعث الحاكم خلال النصف الاول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 ـ كما ذكرنا آنفا ـ فقد اعتمد عبد السلام عارف بشكل كبير علي هذه الكتلة للقيام بحركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) وتنفيذ تفاصيلها لتأمين السيطرة العسكرية علي مدينة بغداد وضواحيها ومدن العراق المهمة، وبحكم هذه المشاركة الفعالة، فقد تم تعيين قادة هذه الكتلة في مناصب عليا ذات أهمية قصوي لتأمين استقرار نظام الحكم.
وعلي إثر نصيحة جادة قدّمها الرئيس عبد الناصر الي الرئيس عبد السلام عارف خلال زيارة الأخير للقاهرة مطلع العام 1964، بضرورة اعتماد أي رئيس أو زعيم دولة علي كتلة من كبار ضباط القوات المسلحة تعاونه وتؤازره عند وقوع أية أزمة سياسية في بلده، وخصوصاً ان لم تكن الدولة مستقرة، فقد طلب عبد السلام عارف من السيد صبحي عبد الحميد (3) شخصياً خلال شهر شباط (فبراير) 1964 الإبقاء علي (الكتلة القومية) التي تألفت قيادتها من السادة الآتية أسماؤهم: العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والإرشاد، وعميد الجو الركن عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية، والعميد الركن محمد مجيد معاون رئيس أركان الجيش، والعميد نهاد فخري مدير مخابرة الجيش، والعقيد الركن صبحي عبد الحميد وزير الخارجية ثم الداخلية، والعميد الركن محمد خالد آمر اللواء المدرع السادس في معسكرالتاجي، والعقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، والعقيد الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، والعقيد الركن فيصل شرهان العرس مدير التدريب العسكري، والعقيد الركن عدنان أيوب صبري سكرتير رئيس أركان الجيش، والمقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، والمقدم الركن فاروق صبري عبد القادر معاون مدير الاستخبارات العسكرية.
وكان أكثر من مائتي ضابط شاب برتب مختلفة ومناصب متنوعة يتبعون هذه الكتلة، وهم موزعون ضمن تنظيمات وخلايا علي تشكيلات ووحدات الجيش والقوات المسلحة.
وإضافة الي تلك المناصب المهمة التي تسنمها قادة هذا التنظيم، فقد كان العديد منهم أعضاء دائمين في المجلس الوطني لقيادة الثورة الذي تشكل خلال شهر نيسان (ابريل) 1964 ليمثل أعلي سلطة تشريعية في العراق وحتي أيلول (سبتمبر) 1965. وقد ظلت هذه الكتلة طيلة عام 1964 الفئة السياسية والعسكرية المؤثرة الاكبر التي تؤازر حكم عبد السلام عارف دون منازع. وقد قوي مركزها بعد انبثاق الاتحاد الاشتراكي العربي الذي تأسست تنظيماته الاساسية علي يد هذه الكتلة. وتضاعف نفوذه بإسناد الرئيس جمال عبد الناصر له معنوياً، إضافة الي احتمالات تحقيق الوحدة مع (ج. ع. م) كما كان يبدو علي السطح آنذاك.
ولكن الامور كانت علي غير ذلك في الخفاء ووراء الكواليس، فقد اختلفت الكتلة القومية مع الرئيس عبد السلام عارف، وأدي تفاقم المشاكل بين الطرفين الي تقديم اثنين من أبرز قادتها استقالتيهما من منصبيهما الوزاريين أواسط عام 1965، والتي قادت الي أزمة وزارية حادة أدت الي نقطة اللاعودة، وقيام الكتلة بمحاولة انقلابية أواسط شهر أيلول (سبتمبر) 1965.
ومن ضمن قادة الكتلة من الاعضاء الدائمين في المجلس الوطني لقيادة الثورة من ذوي التأثير والنفوذ في أمور الدولة والمجلس علي السواء وقراراتهما المهمة كان الخماسي المؤلف من: عبد الكريم فرحان، عارف عبد الرزاق، محمد مجيد، صبحي عبد الحميد، وهادي خماس، اُولئك الذي أطلق عليهم الرئيس عبد السلام تسمية )الشركة الخماسية )علي سبيل المزاح) (4).
وقد تسببت تلك الخلافات والأزمات في خسارة عبد السلام عارف أكبر وأخطر فئة سياسية وعسكرية آزرته بقوة حوالي سنتين من حكمه، بل وكسب عدائها الذي أدي الي قيام الكتلة بأخطر محاولة انقلابية تعرض لها أثناء عهده.
كان السيد صبحي عبد الحميد الزعيم الفعلي للكتلة المذكورة، حتي أمست التسمية المشاعة لها في عموم الشارع العراقي والقوات المسلحة )كتلة صبحي عبد الحميد)، لكن السيد عبد الحميد نفسه لم يكن يرضي بذلك، ولم يكن مقتنعاً أصلا بانتخاب رئيس يتزعم الكتلة لإيمانه المبدئي بالقيادة الجماعية، وكان يؤيده في ذلك عبد الكريم فرحان، ولكن قيادة التنظيم قررت أخيرا انتخاب رئيس لها حيث اجتمعت في كانون الاول (ديسمبر) 1964 وإنتخبت عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق رئيساً لها.
كانت هذه الكتلة تعتبر نفسها وهي علي حق في ذلك، أنها هي التي أوصلت عبد السلام محمد عارف الي سدة الحكم الحقيقي من خلال دور اعضائها في ثورة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، بعد أن ظل مجرد رئيس جمهورية بالاسم خلال حكم حزب البعث في فترة شباط (فبراير) 1963 .

مؤيدو الرئيس عبد السلام عارف

يبدو من مجريات الاحداث وتطورات الامور، بعد نجاح حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 أن عبد السلام محمد عارف لم يشأ أن يكتفي بمؤازرة الكتلة القومية له كتنظيم سياسي ـ عسكري وحيد يمكن أن يتحكم في امور الدولة، لذلك فقد أوعز شخصياً الي قادة آخرين بتأسيس كتل عسكرية ـ سياسية ضمن تشكيلات القوات المسلحة تعتمد الولاءات الشخصية أوالعشائرية أو الإقليمية العراقية.. فكان من ضمنها خلال عام 1964 أن تم تأليف:
ـ كتلة شقيقه اللواء عبد الرحمن عارف وكان يشغل منصب رئيس أركان الجيش وكالة (5)، وقد ضمت كلاً من المقدم الركن عبد الرزاق النايف معاون مدير الاستخبارات العسكرية والمقدم إبراهيم عبد الرحمن الداود آمر فوج الحرس الجمهوري الثاني، وذلك قبل أن ينتقل ولاؤهما الي العميد الركن عبد الغني محمد سعيد الراوي قائد الفرقة الرابعة الذي عين وزيراً للزراعة في السادس عشر من آذار (مارس) 1964 ثم سفيراً في وزارة الخارجية في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام نفسه، وقد اعتمدت هذه الكتلة ضباطاً ينتمون الي منطقة الدليم (6) ويرتبط أحدهم بالآخر بصلات عشائرية أو مناطقية.
ـ كتلة العقيد الركن بشير عبد الرزاق الطالب، الذي شغل منصب آمر لواء الحرس الجمهوري طيلة عهد عبد السلام عارف وقد اعتمدت علي ضباط ينتمون الي لواء الموصل (محافظة نينوي) حالياً، وهي التي تشكلت أساساً إبان عهد عبد الكريم قاسم عندما اجتمع العديد من الضباط الموصليين واقسموا اليمين علي الانتقام من الشيوعيين الذين استباحوا مدينتهم إثر فشل ثورة الشواف في الثامن من آذار (مارس) 1959 إذ أمر عبد السلام عارف بإعادة تنظيم هذه الكتلة عام 1964، وقد ظل ولاؤها لشخص اللواء الركن عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع لاحقا في حكومة السيد عبد الرحمن البزاز، واعتبرته الأب الروحي لها.
ـ كتلة العميد سعيد صليبي، عضو المجلس الوطني لقيادة الثورة وقائد موقع بغداد وآمر الانضباط العسكري، وقد ضمت هذه الكتلة عددا من أصدقاء سعيد صليبي الشخصيين من الضباط الذين انشقوا علي حزب البعث عقب 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 .
ولكن الكتل الثلاث المذكورة لم تكن لها قواعد شعبية، وربما لم تؤسس لها خلايا في عموم تشكيلات ووحدات الجيش والقوات المسلحة، إنما اعتمدت علي أشخاص ذوي نفوذ ومناصب عسكرية مؤثرة داخل بغداد وضواحيها، ولكن ربما كان تحركها في السيطرة علي العاصمة بغداد في أواسط أيلول (سبتمبر) 1965، قد أسهم في افشال المحاولة الانقلابية التي قامت بها الكتلة القومية بقيادة عارف عبد الرزاق.


هوامش

(1) حاول عدد من مؤيدي الحكم الملكي تشكيل تنظيم لهم، وقد فاتحني بعضهم ومعي الملازم المظلي عصمت صابر عمر خلال عام 1965 كي ننضم الي خلية سرية تخطط لقلب النظام الجمهوري واعادة الملكية للعراق، وقد رفضت ذلك بهدوء ولم أخبر أي جهة بالأمر.
(2) أعلن السيد أحمد حسن البكر اعتزاله العمل السياسي والانصراف الي شؤونه العائلية في رسالة مقتضبة كتبها بخط يده ونشرتها الصحف العراقية في الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) 1964.
(3) صبحي عبد الحميد.. وزيرالداخلية والخارجية.
(4) الشركة الخماسية نسبة الي دمج خمس شركات سورية في شركة واحدة ايام الوحدة مع مصر، واطلق الرئيس عبد السلام هذا الوصف علي المجموعة التي ضمت المسؤولين الخمسة، حيث كان اعضاؤها يتكاتفون في ما بينهم خلال اجتماعات المجلس الوطني.
(5) ظل اللواء عبد الرحمن محمد عارف يشغل منصب رئيس اركان الجيش وكالة لكونه لم يتخرج من كلية الاركان.
(6) المقصود بمنطقة الدليم محافظة الانبار حاليا، ومركزها الرمادي.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-02-2008, 11:06   #7
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة السابعة)

2008/03/02




ميثاق 17 نيسان 1963

لم يكن المشير الركن عبد السلام محمد عارف إثر نجاح ثورة 14 رمضان ـ 8 شباط (فبراير) 1963 سوي شخصية مهمة استثمرها حزب البعث في السيطرة علي مقاليد الحكم في العراق، نظراً للشعبية التي اكتسبها الرجل المعروف بشجاعته وخلافاته مع الزعيم عبد الكريم قاسم ووقوفه امام المحكمة الخاصة وصدور حكم باعدامه وبقائه مسجوناً لفترة غير قصيرة، يضاف الي ذلك شعور عام لدي الكثير من العراقيين بأن لولا عبد السلام لما حصلت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ولم يكن موقعا رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة اللذان اسندا اليه في فترة شباط (فبراير) 1963 سوي منصبين فخريين، لذلك لم يُبد عبد السلام دوراً أو حراكاً مؤثراً في التخطيط لميثاق 17 نيسان (ابريل) 1963 بين الجمهـــورية العربية المتحدة والعراق وسورية أو عند إبرامه، بل ان رئيس الوزراء أحمد حسن البكر وأعضاء وزارته وقادة حزب البعث هم الذين شاركوا في جميع المفاوضات التي سبقت اعلان الميثاق ووقعوا عليه.
كانت المفاوضات التي سبقت اعلان الميثاق سريعة، وبدا قادة البعث الحاكم في العراق وسورية وكأنهم علي عجلة في صدوره، ويبدو أن النيات لم تكن صافية بشكل عام بين القيادتين السياسيتين في بغداد ودمشق حيال القاهرة، بحيث لم تمض سوي أيام علي إعلان الميثاق حتي طفت علي السطح بوادر خلافات عميقة تسببت في أن تغــدو بنود الميثاق المسطرة بعبارات متقنة وطموحة، مجرد حبر علي ورق، وظهرت في الصحف اليومية العراقية والسورية الرسمية وشبه الرسمية من جهة، والمصرية من جهة اخري، مقالات ودراسات تتضمن تهجمات متقابلة، قبل أن تتصاعد سريعاً نحو بيانات رسمية وتصريحات شائنة أتت علي ألسنة كبار المسؤولين والقادة، كل يقذف باللائمة علي الطرف الاخر، حتي حلّ مساء 22 من تموز (يوليو) 1963 عندما ألقي الرئيس جمال عبد الناصر بعد نفاد صبره خطاباً بمناسبة الذكري الحادية عشرة لثورة 23 تموز (يوليو) 1952 كانت عباراته بمثابة الإجهاز المبرم علي ذلك الميثاق الذي لم يطل عمره سوي ثلاثة أشهر.

18 تشرين الثاني 1963

عاش العراق ظرفاً عصيباً لا يحسد عليه في عام 1963، سادته خلافات وصراعات علي السلطة بين قادة حزب البعث الحاكم، فتفاقمت الاوضاع الامنية بشكل ينذر باشتعال حرب حزبية خلال النصف الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 مما حدا بالرئيس عبد السلام عارف مؤيديه الي اشراك وحدات من الجيش العراقي لتحسم الامور وفق خطة سريعة ومتقنة تم تنفيذها مع فجر الاثنين، الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، إذ سيطرت وحدات من القوات المسلحة العراقية علي بغداد لتلغي وجود الحرس القومي (البعثي) وتستحوذ علي مقاليد الحكم في عموم البلاد، وينبثق من جديد مجلس وطني لقيادة الثورة برئاسة عبد السلام عارف وتشكيل حكومة جديدة اُنيطت رئاستها بالفريق طاهر يحيي، كان من أهدافها المعلنة تحقيق الوحدة مع القاهرة.

اتفاقية التنسيق السياسي في 26 من ايار 1964

التفّت العناصر القومية، وخصوصاً ـ الضباط القوميين ـ الذين كان لهم الدور الاساس في إنجاح ثورة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) حول عبد السلام عارف بالدعوة الي تحقيق الوحدة مع مصر عبد الناصر التي طالما تمنوها، فتوصلت الوفود الثنائية ذات المستويات الرفيعة المتبادلة بين القطرين لأشهر عديدة من عام 1964 الي تحقيق اُولي وأهم الخطوات العملية للسير نحو الوحدة المنشودة، متمثلة بالتوقيع علي (اتفاقية التنسيق السياسي) التي اُبرمت بين العراق والجمهورية العربية المتحدة في القاهرة، ووقعها الرئيسان جمال عبد الناصر وعبد السلام محمد عارف، وأهم نصوصها ما يأتي:
أولاً: يشكــل (مجلس رئاسة مشترك) لكل من الجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العراقية، من رئيسي الدولتين وعدد من الاعضاء.
ثانياً: يجتمع المجلس مرة كل ثلاثة أشهر، وفي الحالات الضرورية، باتفاق رئيسي الجمهوريتين.
ثالثاً: تكون القاهرة مقراً للمجلس ويجوز دعوته للانعقاد في مكان آخر بناءً علي اتفاق الرئيسين.
رابعاً: تعتبر قرارات المجلس إلزامية ونافذة بمجرد التصديق عليها، عدا تلك التي تحتاج الي استصدار قانون تنص عليه النظم الدستورية في كل من البلدين (1).

مجلس الرئاسة المشترك

نصت اتفاقية التنسيق السياسي الموقعة بين العراق والجمهورية العربية المتحدة في السادس والعشرين من ايار (مايو) 1964 ضمن اُمور اساسية اخري ذكرناها آنفاً علي تشكيل هيئة عليا للعمل من أجل إقامة الوحدة بين البلدين سمي (مجلس الرئاسة المشترك)، الهدف منه دراسة وتنفيذ الخطوات التي تؤدي الي تحقيق وحدتهما، ويرأسه رئيسا البلدين، ويتألف من ثلاثة أعضاء متفرغين من كلا الجانبين، يضاف اليهم ثلاثة أعضاء آخرون غير متفرغين من الحكومتين، وقد تمت تسمية الاعضاء المتفرغين، وهم السادة: ناجي طالب وأديب الجادر وعبد الستار علي الحسين من الجانب العراقي، وشعراوي جمعة وكمال الدين الحناوي وعلي سيد علي من الجانب المصري، فيما نسب السيد فتحي الديب من مصر أميناً عاماً للمجلس. وتضمن مشروع اللائحة الداخلية للمجلس فقرات وعبارات كانت طموحة للغاية، وهي إن لم تكن مستحيلة التنفيذ، فقد كانت صعبة التطبيق من جميع النواحي العملية والواقعية، حيث أشارت الي أن مجلس الرئاسة المشترك يختص بما يأتي:
أولاً: دراسة وتنفيذ الخطوات اللازمة لإقامة الوحدة بين البلدين.
ثانيا: تخطيط وتنسيق سياسة البلدين في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي ميدان الإعلام.
ثالثاً: تحقيق الوحدة الفكرية بين شعبي الجمهورية العربية المتحدة والعراق عن طريق التنظيمين الشعبيين في البلدين (2) والعمل علي توحيد التنظيمين في المستقبل.

تقارير اللجان

وبعد انقضاء الاشهر الثلاثة المقررة للأعضاء المتفرغين للمجلس لإنهاء عملهم، فقد قدّموا بعض الدراسات والافكار الفردية، والتي من خلالها قدروا انها قد تفيد في تحقيق الغاية المرجوة (3)، وأعدت سبعة تقارير، أولها تقرير الامين العام للمجلس وفيه استعرض الاجراءات التي اتخذت منذ التوقيع علي الاتفاق في السادس والعشرين من ايار (مايو) الماضي، اضافة الي تقارير القيادة العسكرية للسيد ناجي طالب، واللجنة السياسية للسيد عبد الستار علي الحسين، واللجنة الاقتصادية للسيد أديب الجادر، ولجنة الثقافة والاعلام للسيد كمال الدين الحناوي، ولجنة الفكر الاشتراكي العربي للسيد شعراوي جمعة، ولجنة التنظيم الشعبي للسيد علي سيد علي.

موقف عبد السلام عارف

إلا ان تلك الدراسات والتقارير لم تُبحث ولم تُناقش سواء علي صعيد اللجان التي لم تكن قد تشكّلت اصلاً، أو علي صعيد مجلس الرئاسة المشترك نفسه خلال اجتماعه الرسمي الاول الذي انعقد في مدينة الاسكندرية في الرابع من ايلول (سبتمبر) 1964، وذلك بُعيد انتهاء اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثاني مباشرة، إذ بدأ الرئيس عبد السلام عارف حديثه الموجّه نحو الرئيس جمال عبد الناصر، رافعاً بين يديه تلك الدراسات المفتوحة أوراقها امامه، فأغلقها قبل ان يقول:
سيادة الرئيس.. انا لا أريد دراسات وأوراقا ومقترحات، انا اريد الوحدة. وبذلك ذهبت جهود وعمل الاعضاء المتفرغين لمجلس الرئاسة المشترك، والاموال التي صرفت عليهم خلال الاشهر الثلاثة هباءً بعبارة واحدة أطلقها الرئيس عبد السلام عارف، وهو الأمر الذي انزعج منه أولئك الأعضاء كثيرا.

موقف الرئيس عبد الناصر

استدرك الرئيس عبد الناصر الموقف المفاجئ ليطرح سؤالاً محدداً، طلب من خلاله ان يبدي كل من أعضاء الجانب المصري رأيه بموضوع الوحدة بين القطرين، فظهر ان السيد أمين هويدي سفير (ج. ع. م) ببغداد والعضو غير المتفرغ في مجلس الرئاسة المشترك ضد قيام الوحدة مع العراق قبل أن تُحلّ جميع مشاكل البلد القائمة في حينه ويقدم علي تنفيذ الوحدة، فيما بدا المشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس عبد الناصر والسيد شعراوي جمعة، تماماً مع فكرة الوحدة، اما الآخرون فقد داروا حول الموضوع من قريب ومن بعيد، دون ان يصرحوا برأي واضح وجازم، حينها تدخل الرئيس عبد الناصر ليقول: إنه مجازف، وهو معروف بالمجازفة، وعلي استعداد ان يركب البحر مجازفاً، ولكن تلك المجازفة يجب ان تكون محسوبة وقد قالها بالعبارة الانكليزية (calculated risk) وهنا بادر المشير عبد الحكيم عامر الي القول: ان الوحدة هي بمثابة معركة طويلة ومصيرية ينبغي أن نخوضها، لذا يجب أن تكون لها خطة متقنة، ولما كانت أية خطة بحاجة الي تقدير موقف، وهو ليس مستعداً لإجراء ذلك التقدير بمفرده وشخصه، لذلك فإن الواجب يقتضي مشاركة شخص آخر مسؤول من الجانب العراقي. ويقول السيد صبحي عبد الحميد في هذا المجال قائلاً:
وهنا ارتأي الرئيس عبد الناصر أن أبقي في القاهرة لأمثل الجانب العراقي في اجراء تقدير الموقف بالمشاركة مع عبد الحكيم عامر ولكن الرئيس عبد السلام عارف عارض ذلك لحاجته لي في الإعداد لمؤتمر (قمة دول عدم الانحياز) وكان علي وشك الانعقاد في القاهرة بعد اقل من شهر من ذلك اليوم، وعرض علي الرئيس عبد الناصر ان يشترك الاعضاء العراقيون الثلاثة المتفرغون في مجلس الرئاسة المشترك بإجرائه ما داموا هم أساساً يقيمون في مصر وقد تم الاتفاق علي ذلك، ولما انفض الاجتماع علي النحو الذي ذكرناه، قال الرئيس عبد الناصر للسيد صبحي عبد الحميد علي إنفراد ان الرئيس عبد السلام عارف غير جاد في الوحدة، لذلك فإنه يتمني ان يظل العراق دون وحدة مع مصر، ولكن من الضروري ان يبقي قوياً ليتعاون معنا ويواصل حلّ مشاكله القائمة، اذ ان وحدة الهدف بين البلدين الشقيقين وتضامنهما في هذه المرحلة يعتبران اهم من الوحدة نفسها.
ولكن ومن الجانب الاخر للموضوع نفسه، فإن تقدير الموقف الذي اقترحه المشير عبد الحكيم عامر لم يجر مطلقاً، ولم يُستدع أي عضو عراقي متفرغ مقيم في القاهرة من اعضاء مجلس الرئاسة المشترك للمساهمة فيه. ولكن قبيل انعقاد مؤتمر )قمة دول عدم الانحياز) في القاهرة خلال شهر تشرين الاول )أكتوبر) 1964 دعا المشير عامر السيدين صبحي عبد الحميد وزير الخارجية وعبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، والمتواجدين في القاهرة الي مكتبه ليقول لهما: لا تضغطا علي الرئيس عبد السلام، فلقد توصلنا الي ان تحقيق الوحدة بين دولتينا غير وارد في الوقت الحاضر، ولذلك سوف نقترح اسلوباً افضل من مجلس الرئاسة المشترك، ولم يكن ذلك (الاسلوب الافضل) سوي تشكيل (القيادة السياسية الموحدة) للبلدين، فقد جلب الرئيس عبد السلام عارف مسودة اتفاقيتها عند عودته من القاهرة في السادس عشر من تشرين الثاني (اكتوبر) 1964 اذ أقرّها المجلس الوطني لقيادة الثورة بإجماع الاصوات خلال اجتماع خاص عُقد لمناقشة بنودها في القصر الجمهوري ببغداد في التاسع عشر من الشهر نفسه، كما نشرت ذلك صحيفة (الجمهورية) الرسمية في العشرين من الشهر ذاته. وعندما سمع الاعضاء العراقيون المتفرغون في مجلس الرئاسة المشترك ان مجلسهم قد اُلغي عملياً، تركوا القاهرة عائدين الي بغداد، كما ابلغني السيد ناجي طالب في احد لقاءاتي معه.

حكومة طاهر يحيي الثالثة

لم يمض شهر واحد علي تشكيل القيادة السياسية الموحدة حتي كلّف الرئيس عبد السلام عارف رئيس وزرائه الفريق طاهر يحيي بتشكيل حكومة جديدة برئاسته للمرة الثالثة علي التوالي خلال سنة واحدة، وكان الملاحظ فيها ان ثلاث حقائب وزارية فيها قد اسندت الي الاعضاء المتفرغين السابقين في مجلس الرئاسة المشترك الملغي، ناجي طالب واديب الجادر وعبد الستار علي الحسين، واسناد حقيبة رابعة لسفير العراق في القاهرة شكري صالح زكي، وعدم ورود اسم العميد رشيد مصلح وزير الداخلية السابق والحاكم العسكري العام في العراق ضمن الوزراء، وتغيير منصب السيد صبحي عبد الحميد من وزير الخارجية الي الداخلية، وتسنّم اللواء الركن ناجي طالب العضو المتفرغ السابق في مجلس الرئاسة المشترك (الملغي) منصب وزير الخارجية، وتعيين وزير دفاع جديد، هو اللواء الركن محسن حسين الحبيب، واحتفاظ العميد الركن عبد الكريم فرحان أحد الاعضاء المهمين في (الكتلة القومية) المنادية بالوحدة الفورية مع (ج. ع. م)، بمنصب وزير الثقافة والارشاد، وتعيين السيد فؤاد الركابي وزيراً للشؤون البلدية والقروية، وهو أحد مؤسسي حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، والوزير السابق في حكومة 14 تموز (يوليو) 1958 بعد ان أمسي مع الكتلة القومية، وقد ورد في كتاب التكليف الذي وجهه الرئيس عبد السلام عارف الي الفريق طاهر يحيي امور مهمة برزت علي سطح السياسة في العراق للمرة الاولي، وهي: إعادة الحياة الدستورية، وقيام الحياة النيابية في العراق خلال مدة لا تتجاوز سنة واحدة ، الاسراع في إعادة إعمار شمالي العراق وحل جميع القضايا المعلقة الناجمة عن التمرد هناك، وبما يضمن الوحدة الوطنية، إقامة (مجلس شوري الدولة( خلال شهر واحد، الاهتمام ببناء الجيش والقوات المسلحة، وإبعادها عن السياسة كلياً، انجاز ما يترتب علي ما ورد في اتفاقية (القيادة السياسية الموحدة).
اما الوزراء، فقد كانوا السادة الآتية أسماؤهم: ناجي طالب للخارجية، وصبحي عبد الحميد للداخلية، واللواء الركن محسن حسين الحبيب للدفاع، وعبد الكريم فرحان للثقافة والارشاد، ومحمد جواد العبوسي للمالية، وعبد الستار علي الحسين للعدل، وشكري صالح زكي ـ التربية، والدكتور عبد العزيز الوتاري للنفط، وعزيزالحافظ للاقتصاد، والدكتور شامل السامرائي للصحة، والدكتورعبد الصاحب علوان للاصلاح الزراعي، والدكتورعبد الفتاح الآلوسي للاشغال والاسكان، وعبد المجيد سعيد للمواصلات، وأديب الجادر ـ الصناعة، وعبد الهادي الراوي للزراعة، والدكتور عبد الحسن زلزلة للتخطيط، وفؤاد الركابي للشؤون البلدية والقروية، والدكتورعبد الكريم هاني للعمل والشؤون الاجتماعية، والشيخ مصلح النقشبندي للاوقاف، والدكتور عبد الرزاق محي الدين للوحدة، ومسعود محمد وزير دولة.

شائعات في الشارع العراقي

أثار تغيير منصب السيد صبحي عبد الحميد من وزير الخارجية الي وزير الداخلية تقوّلات كثيرة في الشارع العراقي عن وجود خلافات وراء الكواليس بين الكتلة القومية التي كان يرأسها، وبين رئيس الجمهورية، فقد ادعي بعض الناس في أقاويلهم ان عبد السلام عارف أراد ان يحرمه من ان يلتقي كثيراً بالرئيس جمال عبد الناصر، من خلال زياراته العديدة والمتكررة ـ بحكم منصبه ـ الي القاهرة، أو أثناء توقّفه فيها عند تنقّله الي عواصم عربية او افريقية أو أجنبية، ولكن السيد صبحي عبد الحميد نفسه نفي ان يكون ذلك قد حدث بسبب خلاف في حينه بين كتلته مع عبد السلام عارف، إذ أوضح لي في احد لقاءاتي معه قائلا: إنني لم اكن راضياً في قرارة نفسي عن ذلك التغيير، فقد كنت أميل الي منصب وزير الخارجية، ولكن ذلك لم يقع بسبب خلاف بيننا وبين الرئيس عبد السلام، وإنما لإجماع في آراء أعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة بضرورة إعفاء العميد رشيد مصلح من منصب وزير الداخلية، لمعارضته الشديدة للقرارات الاشتراكية التي صدرت من القيادة يوم 14 تموز (يوليو) 1964 بل ومجاهرته في ذلك، إذ اُعتبر تصرفه هذا غير مقبول بالمرة، لانه كان عضواً في المجلس الوطني لقيادة الثورة ووزيراً للداخلية، وحاكماً عسكرياً عاماً، فهل يُعقل ان لا يؤمن صاحب تلك المناصب المهمة في الدولة بقرارات اساسية وخطوات جادة تصدرها الدولة؟ علما ان العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد رفض بشدة منصب وزير الداخلية حينما عُرض عليه، كما رفض اللواء الركن ناجي طالب منصب وزير الدفاع متذرعاً أنه سيبقي بين (المطرقة) المتمثلة بالرئيس عبد السلام عارف القائد العام للقوات المسلحة، وبين (السندان) المتمثل بأخيه اللواء عبد الرحمن عارف رئيس اركان الجيش وكالة، والذي كان عبد السلام يصر علي ضرورة استمراره في منصبه هذا.

القيادة السياسية الموحدة

في العشرين من كانون الاول (ديسمبر) 1964 اُذيع بيان رسمي مشترك في بغداد والقاهرة وهو يحمل نبأ مولد القيادة السياسية الموحدة للجمهورية العربية المتحدة والجمهورية العراقية لتمّثل اعلي سلطة سياسية لدي البلدين الشقيقين، وقد ضمّت كلاً من السادة: جمال عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة، عبد السلام محمد عارف رئيس الجمهورية العراقية، المشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس عبد الناصر، الفريق طاهر يحيي رئيس وزراء الجمهورية العراقية، زكريا محي الدين نائب رئيس الجمهورية العربية المتحدة، صبحي عبد الحميد وزير الداخلية العراقي، أنور السادات رئيس مجلس الامة في الجمهورية العربية، عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد في العراقي، حسين الشافعي نائب رئيس الجمهورية العربية، عبد الستارعلي الحسين وزير العدل العراقي، حسن ابراهيم نائب رئيس الجمهورية العربية، أديب الجادر وزير الصناعة العراقي، علي صبري رئيس وزراء الجمهورية العربية المتحدة، ناجي طالب وزير خارجية العراق، د. نور الدين طرّاف ـ نائب رئيس وزراء (ج. ع. م)، د. عبد الحسن زلزلة وزير التخطيط العراقي، أحمد عبدُه الشرباصي نائب رئيس وزراء (ج. ع. م)، شكري صالح زكي وزير التربية العراقي، كمال الدين رفعت نائب رئيس وزراء (ج. ع. م) محسن حسين الحبيب وزير الدفاع العراقي، عباس رضوان نائب رئيس وزراء (ج. ع. م( عبد الرزاق محي الدين وزير الوحدة في العراق، د. عبد القادر حاتم نائب رئيس وزراء (ج. ع. م).
وعلي الرغم من تلك التسمية الرنانة (القيادة السياسية الموحدة) وتأليفها من رئيسي الدولتين وكبار المسؤولين التنفيذيين والتشريعيين، إن صحّ التعبير، فإنها ظلت ـ في الواقع ـ مجرد خطوة اعلامية من دون حراك عملي يُذكر طيلة حوالي خمسة أشهر من تأريخ تشكيلها، إذ لم يزُر أي من أعضائها الدولة المقابلة، ولم يصدر شي آخر بعد البيان المشترك يشير الي تنفيذ الخطوات العملية اللازمة لتحقيق الوحدة المزمعة، أو غيرها من الأمور.
ويلخص السيد ناجي طالب في حديث للمؤلف رأيه بصدد تشكيل كل من مجلس الرئاسة المشترك والقيادة السياسية الموحدة بما يأتي:
اولاً: ان مجلس الرئاسة المشترك كان قد تألف كجزء من اتفاقية (التنسيق السياسي) المبرمة بين العراق و(ج. ع. م) بتاريخ السادس والعشرين من ايار (مايو) 1964، وكانت مهمته دراسة وتنفيذ الخطوات اللازمة لإقامة وحدة متكاملة بين الدولتين، غير ان هذه الصيغة لم تكن مقبولة من وجهة نظر (الكتلة القومية) فحسب، بل هي في الاساس لم تكن غير وافية بالتزامات تحقيق الوحدة مع (ج. ع. م) في اقرب فرصة ممكنة، وفقاً لما هو مدرج بالمادة الاولي من الدستور العراقي المؤقت، ولذلك ظل قادة تلك الكتلة يضغطون باستمرار علي الرئيس عبد السلام عارف من أجل إقامة وحدة فورية او مبكرة، ولكن تلك الضغوط لم تتمخض إلا عن تحقيق اتفاق شكلي، وذلك باستبدال اتفاقية (التنسيق السياسي) باتفاقية (القيادة السياسية الموحدة) مضافاً اليها تحديد سقف زمني أمده )سنتان) لتحقيق حلم قيام وحدة دستورية بين العراق ومصر.
ثانياً: لم تكن عملية إقامة وحدة دستورية بين العراق و(ج. ع. م) بالمهمة السهلة والبسيطة التي يمكن إنجازها بين يوم وليلة ـ كما كان يعتقد البعض ـ بل انها عملية بناء ضخمة ومعقدة وطويلة، ولا سيما اذا ما وضعنا نصب عينينا البُعد الجغرافي بين القطرين والآثار النفسية التي خّيمت علي الأمة العربية يومذاك، إثر عملية الانفصال بين سورية ومصر منذ أواخر عام 1961 اضافة الي الاختلافات الواضحة بين العراق ومصر في الميادين السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها.
ثالثاً: كانت فكرة تكوين (مجلس الرئاسة المشترك) وخطوة استبداله بعد بضعة اشهر بالقيادة السياسية الموحدة من بين محاولات قُصد بها القيام بخطوات ونشاطات وأعمال وإجراءات مشتركة قد تمّهد للوصول الي صيغة عملية لإقامة وحدة دستورية متوازنة وناجحة في إطار الممكن والمفيد.
ولكننا لو عُدنا الي نصوص اتفاقية تكوين القيادة المذكورة، وأمعنّا النظر في دراسة المهام والمسؤوليات التي اُوكلت اليها، فإننا نجد انها كانت ضخمة جداً وواسعة للغاية، وتستلزم استحداث اجهزة مقتدرة وتكوين تنظيمات ومؤسسات عظيمة وذات اختصاصات متنوعة ليكون بمقدارها اجراء دراسات وبحوث مختلفة ومفصلة لدي القطرين لخدمة المتطلبات العملية لدولة الوحدة من الناحية الفعلية، والقيام بأجراءات وخطوات عملية هائلة ينبغي الخوض فيها لتحقيق تلك الدراسات وتطبيق البحوث وتنفيذها.
رابعاً: ان الاجهزة والتشكيلات التي سمّيت ضمن الاتفاقية باللجان المشتركة لم تؤلف ابداً، لأن العملية الاساسية ـ ومنذ بداياتها ـ اصطدمت بصراعات وأحقاد داخل القيادة السياسية في الجانب العراقي، وتلك حالة لم تكن بالطبع تشجع علي إقامة الوحدة، ولا حتي مجرد بحثها أصلاً، كما أعتقد.
خامساً: ومما لا شك فيه، ان القيادة العراقية حتي وان كانت متحدة الآراء فعلاً، ومنسجمة في شخوصها وتوجهاتها ونواياها ورؤاها، فإن عملية اقامة الوحدة الدستورية كانت ـ ولا بد ـ ستستغرق وقتاً طويلاً جداً، وذلك بسبب الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي كان القطران يعيشانه: كلاهما علي انفراد. مع الاخذ بنظر الاعتبار واقع ما يسمي بـالجيوبولوتيك الذي يعني الاعتبارات السياسية والجغرافية والعسكرية الإقليمية والدولية، والتي آلت بعد أقل من ثلاث سنوات الي هزيمة العرب في حرب حزيران (يونيو) 1967.


هوامش

(1) أنظر إلي كتاب امين هويدي (كنت سفيرا في العراق) ص 117
(2) المقصود بالتنظيمين: الاتحاد الاشتراكي العربي في البلدين
(3) مقابلة مع السيد ناجي كالب
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-02-2008, 11:10   #8
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثامنة)


الرئيس المصري يجمع عبد السلام عارف وقادة الكتلة القومية في منزله بالقاهرة للاتفاق علي برنامج عمل سياسي سري مصري ـ عراقي
تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد
03/03/2008




الزيارة المرتقبة للرئيس عبد الناصر الي العراق

كانت زيارات الرئيس عبد السلام عارف الي الجمهورية العربية المتحدة ولقاءاته واجتماعاته بالرئيس جمال عبد الناصر عديدة ومتتالية، فقد تواجد في أرض الكنانة خلال عام 1963 مرتين، وزارها للمرة الثالثة في كانون الثاني )يناير) 1964 ليشارك في مؤتمر القمة العربي الاول، وللمرة الرابعة خلال شهر ايلول (سبتمبر) من العام نفسه لحضور اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثاني، وللمرة الخامسة في تشرين الاول (اكتوبر) من العام نفسه ليحضر اجتماعات مؤتمر قمة دول عدم الانحياز، وكان من المفترض دبلوماسياً ان يرد الرئيس جمال عبد الناصر ولو بزيارة واحدة للعراق مقابل الزيارات الخمس المذكورة، ولا سيما وأن الفئات القومية كانت توّاقة لاستقبال الزعيم العربي الكبير في شوارع وساحات بغداد نظراً للشعبية الواسعة التي كان الرئيس عبد الناصر يتمتّع بها في العراق، هذا فضلاً عن وجود نص في اتفاقية التنسيق السياسي الصادرة في ايار )مايو) 1964 وكذلك نص آخر في اتفاقية القيادة السياسية الموحدة المعلنة في تشرين الاول )اكتوبر) من العام ذاته، يشيران بوضوح الي ان الاجتماعات المشتركة تنعقد مرة في القاهرة ومرة اخري في بغداد، في وقت كانت الصحف العراقية تنشر بين فترة واخري تصريحات لوزير الثقافة والارشاد عبد الكريم فرحان ووزير الوحدة الدكتور عبد الرزاق محي الدين والدكتور شامل السامرائي وزير الصحة، عن زيارة قريبة الرئيس عبد الناصر الي بغداد، بل ان الرئيس عبد السلام نفسه أشار في تصريحات نشرت في الخامس والعشرين من ايلول (سبتمبر) 1964 الي قرب تلك الزيارة الموعودة التي طال انتظارها.
وخلال عام 1964، وعلي الرغم من تبادل زيارات متبادلة، تعّد بالعشرات، لمسؤولين ووفود عسكرية وحكومية وشعبية بين الدولتين، إلا ان أكبر مسؤول مصري زار العراق للمشاركة في احتفالات تموز (يوليو) 1964 كان نائب الرئيس عبد الناصر، السيد حسين الشافعي. أثار تردد الرئيس عبد الناصر وعدم استجابته للدعوات المتكررة التي وُجّهت اليه بشكل رسمي، وعدم إيفائه بوعوده العديدة لزيارة العراق امتعاض الرئيس عبد السلام عارف واستياءه، معتبراً تصرفه ذاك استصغاراً لشخصه، إذ قرر عدم القيام بزيارة سادسة الي مصر علي الرغم من اعلان القيادة السياسة الموحدة رسمياً منذ العشرين من تشرين الاول (اكتوبر) 1964، ورأي ضرورة عقد اجتماعها الاول ـ علي الأقل ـ في بغداد بدلاً من القاهرة.
ويبدو ان القاهرة قد شعرت او اُشعرت بذلك، في حين رأت الكتلة القومية في العراق وهي المهتمة كثيراً بالوحدة مع (ج. ع. م) بل والضاغطة علي عبد السلام عارف بضرورة تحقيقها، أن اتفاقية القيادة السياسية الموحدة ما لم يتحقق اجتماعها الاول، أينما يعقد، فإنها ستبقي حبراً علي أوراق، وبدأت تحاول اعادة ترغيب رئيس الجمهورية بالعدول عن رأيه، والسفر علي رأس الوفد العراقي في القيادة المذكورة الي القاهرة ولكن دون جدوي.
ولغرض التوصل الي حل للإشكال القائم، أرسلت القاهرة أحد كبار مسؤولي مباحث أمن الدولة، مبعوثاً خاصاً الي بغداد في زيارة لم يُعلن عنها في أوائل 1965 للتباحث في زيارة الرئيس عبد الناصرالمرتقبة للعراق، ومدي امكانية تأمين الحماية الشخصية له.. فاجتمع طويلاً مع مدير الامن العام المقدم الركن رشيد محسن ومدير الاستخبارات العسكرية المقدم الركن هادي خماس وكلاهما من اعضاء قيادة الكتلة القومية قبل ان يبحث الموضوع مع العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد وآمر الانضباط العسكري لكونه المسؤول المباشر عن تحريك ونشر القوات المكلفة بحماية مدينة بغداد وضواحيها، ولان افراد الانضباط العسكري هم ايضاً مسؤولون عن تطبيق جزء من )خطة امن بغداد).
ومن غرائب الأمور ان اولئك الثلاثة أوضحوا جميعاً أنه يصعب كثيراً تأمين سلامة الرئيس عبد الناصر في تلك الظروف لسببين أساسيين، أولهما كثرة أعدائه واحتمال وقوع محاولة تستهدف حياته، وثانيهما كونه محبوباً وذا شعبية واسعة لدي جماهير العراق، إذ لا يمكن معها العمل علي منع او تحديد اندفاعها وتقرّبها من موكبه أينما سار في بغداد او مدن العراق الاخري، حيث يمكن استغلال ذلك الاندفاع ليندسّ أحد الاعداء ويتقرب اليه ويحدث ما لا يحمد عقباه، فتخسر الامة العربية شخص الرئيس عبد الناصر، ويخسر العراق سمعته، حسب وصف السيد صبحي عبد الحميد، الذي كان يتولي وزارة الداخلية، ويخضع الامن الداخلي في العراق ومن بينها أمن كبار المسؤولين لمسؤولياته الكبري، فقد حضر امامه مدير جهاز المباحث المصري مع القادة العراقيين الثلاثة، وفي مكتبه الخاص، ليوضحوا له الحقيقة المّرة بعينها، وبعد اجراء مناقشات مسهبة توصلوا جميعاً إلي أن من الصعوبة بمكان تأمين سلامة الرئيس عبد الناصر، أمسي السيد صبحي عبد الحميد أمام موقف محرج للغاية، سواء لكونه وزيراً للداخلية، أو كزعيم لـلكتلة القومية التوّاقة الي تحقيق زيارة واحدة للرئيس عبد الناصر الي أرض العراق، إضافة الي محاولته للخروج من أزمة عدم قبول الرئيس عبد السلام عارف للقيام بزيارة اخري الي مصر ما لم يزُر الرئيس عبد الناصر العراق ولو لمرة واحدة.. ولكنه اضطر بحكم مسؤوليته ان يوضح واقع الحال ـ ولو علي مضض ـ امام رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيي، قبل ان يعرضه امام رئيس الجمهورية، الذي بدوره سكت ايضا علي مضض.
ولكن، وعلي الرغم من كل ذلك، أصّرت الكتلة القومية علي ضرورة ان تواصل القيادة السياسية الموحدة اجتماعاتها في القاهرة كي يبرهن العراق نفسه انه سائر فعلاً علي طريق الوحدة مع (ج. ع. م)، في حين لم يكن الرئيس عبد السلام عارف علي قناعة تامة بإجراء زيارة اُخري الي القاهرة بشكل مطلق.. ولم يبق امام )الكتلة( الا مواصلة الاقناع والضغط عليه في معظم اجتماعات المجلس الوطني لقيادة الثورة، حتي اضطر عبد السلام عارف إلي القيام بزيارة سادسة الي مصر في شهر ايار )مايو) 1965، أي بعد انقضاء حوالي خمسة اشهر علي إعلان تشكيل القيادة السياسية الموحدة رسمياً.

ازمة ثقة بين الرئيس عارف والكتلة القومية

لم تكن ممانعة عبد السلام عارف من زيارة مصر مرة لاحقة لعقد اجتماع رسمي مشترك للقيادة السياسية الموحدة بالأمر الوحيد الذي أحدث خلافاً بينه وبين الكتلة القومية، إذ كانت هناك آراء متباينة وأفكار متضادّة وشكوك عديدة تسبّبت في إحداث أزمة ثقة ترسّخت يوماً بعد يوم بين الطرفين. وكانت بدايات الازمة في آذار )مارس) 1964، إذ لم تنقض سوي أربعة أشهر علي نجاح حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963حين طالبت الكتلة القومية، الرئيس عبد السلام عارف بتشكيل مجلس قيادة الثورة ليصبح الحكم جماعياً في خطوة للحدّ من نزعته الفردية في الحكم، والتي بدأت تظهر علي شخصه ـ حسب رؤية الكتلة ـ ولم يوافق عبد السلام الا بعد ضغط شديد، واضعاً بخط يده في المادة (13) من قانون المجلس المذكور نصوصا تمنحه صلاحيات استثنائية لمدة سنة واحدة قابلة للتجديد تلقائياً، حيث مارست (الكتلة( مجدداً ضغطاً مضافاً عليه منتصف شهر تموز (يوليو) 1964 حتي اضطر إثر ذلك الي إلغاء فقرة )التجديد التلقائي( لترؤسه المجلس ولكن دون ان يستطيع المجلس الوطني لقيادة الثورة ردعه من ممارسة الحكم الفردي، حسب ما يراه السيد صبحي عبد الحميد الذي يقول ايضا ان شكوكا ترسّخت لدي قيادة الكتلة القومية بأن الرئيس عبد السلام عارف غير جاد في قرارة نفسه لتحقيق الوحدة مع (ج. ع. م( تمسكاً بكرسي الحكم الذي بات يهواه ويعشقه، علي الرغم من تظاهره باتخاذ خطوات الوحدة لأسباب عديدة أهمها: أنه نادي بالوحدة الفورية بعيد انبثاق ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، تلك التي جلبت علي شخصه مشاكل كبري قدم علي إثرها للمحاكمة أواخر عام 1958، اذ حكم عليه بالاعدام في اوائل عام 1959، فلم يكن باستطاعته التخلي جهاراً عن شعارات الوحدة بعد ان أمسي بمنصب رئيس الجمهورية، اضافة الي الضغط الشعبي المتعاظم والإلحاح الشديد من لدن معظم اعضاء المجلس الوطني لقيادة الثورة وتنظيمات الاتحاد الاشتراكي وعموم الضباط القوميين بعد نجاح 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963. ويعتقد السيد صبحي عبد الحميد ان محاولات عبد السلام الحثيثة للإبقاء علي علاقة جيدة مع مصر، لكون محور )القاهرة ـ بغداد( يعني التحكم والسيطرة علي سياسات الاقطار العربية الاخري، ولكن ذلك لم يكن حباً منه للوحدة وايماناً بها، بل كان لتحقيق مصلحة شخصية لاستقرار نظام حكمه، ليس إلا، ويضيف عبد الحميد ولأن الوحدة العربية عقيدة راسخة في أعماق عبد السلام منذ الصبا، ولكنه أمسي يحلم ان يكون هو رئيساً لدولة الوحدة، أو يبقي رئيساً علي العراق ـ علي الاقل ـ في ظل الاتفاقيات الوحدوية التي عقدها مع القاهرة، ويضيف السيد صبحي عبد الحميد الي رؤيته الشخصية نحو الرئيس عبد السلام عارف انه كان ظاهرياً متحمساً للوحدة مع مصر، ولكنه كان يعمل في الخفاء ومن خلال أحاديثه الخاصة ضدها، وأن من دلائل عدم جدّية عبد السلام في تحقيقها، أنه في إحدي زياراته الي القاهرة التقي الجالية العراقية هناك في مبني السفارة العراقية، حيث تفوّه بعبارات طويلة قارن من خلالها الاوضاع الاقتصادية لدي البلدين، مشيراً الي أسعار المواد الغذائية واللحوم واللوازم الاستهلاكية فيهما، من دون ان ينتبه، أو يتوقع، وصول مثل تلك الاقوال والطروحات والمقارنات الي أسماع قادة (ج. ع. م( في حينه. ويؤيد السيد ناجي طالب تلك الحقيقة حين يقول: كان الرئيس عبد السلام عارف واقعاً تحت ضغط قادة الكتلة القومية في العراق بالاسراع لتحقيق الوحدة مع (ج. ع. م)، ولكنه لم يكن متحمساً لها بخلاف ما كان عليه الامر في الظاهر ـ علي الاقل ـ بعيد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، ويضيف ان الرئيس جمال عبد الناصر كان حذراً، بل ومتخوفاً من الاسراع في تحقيق الوحدة مع العراق لاسباب عديدة، قد يكون اهمها:
فشل تجربة الوحدة مع القطر السوري، والتي قامت في الحادي والعشرين من شباط (فبراير) 1958 وأجهضت في الثامن والعشرين من ايلول (سبتمبر) 1961، وعدم استقرار الاوضاع السياسية في العراق منذ عام 1958 ولسنوات عديدة متتالية، يضاف الي ذلك البعد الجغرافي الفاصل بين العراق ومصر، وكون قادة وحكومات الاقطار العربية التي تفصل بينهما من المناهضين لتلك الوحدة، ناهيك عن اسرائيل.
ويري السيد ناجي طالب ايضا أن الحماس للوحدة لا يكفي لتحقيق وحدة بين بلدين، ففي العراق ولدي الكتلة القومية خصوصاً كان الحماس متوفراً، بل وشديداً جداً، وذلك علي خلاف الجانب المصري الذي لم يتوفر لديه الحماس ذاته.

عبد الناصر حذر من الوحدة مع العراق

ولكن السيد صبحي عبد الحميد لا يؤيد ذلك، اذ يقول: ان القيادة في القاهرة كانت تتحجّج في حينها، مرة بالمشاكل الداخلية القائمة في العراق، ومرة اخري بالحاجز الجغرافي بين القطرين، بعد ان لمست ان الرئيس عبد السلام عارف امسي يتحدث عن الوحدة دون إبداء رغبة صادقة في تحقيقها، إذ كانت تلمّح لنا بين فترة واُخري بعدم رغبة رئيس العراق في إتمامها.. وإننا علي الرغم من كل ذلك، كان إيماننا راسخاً بأن الرئيس عبد السلام عارف لو كان جاداً، ولم يكن قد انبهر بحلاوة كرسي الرئاسة، لتخطّت مصر كل العوائق وحقّقت الوحدة، ولا ينكر السيد صبحي عبد الحميد في هذا الشأن، ان الرئيس عبد الناصركان حذراً من فشل تجربة وحدة ثانية تتم مع العراق، بعد فشل تجربته الاولي مع سوريا التي لم تدم سوي اقل من ثلاث سنوات، ناهيك عن الحاجز الجغرافي الفاصل بين العراق ومصر الذي يشكل عاملاً سلبياً مضافا، ويعتقد السيد ناجي طالب في الشأن نفسه، أن الرئيس عبد الناصر كان يكن حباً واحتراماً شخصياً للرئيس عبد السلام، مدركاً تماماً مدي الحرج الذي يتعرض له بإصرار الكتلة القومية علي تحقيق وحدة فورية او سريعة مع مصر، ولما كان الرئيس عبد الناصر مقتنعاً ومؤمناً ان بلوغ هذا الهدف لم يحن أوانه بعد، فقد اعلن وبصراحة ان الطرفين، وفي تلك المرحلة بالذات، ينبغي ان لا يقّدما للاعداء هدفاً مادياً يستطيعون تدميره، الا وهو دولة الوحدة، او الوحدة الدستورية، بل عليهما ان يضعا امامهما هدفاً لا يستطيع خصومهما النيل منه، كوحدة العمل العربي التي ظل ينادي بها الرئيس عبد الناصر في تلك المرحلة وما تلاها من سنوات وحتي وافاه الاجل عام 1970.
ويقول السيد صبحي عبد الحميد انه سمع من الرئيس عبد الناصر، بعد اجتماع رسمي للجانبين العراقي والمصري في مجلس الرئاسة المشترك خلال شهر تشرين الاول )اكتوبر) 1964، بأن الرئيس عبد السلام عارف، غير جادّ في موضوع الوحدة، لذلك فإنه ـ أي الرئيس عبد الناصر ـ يتمني ان يبقي العراق دون وحدة، ولكن من الضروري ان يظل قوياً ليحل مشاكله القائمة ويستمر في تعاونه القائم مع الجمهورية العربية المتحدة، إذ ان وحدة الهدف بين القطرين الشقيقين وتضامنهما في هذه المرحلة أهم بكثير من تحقيق الوحدة نفسها، ويضيف عبد الحميد انه تأثر كثيرا من كلام عبد الناصر، وهو المُعجب به والشغوف بتوجهاته وآرائه السياسية وأهدافه الاستراتيجية، ويتذكر انه نقل ما سمعه الي قيادة كتلته القومية عندما عاد الي بغداد ومن الطبيعي ايضاً ان يتوجّس اولئك من ذلك الطرح.. ولما كان العديد منهم اعضاء دائمين في المجلس الوطني لقيادة الثورة، اضافة الي مناصبهم الخطيرة في الدولة وقواتها المسلحة، فإن توجسهم قد أضاف آثاراً سلبية تجاه علاقاتهم بالرئيس عبد السلام عارف، اضف الي ذلك كله أنه ساد اعتقاد لدي قيادة الكتلة القومية بأن الرئيس عبد السلام عارف لم يعد راغباً بالإيفاء إزاء التزامات كان قد قطعها مراراً بإبعاد الجيش والقوات المسلحة عن السياسة وحل جميع الكتل فيهما، والتي أملاها في كتاب تكليف الفريق طاهر يحيي عند تشكيله لوزارته الثالثة في أواسط تشرين الثاني (نوفمبر) 1964 حيث دعت إلي ذلك الفقرة الرابعة من كتاب التكليف، ونصها: الاهتمام ببناء الجيش والقوات المسلحة وإبعادها عن السياسة كليا، إذ راود الشك اعضاء تلك الكتلة بأن عبد السلام عارف يستهدف حل تنظيمات كتلتهم القوية لخشيته منها دون الكتل الاخري التي يترأسها كل من اللواء عبد الرحمن محمد عارف والعقيد الركن بشير الطالب والعميد سعيد صيلبي، في حين كانت الكتلة القومية علي استعداد لحل تنظيماتها، كما يؤكد السيد صبحي عبد الحميد، ولكن السيد ناجي طالب لا يتفق مع هذا الرأي ويقول ان ما يذكره السيد عبد الحميد بهذا الصدد يمثل رأيه الشخصي، إذ من المحتمل جداً ان الضباط الآخرين في قيادة الكتلة القومية غير مقتنعين بذلك، في حين ان الكتل والتنظيمات السياسية الاخري التي تغلغلت بقوة واستقرت في عموم تشكيلات القوات المسلحة في حينها، فإنها لم تكن علي استعداد للتفريط في حلّ نفسها وتنظيماتها. يضاف الي ذلك ان عددا من قياديي الكتلة القومية تصوروا أن عبد السلام عارف بدأ يجنح الي الحكم الفردي، بينما كانوا هم يؤمنون بالقيادة الجماعية، ريثما تتم إعادة الحكم الديمقراطي بأحزابه المتعددة ومؤسساته الي العراق ـ كما يقول السيد صبحي عبد الحميد ـ ويضيف ان الكتلة القومية كانت تؤمن بضرورة تطوير (الاتحاد الاشتراكي العربي) والاعتماد علي تنظيماته كقاعدة شعبية وحيدة لإسناد نظام الحكم، وهو الذي تأسس في العراق يوم الرابع عشر من تموز (يوليو) 1964 ولكن لما وجد ان الاتحاد اتخذ رأياً مستقلاً وكياناً واضحاً ومؤثراً، ولم يكن أداة للتطبيل والتزمير والتصفيق لشخصه، وأنه بات يضغط بشكل جدي من أجل تحقيق الوحدة مع مصر، عندئذ تراجع عن رأيه، والقول ما زال للسيد عبد الحميد الذي كان يري مع زملائه في الكتلة القومية ان الرئيس عبد السلام عارف يتّبع سياسة (فرّق تسُد) بين الكتل السياسية والعسكرية والوزراء وكبار ضباط القوات المسلحة، مما تسّبب في خلق بلبلة وعداءات لا تخدم مصلحة الوطن، واخيرا كان قادة الكتلة القومية يعتقدون ان عبد السلام علي الرغم من كونه رئيس الجمهورية والقائد العام للقوات المسلحة، إلا انه كان يقرر المسائل المهمة التي تخص امور مجلس الوزراء ومهماته، لذلك رأي العديد من الوزراء ان رئيس الجمهورية يتدخل في صلاحياتهم ومسؤولياتهم وامور وزاراتهم.. ولما كانت هناك ازمة ثقة قائمة بينه وبين وزراء الكتلة القومية علي وجه الخصوص، فإن هؤلاء كانوا اكثر حساسية من باقي الوزراء في هذا الصدد بالذات، إذ رأي البعض منهم انه يحاول تسخير اجهزة الاذاعة والتلفزيون في تمجيده الشخصي ـ علي حد رأي السيد عبد الحميد ـ مع ان مثل هذه الامور تبدو طبيعية لدي معظم دول العالم الثالث، وخصوصاً في بلد مثل العراق.

قلق القيادة المصرية

لتلك الاسباب ولغيرها من الامور الأقل اهمية، فقد ترسّخ الرأي لدي معظم قادة الكتلة القومية بضرورة تغيير الرئيس عبد السلام عارف من منصبه بغية تحقيق قيادة جماعية تؤدي الي تحقيق سريع للوحدة، اما القيادة في مصر فقد اصابها القلق الشديد، عندما علمت عن كثب، بتطور الخلافات بين الرئيس عبد السلام عارف وبين مجموعة مهمة ورئيسة واساسية في السلطة تؤمن بوحدة الامة العربية، لذلك فقد استمر الرئيس جمال عبد الناصر في إلحاحه علي ضرورة استقرار الوضع السياسي والنظام القائم في العراق وتماسك وحدة قيادته كي يكون حليفاً قوياً للجمهورية العربية المتحدة ضمن الاطار العربي والاقليمي والدولي، إذ كان يشعر بأهمية العراق وقدراته العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتأثير اتفاق وجهات النظر بين القاهرة وبغداد، وتمتين اواصر الصداقة والتضامن بينهما، ومشاركتهما في وحدة الهدف، وذلك مما يؤدي بالنتيجة الي التأثير علي سياسة باقي الدول العربية كي لا تنساق كثيراً الي التأثّر بسياسة دول الغرب الاستعمارية، أو غيرها..
وكانت من اُولي أولويات السياسة المصرية تجاه العراق ان تبقي قيادته موحدة بزعامة الرئيس عبد السلام عارف، إذ كانت تعتقد ان وجوده ـ علي الرغم من تراجعه عن تحقيق الوحدة مع مصر ـ مهم وضروري، كي يبقي العراق القوي الي جانبها، بل وكانت تخشي ان تسوء العلاقات بين القاهرة وبغداد كما ساءت خلال العهد الملكي ونظام حكم عبد الكريم قاسم وسلطة البعث عام 1963، مما يضعف مصر والعراق معا، وكانت تري أن تعاون الكتلة القومية مع شخص الرئيس عبد السلام ضرورة حتمية لتقوية مركزه السياسي والتي تقوّي بالتالي مركز العراق، ولذلك فقد عمدت القيادة المصرية جاهدة للتوسط في سبيل حلّ كل خلاف ينشأ بين الكتلة المذكورة والرئيس عبد السلام عارف.

برنامج عمل سري

كان من أهم الوساطات تلك، تلك التي قام بها الرئيس عبد الناصر بعد انتهاء الاجتماعات الرسمية للقيادة ا لسياسية الموحدة في القاهرة خلال الفترة من 19 ـ 21 ايار (مايو) 1965، وذلك عندما جمع في منزله كلاً من الرئيس عبد السلام عارف والسيدين صبحي عبد الحميد وعبد الكريم فرحان من الكتلة القومية وبحضور السيدين ناجي طالب وزير الخارجية ومحسن حسين الحبيب وزير الدفاع عن الجانب العراقي، وعبد الحكيم عامر وزكريا محي الدين وعلي صبري عن الجانب المصري في الثالث والعشرين من ايار (مايو) لتصفية الاجواء المتعكّرة وإزالة اسباب الخلاف حين أوضح عضوا الكتلة خلافاتهما مع الرئيس عبد السلام عارف بصراحة متناهية، باُسلوب يشبه (نشر الغسيل علي الحبال) علي حد وصف السيد ناجي طالب، مما جعل الرئيس عبد السلام عارف فـي موقف صعب للغاية في تلك الجلسة، حيث لم ينفض الاجتماع إلا بعد الاتفاق علي (برنامج عمــل سري) تم توزيعه علي الحضور في ذلك المساء فقط، دون إعلانـــه في وسائل الاعلام، إذ ينص في أهم بنوده وفق ما يقوله السيد امين هويدي في كتابه (كنت سفيرا في العراق) علي:
اولاً: ناقشت القيادة السياسة الموحدة ظروف البلدين والعوامل المؤثرة لتدعيم العمل الوحدوي في أول اجتماع لها في القاهرة للفترة من 19 ـ 25 ايار (مايو) 1965.
ثانياً: الوحدة هي أسمي هدف يسعي اليه الشعب في البلدين.. وليس المهم إقامة الوحدة فحسب، بل ان الواجب يقضي تقويتها لمواجهة التحديات التي تأتي من الرجعية والاستعمار.
ثالثاً: ان العمل الاساس المتحكم في طريق الوحدة هو تحقيق الوحدة الوطنية في العراق التي تتطلب: وحدة القيادة السياسية، ووحدة الجيش وإبعاده عن الحزبية والتكتلات السياسية، ودعم الاتحاد الاشتراكي، وفعالية القيادة السياسية الموحدة.
ويضيف السيد هويدي ان البرنامج حدد مستلزمات وحدة القيادة السياسية في العراق بثلاثة بنود هي:
اولاً: تدعيم الروابط والعلاقات لتحقيق وحدة الفكر والعمل.
ثانياً: الاتفاق علي برنامج سياسي، مع تحديد فترة انتقال، وموعد انتخابات لتأسيس مجلس اُمةً.
ثالثاً: الاتفاق علي برنامج اقتصادي واجتماعي.
اما في ما يتعلق بوحدة الجيش وإبعاده عن الحزبية والتكتلات السياسية، فالمسألة واضحة، وحول دعم الاتحاد الاشتراكي، فيقول السيد هويدي ان الرئيس عبد الناصر قد أبدي اهتمامه الشخصي به ووضعه تحت رعايته، والأخذ بمبدأ التفرغ في العمل بالمراكز الرئيسة، وضمّ العناصر القومية إليه وإبعاد أعداء الثورة والانتهازيين، والعمل علي إذابة التناقضات والتكتلات الحزبية داخل الاتحاد الاشتراكي بغية خلق تنظيم سياسي يعتمد عليه في العمل الوطني.
وبالنسبة الي فعاليات وصلاحيات القيادة السياسية الموحدة، فقد جاء في البرنامج:
اولاً: يجوز أن تجتمع هذه القيادة بكامل هيئتها، أو جزء منها، حسب مقتضيات العمل.
ثانياً: تشكيل أمانة عامة للقيادة تتكون من أمين عام وعضوين، تكون واجباتها: تلقّي توجيهات القيادة ووضع برنامج لتنفيذها، ومتابعة تنفيذ القرارات، ورفع تقارير عما تم تنفيذه، وتشكيل لجان فنية مختلفة حسب ما يقتضيه الموقف، ورفع دراساتها الي القيادة.
ثالثاً: تعقد القيادة اجتماعها القادم في القاهرة أوائل تموز (يوليو) 1965، عقب إنتهاء المؤتمر (الآسيوي ـ الافريقي) الذي سيعقد في الجزائر.

آمال كبيرة تواجهها معضلات

كان كل ما سُطّر علي الورق من مبادئ وعبارات تبشر بالخير وخاصة بين أصحاب الآراء المتصارعة، إلا أن ظروفاً كثيرة ومؤثرات متعددة حالت دون أن تُؤتي تلك المحاولات ثمارها، فتعمّقت الخلافات دون سبب، وسط أزمة ثقة شارك الجميع في صنعها وتعميقها، ووسط أحقاد ومطامع شخصية سيطرت علي الجميع.. وتاهت الاغراض الكبيرة وظلت طريقها.. وسرعان ما تبخّرت الآمال تحت الانفعالات الساخنة والعواصف المندفعة والحزبية المنغلقة والفردية المدمرة.. فافترق الرفاق وانشقّ الأصدقاء، وأصبح كل طرف يشك بالآخر، وانقسم الافراد ذوو المصلحة الواحدة علي أنفسهم أمام أعداء متحدين يتحّينون الفرصة المناسبة لينقضّوا.. كما مُلئت ليالي بغداد بالخناجر الحادة التي تبرق وتلمع وقد سحبت من أغمادها في انتظار أن تهوي، كما يقول السيد أمين هويدي في وصفه للحالة وقتئذ.

انقلاب هواري بومدين

في صبيحة التاسع عشر من حزيران (يونيو) 1965 فوجئ العالم العربي بانقلاب لم يكن متوقعاً في الجزائر، قاده العقيد هواري بومدين نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع، الذي أعلن نفسه رئيساً لمجلس قيادة الثورة، مُقيلاً الرئيس أحمد بن بلا ومعتقلا إياه، متّهماً إياه بأنه ديكتاتور وخائن قام بسلسلة من التصرفات السيئة، وكانت التعليقات التي بثتها إذاعة ومحطة تلفزيون بغداد توحي بقلق عراقي شديد تجاه ذلك الانقلاب، فيما نشرت صحف اليوم التالي عناوين رئيسة تشير الي حدوث مظاهرات عنيفة ومصادمات دموية كبيرة في شوارع مدن الجزائر تأييداً لـ )بن بلا)، والي اجتماع لمجلس الوزراء العراقي استغرق أكثر من ساعتين لتقييم الموقف هناك، وقرار رئيس الجمهورية بإيفاد السيد ناجي طالب وزير الخارجية الي العاصمة الجزائرية بمهمة خاصة. كان الموقف الشعبي والرسمي والإعلامي للعراق مضاداً للانقلاب تماماً، إذ كان أحمد بن بلا شخصية عربية سياسية وثورية يكنّ له العراقيون مودّة خاصة لمواقفه الجريئة ضد الاستعمار الفرنسي الذي حكم الجزائر بالنار والحديد طيلة عقود عديدة.. وكانت ثمة علاقة ودية اكبر وأعمق توثّقت بينه وبين الرئيس عبد السلام عارف الذي ارتبط بصداقة وطيدة معه طيلة سنتين مضتا.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-04-2008, 09:39   #9
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة التاسعة)
مدير عام الاذاعة والتلفزيون ينقل الي وظيفة (مضمد صحي) لتحديه توجيهات رئاسة الجمهورية بعدم التعاطي مع انقلاب هواري بومدين

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد




هارون محمدالازمة تتفاقم بين عبد السلام والكتلة القومية

شاءت الاقدار ان تتأزم الامور نحو الأسوأ.. فبعد أن عقد قادة الكتلة القومية عدداً من الاجتماعات مع الرئيس عبد السلام عارف في القصر الجمهوري بُعيد عودته الي بغداد من مصر في نهاية ايار (مايو) 1965 لبحث تطبيق برنامج العمل السري الذي وضع في منزل الرئيس عبد الناصر كما جاء ذكره آنفا، دون ان يستطيع الطرفان التوصل الي اتفاق جدي لإزالة الخلاف القائم بينهما، إذ حصلت القناعة لدي قادة الكتلة أن الرئيس عبد السلام يحاول التنصّل عن تطبيقه، مما ضاعف من تأزم الموقف علي نحو أعمق مما كان عليه في السابق.
زار الرائد عبد الله مجيد سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية مبني الإذاعة والتلفزيون في الصالحية مساء السادس عشر من حزيران (يونيو) 1965، ليعرض علي أمير الحلو ـ مدير اذاعة بغداد ـ ان السيد رئيس الجمهورية يخصكم بالسلام، ويرجو أن تتم اعادة بث الفيلم الوثائقي التلفزيوني للزيارة التي قام بها لقطعات الجيش في قاطع الموصل يوم أمس، إذ لم يتسنّ له مشاهدته عندما كان في طريق عودته الي بغداد، فأبلغه الحلو بأن ذلك من صلاحية السيد المدير العام، وكان يومها عبد اللطيف الكمالي واستأذن ان يتصل به هاتفياً لاستحصال موافقته.
ولكن المفاجأة كانت علي الطــرف الآخر من الهاتف، عنــــدما رد الكمالي بلهجة شديدة للغاية بأن التلفزيون لا يمكـــن أن يكـــون مخصصاً للحكام فقــط، إنمــا هــو للشعب وتوجّهاته، ويبدو ان عبد الله مجيــد قد سمع الكلام ولكنه لم يُبد امتعاضاً يذكر..
ولما اعتذر أمير الحلو منه عما جري، ابتسم قبل أن يغادر مبني الاذاعة والتلفزيون شاكراً مدير الاذاعة علي حُسن استقباله وتوديعه، كما أبلغني السيد الحلو نفسه في لقاء معه في الثامن عشر من آذار )مارس) 1998. ثم جاءت أحداث الجزائر التي وقعت بعد ثلاثة ايام لتفاقم الأزمة، خاصة وأن ديوان رئاسة الجمهورية كان قد أصدر توجيهات محددة بضرورة قيام محطتي الاذاعة والتلفزيون ببث الأناشيد الوطنية والقومية، واعادة المقالات الافتتاحية المنشورة في الصحف العراقية التي تركز علي الانقلاب المذكور، غير انه لوحظ ان المحطتين قد خفّفتا من ذلك شيئاً بعد شيء، وعادتا الي برامجهما الاعتيادية مع صباح يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من حزيران (يونيو)، وعندما حل مساء ذلك اليوم اتصل الرائد عبد الله مجيد بالعميد الركن دريد الدملوجي مدير عام وكالة الانباء العراقية ليكرر عليه التوجيهات السابقة بضرورة التركيز علي أحداث الجزائر ونبذ الانقلاب الذي قام به العقيد هواري بومدين، وأن تكون أخبار الجزائر مواضيع تعليقات رئيسة لدي وكالة الأنباء المذكورة وكذلك الصحافة والاذاعة والتلفزيون، ولما حاولت وكالة الابناء العراقية تنفيذ ذلك التوجيه، اصدر عبد اللطيف الكمالي مدير عام الاذاعة والتلفزيون، أمراً معاكساً للتوجيه المذكور في صباح اليوم التالي، طالباً من الموظفين العاملين في مؤسسته اختصار التعليقات، معتبراً أن احداث الجزائر شأن داخلي يخصّ حكومتها، وليس لأية دولة اخري الحق في التدخل فيه.

مدير عام يتحدي رئيس الجمهورية

ولما وصل خبر ذلك الإجراء المعاكس الي أسماع ديوان رئاسة الجمهورية، اتصل الرائد عبد الله مجيد شخصياً بالمدير العام عبد اللطيف الكمالي طالباً منه ضرورة تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية وديوان الرئاسة بشأن بث وإذاعة التعليقات كاملة من دون حذف أو اختصار.. وبعد مشادّة كلامية بينهما، رفض عبد اللطيف الكمالي ذلك بشدة، تحت ذريعة أن مثل هذه التصرفات والإجراءات تعتبر دعاية لشخص عبد السلام عارف وهذا مما يتنافي مع المهمات الاساسية لوكالة الأنباء العراقية عموماً، ومحطتي الاذاعة والتلفزيون علي وجه الخصوص.
وبدلاً من الاتصال بالوزير المسؤول الذي ترتبط به وكالة الانباء العراقية والمديرية العامة للإذاعة والتلفزيون، فقد أبلغ عبد الله مجيد أوامره هاتفياً الي أحد مذيعي الاذاعة العراقية مباشرة لغرض بث العديد من تعليقات الصحف كاملة، ولو علي حساب حذف مواد معينة من البرنامج اليومي العام.

موقف وزير الثقافة والارشاد

وعندما عرف بالموضوع العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، المعروف بمواقفه المتصلبة في حياته العامة أساساً، والمتشنّج من مواقف عبد السلام عارف تجاه الكتلة القومية بشكل خاص، فإنه اتخذ موقفاً مؤيداً للكمالي، وقام علي الفور بإعداد كتاب رسمي شديد اللهجة عن مهمات الاذاعة والتلفزيون ودورهما الاعلامي والقومي، والمشاكل التي يتسببها تدخل مسؤولي الدولة في شؤونهما الخاصة وتوجّهاتهما المفترضة، معنوناً إياه الي المديريات العامة التابعة لوزارته، مُعطياً نسخة منه الي ديوان رئاسة الجمهورية، جاء فيه وفق ما هو منشور في كتاب امين هويدي (كنت سفيرا في العراق):
ان واجبات الاذاعة والتلفزيون خطيرة، وفي مقدمتها بناء الانسان العربي، وتعميق المفاهيم القومية والانسانية، وتوعية المواطن وتربيته، لكني لمستُ ان بعض المسؤولين ما زالوا يتصورون ان هذه الاجهزة وجدت للدعاية للحكام والمسؤولين، فأخذوا يضغطون علي الموظفين والمذيعين، فأربكوا امور هذه الاجهزة وأثروا علي مناهجها، فكرهها الشعب وغرُب عنها.
أرجو التفضل بإصدار الاوامر للمعنيين والمسؤولين لتقدير هذه الناحية، وعدم الاتصال بأي موظف من موظفي المديرية المذكورة عدا المدير العام.
لم يكتف عبد الكريم فرحان بذلك الكتاب الرسمي، بل بادر بتقديم استقالته الي رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيي في اليوم نفسه، ولمّا علم وزير الداخلية صبحي عبد الحميد بذلك، حاول التعاون مع شخص رئيس الوزراء علي تجميد استقالة زميله في الكتلة القومية أو سحبها غير ان فرحان رفض ذلك في حين اضطر طاهر يحيي الي وضع الاستقالة تحت اليد، دون ان يبتّ فيها او يرفعها الي رئيس الجمهورية، بينما واصل الوزير المذكور القيام بمهمات وزارته ببعض البرود، ولكن من دون ان يتركها، وأمست الاجواء مشحونة بين الكتلة القومية وعبد السلام عارف اكثر مما كانت عليه خلال الاشهر السابقة.
ولما اطلع الرئيس عبد السلام عارف علي ما ورد في ذلك الكتاب غضب جدا، معتبراً تلك العبارات مسّاً لشخصه ولربّما له الحق في ذلك، فتحدث هاتفياً مع الفريق طاهر يحيي مساء الثامن العشرين من الشهر نفسه (حزيران ـ يونيو) في وقت كان عبد الكريم فرحان جالساً مع رئيس الوزراء، فشاءت الاقدار ان يسمع كل الشتائم التي قذفها رئيس الجمهورية عليه، عنئذ أصر فرحان علي رئيس الوزراء قبول استقالته، الموضوعة تحت يديه، منذ الثالث والعشرين من الشهر ذاته، وغادر مبني مجلس الوزراء وغادر بغداد الي القاهرة في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965. وسارت الامور نحو الأسوأ، عندما أصدر الرئيس عبد السلام عارف مرسوماً جمهورياً بنقل عبد اللطيف الكمالي من منصب مدير عام الاذاعة والتلفزيون الي وظيفة (مضمّد) في مستوصف قضاء راوندوز في شمال العراق، رغم أن الكمالي، الموظف السابق في وزارة الصحة يحمل شهادة ليسانس في الحقوق.

صبحي عبد الحميد يتضامن مع فرحان

كان صبحي عبد الحميد وزير الداخلية والرئيس غير المنتخب لـ)الكتلة القومية) والصديق الحميم لـعبد الكريم فرحان، أول من تضامن معه في تقديم استقالته الي رئيس الوزراء في اليوم نفسه، الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965، قبل أن ينضم إليه أربعة وزراء آخرون من غير المنتمين الي صلب الكتلة القومية لتبلغ الأزمة أشدّها وهم: أديب الجادر وزير الصناعة وعبد الستار علي الحسين وزير العدل، وعزيز الحافظ وزير الاقتصاد، وفؤاد الركابي وزير الشؤون البلدية والقروية.
كانت استقالة صبحي عبد الحميد أشدّ لهجة، ماسّة لأسلوب الحكم من قريب وبعيد، داّلة علي امتعاض كبير وغضب مكبوت علي الرئيس عبد السلام عارف رغم ان كتاب الاستقالة كان معنونا الي رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيي، وجاء في الاستقالة عبارات شديدة اللهجة والمقصد منها:
ان أوضاع البلد قد تردت في الفترة الاخيرة بشكل أصبح حتي أقرب الناس للحكم، وهم القوميون علي اختلاف فئاتهم وأشخاصهم يتذمرون، وينتقدون تصرفات السلطة وضعف الحكم، ورغم تحذيرنا ونُصحنا، لم نجد أي استجابة لإصلاح الوضع، بل استمر التدهور، وأخذ الحكم يجنح الي الفردية متبعاً سياسة (فرّق تسُد)، هذه السياسة التي أدت الي تعميق الروح الطائفية وتفتيت الوحدة بخلق الإقليمية وبعثرة الصف القومي.
وقد اُستهين بالوزراء، واُعتبروا مجرد آلات تنفيذية، وبلغ الحد الي توجيه الإهانات الي وزير ثائر ـ يقصد به عبد الكريم فرحان ـ ومكافح معروف، بشكل لم يسبق له مثيل في أي عهد من العهود التي مرّت علي العراق.
لقد فكرت ملياً في الامر، فوجدت ان البلد يحترق، وان الشعب يُحمّلنا هذا الحريق. ولما كنا لا نستطيع إخماد الحريق، فقد قررت تقديم هذه الاستقالة مستنداً علي الأسباب التالية:
1 ـ فقدان الثقة والانسجام بين الثوار.
2 ـ انعدام الحكم الجماعي، والاتجاه نحو الحكم الفردي.
3 ـ تفتيت الوحدة الوطنية.
4 ـ الاعتماد علي العناصر الانتهازية الساذجة والمُطبّلة.
5 ـ التدخل في شؤون الوزارات، وفرض الموظفين علي الوزراء، دون اعتبار لرأيهم الخاص.
6 ـ تشجيع التكتلات في صفوف القوات المسلحة، وإثارة الحقد في نفوس الضباط، بعضهم ضد الآخر.
7 ـ عدم الالتزام ببرنامج العمل المتفق عليه في القاهرة باجتماعات القيادة السياسية الأخيرة، وذلك كالتالي:
أ ـ لم يُلتزم بمبدأ القيادة الجماعية.
ب ـ لم يُقبل بحث موضوع إنهاء التكتلات في الجيش.
ج ـ لم تسُد الثقة والانسجام بين الثوار.
8 ـ أصبح في اعتقادي ان الطريق الي الوحدة بعيد المنال. وذلك لأن شروط إقامتها، التي تستند علي وحدة الجيش ووحدة القيادة ووحدة الصف الوطني، لم ولن تتحقق، لذلك أصبح مبرر وجودنا كوزراء وحدويّين غير وارد.
وبناءً علي ما تقدم، أرجو التوسط بقبول استقالتي من منصب وزير الداخلية ومن عضوية المجلس الوطني لقيادة الثورة، كما أرجو إحالتي علي التقاعد من الجيش.
وأخيراً، أشكر لكم حسن تعاونكم خلال الفترة التي عملنا فيها معاً، راجياً لكم التوفيق لخدمة الوطن. (نص الاستقالة مأخوذة من اوراق صبحي عبد الحميد).

موقف الفريق طاهر يحيي

وعلي الرغم من تلك الاستقالات الجماعية التي تسببت في أزمة وزارية حقيقية تُوشك علي إسقاط وزارة طاهر يحيي الثالثة إلا أن رئيس الوزراء لم يحرّك ساكناً، بل ظلّ ينتظر أن يحلّها آخرون (حسب وصف السيد صبحي عبد الحميد) وربما اسباب ذلك الموقف في أن تكون الحيرة قد أخذت من السيد طاهر يحيي مأخذها، فذُهل واُحبطت معنوياته، بشكل أمسي معه غير قادر علي اتخاذ قرار حاسم بمستوي رئيس وزراء، او أنه اعتقد أن الوزراء المستقيلين سيتراجعون عن مواقفهم خلال أيام محدودة، او تصور أن المشكلة التي قامت وأدت الي تلك الاستقالات، لا تعدو أكثر من خلاف شخصي بين عبد الكريم فرحان وعبد السلام عارف ولا داعي للتدخل بينهما، والايام القليلة القادمة كفيلة بحلّها، وربما يكون السيد يحيي قد أصابه التعب والإرهاق من المشكلات والمعضلات والعقبات العديدة التي تسبّبتها ظروف العراق القائمة حينئذ منذ تموز (يوليو) 1958 حيث شغل خلالها مناصب عديدة ومتتالية، ابتداء من مدير الشرطة العام، الي رئيس اركان الجيش، وانتهاء برئيس وزراء.

ناجي طالب يتدخل

كان اللواء الركن ناجي طالب وزير الخارجية قد توقف في القاهرة في الثاني من تموز (يوليو) 1965 وهو في طريق عودته من مهمته الخاصة التي اُوفد لأجلها الي الجزائر ـ كما ذكرنا سابقا ـ عندما فوجئ بـعبد الكريم فرحان وهو يزوره في مقر إقامته بفندق )شيبرد(، ليخبره بالذي وقع بينه وبين الرئيس عبد السلام عارف وأدي الي استقالته.
رأي ناجي طالب الموضوع شخصياً وبسيطاً، ولم يخطر بباله ساعتئذ، تلك الضجّة في بغداد، فالاستقالة في اعتقاده لم تقدّم جراء موقف سياسي أو موضوع ذي أهمية قصوي أو مشكلة كبيرة في مجلس الوزراء أو علي مستوي الدولة، وخصوصاً وأن عبد الكريم فرحان لم يخبره ـ ربما بسبب عدم معرفته أصلاً ـ بأن وزراء آخرين قد استقالوا تضامناً معه أو مع السيد صبحي عبد الحميد، ولم يكن علي دراية كاملة بالأزمة الوزارية الكبيرة إلا عندما عاد الي بغداد مساء الرابع من تموز (يوليو) حيث فوجئ بذلك حين علم بعدد الوزراء المستقيلين.
وبعد ساعات من وصوله حضر الي منزله في حي (الوزيرية) عضوا المجلس الوطني لقيادة الثورة عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية والعميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد، حيث عرضا عليه موضوع إشراكه في وزارة يؤلفها عارف عبد الرزاق، ولكن ناجي طالب الذي فوجئ بالامر، اقترح أن يقوم شخصيا بمحاولة جدية لتسوية الأزمة القائمة، وذلك بإقناع الوزراء المستقيلين بالعودة عن مواقفهم القائمة، قبل التفكير بوزارة جديدة يشكلها رئيس وزراء آخر.
ومن خلال اتصالاته ولقاءاته في اليوم التالي، حصلت القناعة التامة لدي ناجي طالب بأن عبد السلام عارف يرغب في بقاء طاهر يحيي رئيساً للوزراء في الوقت الراهن، وأن الوزراء الخمسة المستقيلين قد باتوا علي قناعة بأن تصرفهم وتضامنهم مع عبد الكريم فرحان لم يكن له ما يبرره، وعرف السيد طالب ان الرئيس لا يرغب في عودتهم جميعاً الي الوزارة، باستثناء صبحي عبد الحميد، كما أدرك أن رئيس الجمهورية غير جاد في شأن تكليف عارف عبد الرزاق بتشكيل وزارة جديدة، إنما كان يناور بهدف شقّ صف قادة الكتلة القومية التي كان الوزراء الأربعة المستقيلون الآخرون (الجادر والحسين والحافظ والركابي) قد تعاطفوا معهم، أو هم غدوا يحسبون علي الكتلة المذكورة.
واكتشف ناجي طالب ان رئيس الوزراء طاهر يحيي ليس له رأي محدد، بل ولا فرق عنده بين خروج المستقيلين أو بقائهم ضمن الوزارة.
ولما كان الاعتقاد السائد لدي ناجي طالب أن وحدة الصف، وخصوصاً في تلك الفترة التي تمّيزت بتعدد الكتل السياسية والقيادات ذات التوجهات القومية، هي وحدها الأساس في حلّ ناجع لمشكلات العراق ذات الاهمية القصوي، وبضمنها الاقتتال القائم في ربوع شمال الوطن، والعلاقات مع الشركات الاجنبية المستثمرة لنفط العراق، ومهمة الانتقال الي الحياة النيابية مجدداً، والتوصل الي حلول لتذليل مصاعب المواطنين المعاشية، فقد استطاع بعد بذل جهود حثيثة أن يُقنع عبد السلام عارف علي عودة الوزراء الخمسة المستقيلين معاً، إذا ما سحبوا طلبات استقالاتهم طوعاً.

لقاء في دار عبد الستار علي الحسين

تم ترتيب لقاء في دار عبد الستار علي الحسين وزير العدل المستقيل في حي الصليخ المجاور للأعظمية، عصر الحادي عشر من تموز (يوليو) ليجمع بين ناجي طالب والوزراء المستقيلين الخمسة، وبينما لم يحضر صبحي عبد الحميد الاجتماع لأسباب شخصية، فقد فوجئ ناجي طالب ـ كما قال لي ـ بوجود شخصين يفترض أنهما علي غير علاقة بالأزمة الوزارية، أولهما محمد صديق شنشل أحد قادة حزب الاستقلال خلال عقد الخمسينيات، وأول وزير للارشاد بعد ثورة 14تموز (يوليو) 1958 والمرتبط بعلاقة شخصية وثيقة مع الرئيس جمال عبد الناصر، وثانيهما أمين هويدي سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد، وقد وجدهما جالسين في غرفة الاستقبال قُبيل حضوره، فيما علم ايضاً ان الرئيس عبد السلام عارف في الوقت ذاته قد أمر يعقد اجتماع طارئ لـمجلس الدفاع الأعلي في ديوان وزارة الدفاع، يحضره جميع قادة الجيش والقوات المسلحة، انتظاراً لما تتمخض عنه مبادرة ناجي طالب في غضون تلك الساعات التي اعتبرها عبد السلام (الفرصة الاخيرة لحل الأزمة الوزارية) كما يعتقد السيد ناجي طالب الذي تحدث طويلاً وعرض بإلحاح ضرورة سحب الوزراء لاستقالاتهم بغية إنهاء هذه الأزمة لصالح الوطن ومستقبله، وقد أيده أمين هويدي بقوة، وكذلك فعل صديق شنشل، حتي حصلت القناعة لدي الحضور جميعاً بما طرحه من رؤيً، ضامنين إقناع صبحي عبد الحميد (الغائب) بسحب استقالته.

صديق شنشل يقلب الموازين

كان ناجي طالب فرحاً عندما توجّه نحو جهاز الهاتف ليتصل بـالرئيس عبد السلام عارف لإعلامه بالنتيجة المُسرّة التي توصل اليها، عندما التقطت اُذناه صوت صديق شنشل (سمعه الجميع) وهو يقول:
ولكن سحب الاستقالة طوعاً شيء مهين يا أبا طالب! فإذا بالآخرين ـ عدا امين هويدي ـ يتراجعون فوراً عن موقفهم الذي كان قبل دقائق إيجابياً.
وعلي الرغم من توجيه ناجي طالب لوماً شديداً الي صديق شنشل علي تلك العبارة التي أطلقها من غير داعٍ، الا أن (المحاولة الاخيرة) باءت بالفشل (كما اعترف هو نفسه في لقاء معه).

تعديل وزاري

خاب أمل ناجي طالب بعد أن ذهبت جهوده المضنية التي استغرقت أياماً عديدة سُديً، فعاد مضطراً الي الرئيس عبد السلام عارف ليخبره بذلك الإخفاق، مقترحاً عليه قبول الاستقالات جميعاً، وضرورة إجراء تعديل وزاري بتكليف وزراء جدد يحّلون محل المستقلين حيث صدر مرسومان جمهوريان، كانا قد اُعدّا مساء ذلك اليوم، تضمّن أولهما قبول تخلي الوزراء المستقلين عن مناصبهم، بينما نص الثاني علي تعيين خمسة وزراء جدد وهم: عبد اللطيف الدراجي للداخلية، وخضر عبد الغفور للعدل، والدكتورعبد الرحمن محمد خالد القيسي للثقافة والارشاد، والدكتورجميل الملائكة للصناعة، وأحمد هادي الحبوبي للشؤون البلدية والقروية.

رواية السيد صبحي عبد الحميد

لا يختلف صبحي عبد الحميد مع ناجي طالب في اُسس الأزمة الوزارية، ولكنه يرويها من خلال وجهة نظره الخاصة، إذ يقول: إنه قدم استقالته في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965 عندما علم بسفر عبد الكريم فرحان الي القاهرة، وبعد ان أيقن مع عدد من أعضاء كتلته القومية بنيّات عبد السلام عارف حياله، وحيال زميله عبد الكريم فرحان، التي نقلها عارف عبد الرزاق إليهم قبل سفره الي باريس ولندن، طالباً عدم إخبار صبحي وفرحان بها، لذلك فقد أمست الأزمة الوزارية مشكلة حقيقية، ليس لمجرد تقديم ستة وزراء استقالتهم فحسب، ولكن بعد ان ألمح وزراء آخرون لرئيس الوزراء طاهر يحيي بأنهم ينوون الاستقالة ايضاً من هــذه الــوزارة التي غدت ناقصة بشكل خطير. وكان الرئيس جمـــال عبد الناصر قد دخل علي الخط، وحاول جاهداً التوسط الشخصي للمرة الثانية، فبعث برسالة شفهية نقلها السيد ناجي طالب الذي كان في القاهرة في طريق عودته من الجزائر ـ كما اشرنا آنفا ـ رجا فيها صبحي عبد الحميد أن يسحب استقالته، بينما ألح عليه ايضاً ناجي طالب، وعارف عبد الرزاق الذي عاد من لندن، قبل أن ينضم إليهما في المسعي نفسه اللواء الركن محسن حسين الحبيب وزير الدفاع.
ويقول السيد صبحي عبد الحميد انه لم يكن أمام هذا الإصرار إلا أن يوافق ـ مبدئياً ـ علي سحب استقالته، ولكن شريطة تجميد استقالة الوزراء الخمسة الآخرين، في حين تعهّد ناجي طالب بإقناع عبد السلام عارف برفض استقالة جميع الوزراء المستقيلين، عدا تلك التي تقدم بها عبد الكريم فرحان والذي بات التعاون بينه وبين رئيس الجمهورية مستحيلاً.
ولكن.. عندما حضر ناجي طالب أمام رئيس الجمهورية لإقناعه بما تعهد به، فإن الرئيس لم يوافق إلاّ علي إبقاء صبحي عبد الحميد فقط، رافضاً استمرار الوزراء المستقيلين الآخرين جميعاً، مصرّاً علي قبول استقالتهم دون استثناء، لذلك فقد أصرّ صبحي عبد الحميد علي ضرورة قبول استقالته أيضاً، نظراً لأن استمراره في الوزارة دون زملائه الآخرين، الذين تضامنوا معه شخصياً يعتبر تصرفاً غير أخلاقي، لا يمكن أن يقبله او يرتضيه لنفسه.
وهكذا قُبلت الاستقالات الستّ جميعاً مساء الحادي عشر من تموز (يوليو) 1965 دون استثناء، وتم التعديل الوزاري.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-04-2008, 09:59   #10
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة التاسعة)
مدير عام الاذاعة والتلفزيون ينقل الي وظيفة (مضمد صحي) لتحديه توجيهات رئاسة الجمهورية بعدم التعاطي مع انقلاب هواري بومدين

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد




هارون محمدالازمة تتفاقم بين عبد السلام والكتلة القومية

شاءت الاقدار ان تتأزم الامور نحو الأسوأ.. فبعد أن عقد قادة الكتلة القومية عدداً من الاجتماعات مع الرئيس عبد السلام عارف في القصر الجمهوري بُعيد عودته الي بغداد من مصر في نهاية ايار (مايو) 1965 لبحث تطبيق برنامج العمل السري الذي وضع في منزل الرئيس عبد الناصر كما جاء ذكره آنفا، دون ان يستطيع الطرفان التوصل الي اتفاق جدي لإزالة الخلاف القائم بينهما، إذ حصلت القناعة لدي قادة الكتلة أن الرئيس عبد السلام يحاول التنصّل عن تطبيقه، مما ضاعف من تأزم الموقف علي نحو أعمق مما كان عليه في السابق.
زار الرائد عبد الله مجيد سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية مبني الإذاعة والتلفزيون في الصالحية مساء السادس عشر من حزيران (يونيو) 1965، ليعرض علي أمير الحلو ـ مدير اذاعة بغداد ـ ان السيد رئيس الجمهورية يخصكم بالسلام، ويرجو أن تتم اعادة بث الفيلم الوثائقي التلفزيوني للزيارة التي قام بها لقطعات الجيش في قاطع الموصل يوم أمس، إذ لم يتسنّ له مشاهدته عندما كان في طريق عودته الي بغداد، فأبلغه الحلو بأن ذلك من صلاحية السيد المدير العام، وكان يومها عبد اللطيف الكمالي واستأذن ان يتصل به هاتفياً لاستحصال موافقته.
ولكن المفاجأة كانت علي الطــرف الآخر من الهاتف، عنــــدما رد الكمالي بلهجة شديدة للغاية بأن التلفزيون لا يمكـــن أن يكـــون مخصصاً للحكام فقــط، إنمــا هــو للشعب وتوجّهاته، ويبدو ان عبد الله مجيــد قد سمع الكلام ولكنه لم يُبد امتعاضاً يذكر..
ولما اعتذر أمير الحلو منه عما جري، ابتسم قبل أن يغادر مبني الاذاعة والتلفزيون شاكراً مدير الاذاعة علي حُسن استقباله وتوديعه، كما أبلغني السيد الحلو نفسه في لقاء معه في الثامن عشر من آذار )مارس) 1998. ثم جاءت أحداث الجزائر التي وقعت بعد ثلاثة ايام لتفاقم الأزمة، خاصة وأن ديوان رئاسة الجمهورية كان قد أصدر توجيهات محددة بضرورة قيام محطتي الاذاعة والتلفزيون ببث الأناشيد الوطنية والقومية، واعادة المقالات الافتتاحية المنشورة في الصحف العراقية التي تركز علي الانقلاب المذكور، غير انه لوحظ ان المحطتين قد خفّفتا من ذلك شيئاً بعد شيء، وعادتا الي برامجهما الاعتيادية مع صباح يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من حزيران (يونيو)، وعندما حل مساء ذلك اليوم اتصل الرائد عبد الله مجيد بالعميد الركن دريد الدملوجي مدير عام وكالة الانباء العراقية ليكرر عليه التوجيهات السابقة بضرورة التركيز علي أحداث الجزائر ونبذ الانقلاب الذي قام به العقيد هواري بومدين، وأن تكون أخبار الجزائر مواضيع تعليقات رئيسة لدي وكالة الأنباء المذكورة وكذلك الصحافة والاذاعة والتلفزيون، ولما حاولت وكالة الابناء العراقية تنفيذ ذلك التوجيه، اصدر عبد اللطيف الكمالي مدير عام الاذاعة والتلفزيون، أمراً معاكساً للتوجيه المذكور في صباح اليوم التالي، طالباً من الموظفين العاملين في مؤسسته اختصار التعليقات، معتبراً أن احداث الجزائر شأن داخلي يخصّ حكومتها، وليس لأية دولة اخري الحق في التدخل فيه.

مدير عام يتحدي رئيس الجمهورية

ولما وصل خبر ذلك الإجراء المعاكس الي أسماع ديوان رئاسة الجمهورية، اتصل الرائد عبد الله مجيد شخصياً بالمدير العام عبد اللطيف الكمالي طالباً منه ضرورة تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية وديوان الرئاسة بشأن بث وإذاعة التعليقات كاملة من دون حذف أو اختصار.. وبعد مشادّة كلامية بينهما، رفض عبد اللطيف الكمالي ذلك بشدة، تحت ذريعة أن مثل هذه التصرفات والإجراءات تعتبر دعاية لشخص عبد السلام عارف وهذا مما يتنافي مع المهمات الاساسية لوكالة الأنباء العراقية عموماً، ومحطتي الاذاعة والتلفزيون علي وجه الخصوص.
وبدلاً من الاتصال بالوزير المسؤول الذي ترتبط به وكالة الانباء العراقية والمديرية العامة للإذاعة والتلفزيون، فقد أبلغ عبد الله مجيد أوامره هاتفياً الي أحد مذيعي الاذاعة العراقية مباشرة لغرض بث العديد من تعليقات الصحف كاملة، ولو علي حساب حذف مواد معينة من البرنامج اليومي العام.

موقف وزير الثقافة والارشاد

وعندما عرف بالموضوع العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، المعروف بمواقفه المتصلبة في حياته العامة أساساً، والمتشنّج من مواقف عبد السلام عارف تجاه الكتلة القومية بشكل خاص، فإنه اتخذ موقفاً مؤيداً للكمالي، وقام علي الفور بإعداد كتاب رسمي شديد اللهجة عن مهمات الاذاعة والتلفزيون ودورهما الاعلامي والقومي، والمشاكل التي يتسببها تدخل مسؤولي الدولة في شؤونهما الخاصة وتوجّهاتهما المفترضة، معنوناً إياه الي المديريات العامة التابعة لوزارته، مُعطياً نسخة منه الي ديوان رئاسة الجمهورية، جاء فيه وفق ما هو منشور في كتاب امين هويدي (كنت سفيرا في العراق):
ان واجبات الاذاعة والتلفزيون خطيرة، وفي مقدمتها بناء الانسان العربي، وتعميق المفاهيم القومية والانسانية، وتوعية المواطن وتربيته، لكني لمستُ ان بعض المسؤولين ما زالوا يتصورون ان هذه الاجهزة وجدت للدعاية للحكام والمسؤولين، فأخذوا يضغطون علي الموظفين والمذيعين، فأربكوا امور هذه الاجهزة وأثروا علي مناهجها، فكرهها الشعب وغرُب عنها.
أرجو التفضل بإصدار الاوامر للمعنيين والمسؤولين لتقدير هذه الناحية، وعدم الاتصال بأي موظف من موظفي المديرية المذكورة عدا المدير العام.
لم يكتف عبد الكريم فرحان بذلك الكتاب الرسمي، بل بادر بتقديم استقالته الي رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيي في اليوم نفسه، ولمّا علم وزير الداخلية صبحي عبد الحميد بذلك، حاول التعاون مع شخص رئيس الوزراء علي تجميد استقالة زميله في الكتلة القومية أو سحبها غير ان فرحان رفض ذلك في حين اضطر طاهر يحيي الي وضع الاستقالة تحت اليد، دون ان يبتّ فيها او يرفعها الي رئيس الجمهورية، بينما واصل الوزير المذكور القيام بمهمات وزارته ببعض البرود، ولكن من دون ان يتركها، وأمست الاجواء مشحونة بين الكتلة القومية وعبد السلام عارف اكثر مما كانت عليه خلال الاشهر السابقة.
ولما اطلع الرئيس عبد السلام عارف علي ما ورد في ذلك الكتاب غضب جدا، معتبراً تلك العبارات مسّاً لشخصه ولربّما له الحق في ذلك، فتحدث هاتفياً مع الفريق طاهر يحيي مساء الثامن العشرين من الشهر نفسه (حزيران ـ يونيو) في وقت كان عبد الكريم فرحان جالساً مع رئيس الوزراء، فشاءت الاقدار ان يسمع كل الشتائم التي قذفها رئيس الجمهورية عليه، عنئذ أصر فرحان علي رئيس الوزراء قبول استقالته، الموضوعة تحت يديه، منذ الثالث والعشرين من الشهر ذاته، وغادر مبني مجلس الوزراء وغادر بغداد الي القاهرة في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965. وسارت الامور نحو الأسوأ، عندما أصدر الرئيس عبد السلام عارف مرسوماً جمهورياً بنقل عبد اللطيف الكمالي من منصب مدير عام الاذاعة والتلفزيون الي وظيفة (مضمّد) في مستوصف قضاء راوندوز في شمال العراق، رغم أن الكمالي، الموظف السابق في وزارة الصحة يحمل شهادة ليسانس في الحقوق.

صبحي عبد الحميد يتضامن مع فرحان

كان صبحي عبد الحميد وزير الداخلية والرئيس غير المنتخب لـ)الكتلة القومية) والصديق الحميم لـعبد الكريم فرحان، أول من تضامن معه في تقديم استقالته الي رئيس الوزراء في اليوم نفسه، الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965، قبل أن ينضم إليه أربعة وزراء آخرون من غير المنتمين الي صلب الكتلة القومية لتبلغ الأزمة أشدّها وهم: أديب الجادر وزير الصناعة وعبد الستار علي الحسين وزير العدل، وعزيز الحافظ وزير الاقتصاد، وفؤاد الركابي وزير الشؤون البلدية والقروية.
كانت استقالة صبحي عبد الحميد أشدّ لهجة، ماسّة لأسلوب الحكم من قريب وبعيد، داّلة علي امتعاض كبير وغضب مكبوت علي الرئيس عبد السلام عارف رغم ان كتاب الاستقالة كان معنونا الي رئيس الوزراء الفريق طاهر يحيي، وجاء في الاستقالة عبارات شديدة اللهجة والمقصد منها:
ان أوضاع البلد قد تردت في الفترة الاخيرة بشكل أصبح حتي أقرب الناس للحكم، وهم القوميون علي اختلاف فئاتهم وأشخاصهم يتذمرون، وينتقدون تصرفات السلطة وضعف الحكم، ورغم تحذيرنا ونُصحنا، لم نجد أي استجابة لإصلاح الوضع، بل استمر التدهور، وأخذ الحكم يجنح الي الفردية متبعاً سياسة (فرّق تسُد)، هذه السياسة التي أدت الي تعميق الروح الطائفية وتفتيت الوحدة بخلق الإقليمية وبعثرة الصف القومي.
وقد اُستهين بالوزراء، واُعتبروا مجرد آلات تنفيذية، وبلغ الحد الي توجيه الإهانات الي وزير ثائر ـ يقصد به عبد الكريم فرحان ـ ومكافح معروف، بشكل لم يسبق له مثيل في أي عهد من العهود التي مرّت علي العراق.
لقد فكرت ملياً في الامر، فوجدت ان البلد يحترق، وان الشعب يُحمّلنا هذا الحريق. ولما كنا لا نستطيع إخماد الحريق، فقد قررت تقديم هذه الاستقالة مستنداً علي الأسباب التالية:
1 ـ فقدان الثقة والانسجام بين الثوار.
2 ـ انعدام الحكم الجماعي، والاتجاه نحو الحكم الفردي.
3 ـ تفتيت الوحدة الوطنية.
4 ـ الاعتماد علي العناصر الانتهازية الساذجة والمُطبّلة.
5 ـ التدخل في شؤون الوزارات، وفرض الموظفين علي الوزراء، دون اعتبار لرأيهم الخاص.
6 ـ تشجيع التكتلات في صفوف القوات المسلحة، وإثارة الحقد في نفوس الضباط، بعضهم ضد الآخر.
7 ـ عدم الالتزام ببرنامج العمل المتفق عليه في القاهرة باجتماعات القيادة السياسية الأخيرة، وذلك كالتالي:
أ ـ لم يُلتزم بمبدأ القيادة الجماعية.
ب ـ لم يُقبل بحث موضوع إنهاء التكتلات في الجيش.
ج ـ لم تسُد الثقة والانسجام بين الثوار.
8 ـ أصبح في اعتقادي ان الطريق الي الوحدة بعيد المنال. وذلك لأن شروط إقامتها، التي تستند علي وحدة الجيش ووحدة القيادة ووحدة الصف الوطني، لم ولن تتحقق، لذلك أصبح مبرر وجودنا كوزراء وحدويّين غير وارد.
وبناءً علي ما تقدم، أرجو التوسط بقبول استقالتي من منصب وزير الداخلية ومن عضوية المجلس الوطني لقيادة الثورة، كما أرجو إحالتي علي التقاعد من الجيش.
وأخيراً، أشكر لكم حسن تعاونكم خلال الفترة التي عملنا فيها معاً، راجياً لكم التوفيق لخدمة الوطن. (نص الاستقالة مأخوذة من اوراق صبحي عبد الحميد).

موقف الفريق طاهر يحيي

وعلي الرغم من تلك الاستقالات الجماعية التي تسببت في أزمة وزارية حقيقية تُوشك علي إسقاط وزارة طاهر يحيي الثالثة إلا أن رئيس الوزراء لم يحرّك ساكناً، بل ظلّ ينتظر أن يحلّها آخرون (حسب وصف السيد صبحي عبد الحميد) وربما اسباب ذلك الموقف في أن تكون الحيرة قد أخذت من السيد طاهر يحيي مأخذها، فذُهل واُحبطت معنوياته، بشكل أمسي معه غير قادر علي اتخاذ قرار حاسم بمستوي رئيس وزراء، او أنه اعتقد أن الوزراء المستقيلين سيتراجعون عن مواقفهم خلال أيام محدودة، او تصور أن المشكلة التي قامت وأدت الي تلك الاستقالات، لا تعدو أكثر من خلاف شخصي بين عبد الكريم فرحان وعبد السلام عارف ولا داعي للتدخل بينهما، والايام القليلة القادمة كفيلة بحلّها، وربما يكون السيد يحيي قد أصابه التعب والإرهاق من المشكلات والمعضلات والعقبات العديدة التي تسبّبتها ظروف العراق القائمة حينئذ منذ تموز (يوليو) 1958 حيث شغل خلالها مناصب عديدة ومتتالية، ابتداء من مدير الشرطة العام، الي رئيس اركان الجيش، وانتهاء برئيس وزراء.

ناجي طالب يتدخل

كان اللواء الركن ناجي طالب وزير الخارجية قد توقف في القاهرة في الثاني من تموز (يوليو) 1965 وهو في طريق عودته من مهمته الخاصة التي اُوفد لأجلها الي الجزائر ـ كما ذكرنا سابقا ـ عندما فوجئ بـعبد الكريم فرحان وهو يزوره في مقر إقامته بفندق )شيبرد(، ليخبره بالذي وقع بينه وبين الرئيس عبد السلام عارف وأدي الي استقالته.
رأي ناجي طالب الموضوع شخصياً وبسيطاً، ولم يخطر بباله ساعتئذ، تلك الضجّة في بغداد، فالاستقالة في اعتقاده لم تقدّم جراء موقف سياسي أو موضوع ذي أهمية قصوي أو مشكلة كبيرة في مجلس الوزراء أو علي مستوي الدولة، وخصوصاً وأن عبد الكريم فرحان لم يخبره ـ ربما بسبب عدم معرفته أصلاً ـ بأن وزراء آخرين قد استقالوا تضامناً معه أو مع السيد صبحي عبد الحميد، ولم يكن علي دراية كاملة بالأزمة الوزارية الكبيرة إلا عندما عاد الي بغداد مساء الرابع من تموز (يوليو) حيث فوجئ بذلك حين علم بعدد الوزراء المستقيلين.
وبعد ساعات من وصوله حضر الي منزله في حي (الوزيرية) عضوا المجلس الوطني لقيادة الثورة عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية والعميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد، حيث عرضا عليه موضوع إشراكه في وزارة يؤلفها عارف عبد الرزاق، ولكن ناجي طالب الذي فوجئ بالامر، اقترح أن يقوم شخصيا بمحاولة جدية لتسوية الأزمة القائمة، وذلك بإقناع الوزراء المستقيلين بالعودة عن مواقفهم القائمة، قبل التفكير بوزارة جديدة يشكلها رئيس وزراء آخر.
ومن خلال اتصالاته ولقاءاته في اليوم التالي، حصلت القناعة التامة لدي ناجي طالب بأن عبد السلام عارف يرغب في بقاء طاهر يحيي رئيساً للوزراء في الوقت الراهن، وأن الوزراء الخمسة المستقيلين قد باتوا علي قناعة بأن تصرفهم وتضامنهم مع عبد الكريم فرحان لم يكن له ما يبرره، وعرف السيد طالب ان الرئيس لا يرغب في عودتهم جميعاً الي الوزارة، باستثناء صبحي عبد الحميد، كما أدرك أن رئيس الجمهورية غير جاد في شأن تكليف عارف عبد الرزاق بتشكيل وزارة جديدة، إنما كان يناور بهدف شقّ صف قادة الكتلة القومية التي كان الوزراء الأربعة المستقيلون الآخرون (الجادر والحسين والحافظ والركابي) قد تعاطفوا معهم، أو هم غدوا يحسبون علي الكتلة المذكورة.
واكتشف ناجي طالب ان رئيس الوزراء طاهر يحيي ليس له رأي محدد، بل ولا فرق عنده بين خروج المستقيلين أو بقائهم ضمن الوزارة.
ولما كان الاعتقاد السائد لدي ناجي طالب أن وحدة الصف، وخصوصاً في تلك الفترة التي تمّيزت بتعدد الكتل السياسية والقيادات ذات التوجهات القومية، هي وحدها الأساس في حلّ ناجع لمشكلات العراق ذات الاهمية القصوي، وبضمنها الاقتتال القائم في ربوع شمال الوطن، والعلاقات مع الشركات الاجنبية المستثمرة لنفط العراق، ومهمة الانتقال الي الحياة النيابية مجدداً، والتوصل الي حلول لتذليل مصاعب المواطنين المعاشية، فقد استطاع بعد بذل جهود حثيثة أن يُقنع عبد السلام عارف علي عودة الوزراء الخمسة المستقيلين معاً، إذا ما سحبوا طلبات استقالاتهم طوعاً.

لقاء في دار عبد الستار علي الحسين

تم ترتيب لقاء في دار عبد الستار علي الحسين وزير العدل المستقيل في حي الصليخ المجاور للأعظمية، عصر الحادي عشر من تموز (يوليو) ليجمع بين ناجي طالب والوزراء المستقيلين الخمسة، وبينما لم يحضر صبحي عبد الحميد الاجتماع لأسباب شخصية، فقد فوجئ ناجي طالب ـ كما قال لي ـ بوجود شخصين يفترض أنهما علي غير علاقة بالأزمة الوزارية، أولهما محمد صديق شنشل أحد قادة حزب الاستقلال خلال عقد الخمسينيات، وأول وزير للارشاد بعد ثورة 14تموز (يوليو) 1958 والمرتبط بعلاقة شخصية وثيقة مع الرئيس جمال عبد الناصر، وثانيهما أمين هويدي سفير الجمهورية العربية المتحدة في بغداد، وقد وجدهما جالسين في غرفة الاستقبال قُبيل حضوره، فيما علم ايضاً ان الرئيس عبد السلام عارف في الوقت ذاته قد أمر يعقد اجتماع طارئ لـمجلس الدفاع الأعلي في ديوان وزارة الدفاع، يحضره جميع قادة الجيش والقوات المسلحة، انتظاراً لما تتمخض عنه مبادرة ناجي طالب في غضون تلك الساعات التي اعتبرها عبد السلام (الفرصة الاخيرة لحل الأزمة الوزارية) كما يعتقد السيد ناجي طالب الذي تحدث طويلاً وعرض بإلحاح ضرورة سحب الوزراء لاستقالاتهم بغية إنهاء هذه الأزمة لصالح الوطن ومستقبله، وقد أيده أمين هويدي بقوة، وكذلك فعل صديق شنشل، حتي حصلت القناعة لدي الحضور جميعاً بما طرحه من رؤيً، ضامنين إقناع صبحي عبد الحميد (الغائب) بسحب استقالته.

صديق شنشل يقلب الموازين

كان ناجي طالب فرحاً عندما توجّه نحو جهاز الهاتف ليتصل بـالرئيس عبد السلام عارف لإعلامه بالنتيجة المُسرّة التي توصل اليها، عندما التقطت اُذناه صوت صديق شنشل (سمعه الجميع) وهو يقول:
ولكن سحب الاستقالة طوعاً شيء مهين يا أبا طالب! فإذا بالآخرين ـ عدا امين هويدي ـ يتراجعون فوراً عن موقفهم الذي كان قبل دقائق إيجابياً.
وعلي الرغم من توجيه ناجي طالب لوماً شديداً الي صديق شنشل علي تلك العبارة التي أطلقها من غير داعٍ، الا أن (المحاولة الاخيرة) باءت بالفشل (كما اعترف هو نفسه في لقاء معه).

تعديل وزاري

خاب أمل ناجي طالب بعد أن ذهبت جهوده المضنية التي استغرقت أياماً عديدة سُديً، فعاد مضطراً الي الرئيس عبد السلام عارف ليخبره بذلك الإخفاق، مقترحاً عليه قبول الاستقالات جميعاً، وضرورة إجراء تعديل وزاري بتكليف وزراء جدد يحّلون محل المستقلين حيث صدر مرسومان جمهوريان، كانا قد اُعدّا مساء ذلك اليوم، تضمّن أولهما قبول تخلي الوزراء المستقلين عن مناصبهم، بينما نص الثاني علي تعيين خمسة وزراء جدد وهم: عبد اللطيف الدراجي للداخلية، وخضر عبد الغفور للعدل، والدكتورعبد الرحمن محمد خالد القيسي للثقافة والارشاد، والدكتورجميل الملائكة للصناعة، وأحمد هادي الحبوبي للشؤون البلدية والقروية.

رواية السيد صبحي عبد الحميد

لا يختلف صبحي عبد الحميد مع ناجي طالب في اُسس الأزمة الوزارية، ولكنه يرويها من خلال وجهة نظره الخاصة، إذ يقول: إنه قدم استقالته في الثلاثين من حزيران (يونيو) 1965 عندما علم بسفر عبد الكريم فرحان الي القاهرة، وبعد ان أيقن مع عدد من أعضاء كتلته القومية بنيّات عبد السلام عارف حياله، وحيال زميله عبد الكريم فرحان، التي نقلها عارف عبد الرزاق إليهم قبل سفره الي باريس ولندن، طالباً عدم إخبار صبحي وفرحان بها، لذلك فقد أمست الأزمة الوزارية مشكلة حقيقية، ليس لمجرد تقديم ستة وزراء استقالتهم فحسب، ولكن بعد ان ألمح وزراء آخرون لرئيس الوزراء طاهر يحيي بأنهم ينوون الاستقالة ايضاً من هــذه الــوزارة التي غدت ناقصة بشكل خطير. وكان الرئيس جمـــال عبد الناصر قد دخل علي الخط، وحاول جاهداً التوسط الشخصي للمرة الثانية، فبعث برسالة شفهية نقلها السيد ناجي طالب الذي كان في القاهرة في طريق عودته من الجزائر ـ كما اشرنا آنفا ـ رجا فيها صبحي عبد الحميد أن يسحب استقالته، بينما ألح عليه ايضاً ناجي طالب، وعارف عبد الرزاق الذي عاد من لندن، قبل أن ينضم إليهما في المسعي نفسه اللواء الركن محسن حسين الحبيب وزير الدفاع.
ويقول السيد صبحي عبد الحميد انه لم يكن أمام هذا الإصرار إلا أن يوافق ـ مبدئياً ـ علي سحب استقالته، ولكن شريطة تجميد استقالة الوزراء الخمسة الآخرين، في حين تعهّد ناجي طالب بإقناع عبد السلام عارف برفض استقالة جميع الوزراء المستقيلين، عدا تلك التي تقدم بها عبد الكريم فرحان والذي بات التعاون بينه وبين رئيس الجمهورية مستحيلاً.
ولكن.. عندما حضر ناجي طالب أمام رئيس الجمهورية لإقناعه بما تعهد به، فإن الرئيس لم يوافق إلاّ علي إبقاء صبحي عبد الحميد فقط، رافضاً استمرار الوزراء المستقيلين الآخرين جميعاً، مصرّاً علي قبول استقالتهم دون استثناء، لذلك فقد أصرّ صبحي عبد الحميد علي ضرورة قبول استقالته أيضاً، نظراً لأن استمراره في الوزارة دون زملائه الآخرين، الذين تضامنوا معه شخصياً يعتبر تصرفاً غير أخلاقي، لا يمكن أن يقبله او يرتضيه لنفسه.
وهكذا قُبلت الاستقالات الستّ جميعاً مساء الحادي عشر من تموز (يوليو) 1965 دون استثناء، وتم التعديل الوزاري.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-04-2008, 11:22   #11
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة العاشرة)
عبد السلام عارف يبدد شائعات وجود خلافات بين القاهرة وبغداد ويلقي خطابا يؤكد أهمية وحدة العراق والجمهورية العربية المتحدة

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد

05/03/2008
القدس العربي



بعد تلك الأزمة التي تسببت في خروج اثنين من أقطاب الكتلة القومية من الوزارة ومن عضوية المجلس الوطني لقيادة الثورة، بات الخلاف الذي كان قائماً بين الكتلة ورئيس الجمهورية جلياً وعلنيا، وعلي الرغم من استمرار قادة الكتلة الآخرين في مناصبهم العليا سواءً بصفة أعضاء في ذلك المجلس، أو في بعض دوائر القوات المسلحة، الا إن الشارع العراقي أمسي يتحدث جهاراً، عن احتمالات وقوع مواجهات مسلحة وشيكة بين هذه الكتلة القوية ورئاسة الدولة، فيما ركزت وسائل الاعلام العالمية في نشرات أخبارها وتقارير مراسليها علي احتمال نشوب خلافات سياسية كبري بين القاهرة وبغداد في المستقبل القريب، إلا أن تلك الاشاعات خمُدت كثيراً، وذلك عندما ألقي الرئيس عبد السلام عارف بنفسه خطاباً مقروءاً بمناسبة الذكري السابعة لثورة 14 تموز (يوليو)، وفيه عبارات عديدة ومركزة عن أهمية وحدة العراق مع الجمهورية العربية المتحدة، مذكرا انها ستكون نقطة انطلاق لجمع شمل الامة العربية، ومؤكدا ان العراق سائر بخطوات ثابتة وواقعية لبناء الوحدة علي الوجه الأكمل، وأنه سينهض بالاتحاد الاشتراكي العربي علي دعائم شعبية ثابتة. استقبل عبد السلام عارف السفير المصري في العراق أمين هويدي، في الثاني عشر من تموز (يوليو) 1965 في مكتبه بالقصر الجمهوري، وقام بزيارة خاصة للقوات المصرية المستقرة في معسكر التاجي ببغداد في الثالث والعشرين من الشهر نفسه لمناسبة الذكري السنوية (الثالثة عشرة) لثورة 23 (تموز) يوليو في مصر، حيث استقبله المقدم الركن إبراهيم عرابي، وألقي عبد السلام خطاباً ارتجالياً وسط ضباط وجنود تلك القوة مؤكدا: إننا نعتز بالقائد الرائد الكبير جمال عبد الناصر. وفي الاسبوع الاخير من شهر تموز (يوليو)، كانت وسائل الإعلام تنشر عناوين كبيرة تكّذب الأقاويل والإشاعات الدائرة حول خلافات بين العراق ومصر، مبرزة عبارات أوردها الرئيس عبد الناصر في خطابه الرسمي لمناسبة ذكري ثورة (تموز) يوليو قال فيه: إن علاقة بغداد بالقاهرة قوية، وستظل كذلك، وإن الجمهورية العربية المتحدة تؤيد ثورة العراق رغم أكاذيب الاستعمار والرجعية.

الأخضر الابراهيمي في بغداد

وهدأت الاوضاع في الجزائر بعد انقلاب العقيد هواري بومدين، وتوقّفت وسائل الإعلام العراقية عن إبراز موقف العراق المتشنج تجاه الحركة الانقلابية تلك، وخصوصاً بعد أن وصل السيد الأخضر الإبراهيمي سفير الجزائر في القاهرة حاملاً رسالة شفهية من الرئيس الجزائري الجديد الي الرئيس عبد السلام عارف في الحادي والثلاثين من تموز (يوليو) في حين ظهرت عناوين جديدة في صفحات الصحف العراقية وهي تركز أواسط أيام شهر آب (اغسطس) 1965 علي احتمالات التوصل الي حل نهائي للقتال الدائر منذ سنوات في اليمن، وقرار الرئيس عبد الناصر بالقيام بزيارة رسمية الي المملكة العربية السعودية بدعوة من عاهلها الملك فيصل بن عبد العزيز، وقد تمت الزيارة فعلاً، وأدي الرئيس عبد الناصر مناسك العمرة في مكة المكرمة حيث توصل البلدان المتخاصمان والمتحاربان منذ سنوات عديدة الي اتفاقية سلام في الرابع والعشرين من آب (اغسطس) 1965نصت ضمن اُمور عديدة اخري علي إيقاف الاشتباكات المسلحة وقيام القاهرة والرياض بالتعاون لعقد مؤتمر انتقالي للقوي الوطنية اليمنية، وسحب القوات المصرية المتواجدة في اليمن خلال مدة عشرة أشهر ابتداء من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 1965، وأن تتعهد السعودية بعدم استخدام أراضيها ضد اليمن تمهيداً لإجراء استفتاء شعبي هناك لتقرير نوع الحكم.
وفي محاولة لتحسين علاقات العقيد هواري بومدين مع بعض الزعماء العرب، الذين لم يؤيدوا الانقلاب الذي قام به ضد بن بلا، فقد أوفد الي بغداد بعثة رسمية رأسها وزير الدفاع وعضو مجلس قيادة الثورة العقيد طاهر الزبيري، حيث استقبله عبد السلام عارف في القصر الجمهوري في الثامن والعشرين من آب (اغسطس) 1965.

عارف عبد الرزاق رئيسا للحكومة بدلا من طاهر يحيي

كان بادياً علي سطح الساحة السياسية في العراق، ان الامور والعلاقات القائمة بين رئيس الجمهورية والكتلة القومية ربما عادت الي بعض مجاريها بشكل أو بآخر، بعد أن رجّتها أزمة تموز (يوليو) الوزارية رجّاً غير مسبوق، بل كانت هناك مفاجأة أكبر انفلقت مساء يوم الاثنين السادس من ايلول (سبتمبر) 1965 عندما كان الألوف من العراقيين جالسين أمام شاشات التلفاز يشاهدون عبد السلام عارف وهو يستقبل رئيس الوزراء المستقيل الفريق طاهر يحيي، مع كامل أعضاء وزارته الثالثة، ورئيس الحكومة الجديدة التي كلّف بتشكيلها عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية وعضو المجلس الوطني لقيادة الثورة، وبرفقته (15) وزيراً يحملون حقائب وزارته وهم: عارف عبد الرزاق رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع، عبد الرحمن البزاز نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للخارجية ووزيراً للنفط وكالة، سلمان عبد الرزاق الأسود وزيراً للمالية، عبد اللطيف جاسم الدراجي وزيراً للداخلية، حسين محمد السعد وزيراً للعدل، خضر عبد الغفور وزيراً للتربية، جمال عمر نظمي وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية، الدكتور عبد اللطيف البدري وزيراً للصحة، الدكتور محمد ناصر وزيراً للثقافة والارشاد، اسماعيل مصطفي وزيراً للمواصلات وللشؤون البلدية والقروية وكالةً، أكرم الجاف وزيراً للزراعة، عبد الرحمن القيسي وزيراً للاصلاح الزراعي وللاوقاف وكالةً، جعفر علاوي وزيراً للاشغال والاسكان، شكري صالح زكي وزيراً للاقتصاد، مصطفي عبد الله وزيراً للصناعة والتخطيط وكالة، الدكتور عبد الرزاق محي الدين وزيراً للوحدة، سلمان الصفواني وزيراً للدولة.
كان التغيير الوزاري أساسياً وجذرياً، وهو يشير الي سياسة حكومية خارجية وداخلية جديدة، ما دام قد شمل وزارات الخارجية، الدفاع، النفط، المالية، الثقافة والارشاد، والاقتصاد بشكل خاص، وباقي الحقائب علي وجه العموم، إذ لم يحتفظ بمنصبيهما السابقين سوي وزيري الداخلية والوحدة.
لقد فوجئ الشارع العراقي بهذا الخبر، من حيث أن كل تغيير وزاري ـ أو حتي التعديلات الوزارية التي اُجريت في السنوات الماضية ـ كان يسبقه انتشار شائعات واسعة، حتي إن بعض الصحف اليومية كانت تنوّه إليه من قريب أو بعيد، وبشكل مباشر في بعض الاحيان، أو غير مباشر في حالات اخري.. ولربما يعود سبب ذلك الي انشغال العراقيين بأخبار القتال الدائر في شمال وطنهم الحبيب، بين وحدات الجيش والمتمردين من الاكراد الذين يتزعّمهم الملا مصطفي البارزاني خلال أيام ذلك الصيف اللاهب، وفي ذلك الوقت ايضا اعلن عن وفاة الزعيم الوطني رشيد علي الكيلاني الذي انتقل الي جوار ربه في الثلاثين من آب (اغسطس) 1965 وشارك عشرات الآلاف في تشييعه.
وفي كتاب التكليف الذي عنونه رئيس الجمهورية الي رئيس الوزراء الجديد عارف عبد الرزاق، نقرأ نقطتين مهمتين هما:
ـ العمل علي تحقيق الرفاه التام لأبناء الشعب كافة في ظل (اشتراكية عربية رشيدة) تهدف الي زيادة الانتاج وعدالة التوزيع، وترعي القطاعين العام والخاص في آن واحد.
ـ الإسراع في تحقيق الحياة الديمقراطية وتشكيل المجلس الوطني.
ومما جلب الانظار في هذا التغيير ايضاً، استقبال رئيس الجمهورية لرئيسي الحكومتين المستقيلة والجديدة، مع كامل أعضاء وزارتيهما، ظهيرة السادس من ايلول (سبتمبر)، وتناولهم طعام الغداء معاً علي موائد القصر الجمهوري، والذي اُعتبر سابقة جديدة لم تحدث من قبل..

لماذا عارف عبد الرزاق دون غيره؟

قد يتساءل أي متتبع لأوضاع العراق، وخصوصاً خلال عام 1965، والخلافات القائمة بين رئيس الجمهورية والكتلة القومية، وبالأخص بعد احتدامها بسبب أزمة تموز (يوليو) الوزارية والتي لم يمض عليها سوي شهرين، عن الأسباب التي حدت بـالرئيس عبد السلام عارف أن يكلّف من أمسي خصماً سياسياً قوياً له، بتشكيل وزارة جديدة بدلاً من صديقه الفريق طاهر يحيي أو أشخاص آخرين لهم ثقلهم السياسي.
وللسيد صبحي عبد الحميد رأي خاص في أسباب تكليف عبد السلام عارف لـعارف عبد الرزاق لتشكيل الوزارة دون أي شخص آخر، فيقول: كان عبد السلام عارف قد اتخذ قرار التخلص من كتلتنا قبل أن نقدّم الاستقالات التي تسبّبت في أزمة تموز (يوليو) الوزارية، وذلك بتمزيق الكتلة من داخلها، حين بدأ يتقرب من عارف عبد الرزاق ذي المنصب الخطير كقائد للقوة الجوية محاولاً كسبه الي جانبه تمهيداً لإبعاده عنّا.. فقد أوعز الي العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد والعقيد حميد قادر مدير الشرطة العام، وهما صديقان حميمان لعارف عبد الرزاق بالتأثير عليه واستمالته فسايرهم عارف، وصمم أن يكشف جميع خطط عبد السلام عارف ونيّاته ومناوراته، متردداً عليه دوماً، ومبدياً له الود والإخلاص، ومحاولاً في أول الامر نصحه وإعادته الي النهج القومي السليم، مؤكداً له أن الجميع يحبّونه ويحترمونه، وأن معارضة قادة الكتلة القومية لبعض قراراته ليس دافعها سوي الحرص علي المصلحة العامة.
وخلال الايام الاولي من شهر ايلول (سبتمبر) 1965، استدعي الرئيس عبد السلام عارف وزير الدفاع اللواء الركن محسن حسين حبيب ليسلّمه قائمة أسماء عشرة ضباط، طالباً نقلهم الي خارج بغداد، وكان علي رأس القائمة العميد الركن محمد مجيد معاون رئيس أركان الجيش والعقداء الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، ومحمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، وعرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية.
ولم يقتنع وزير الدفاع ـ والحديث للسيد عبد الحميد ـ بعد أن تشاور مع زميله وزير الخارجية اللواء الركن ناجي طالب بتنفيذ الامر، ولما أيقنا غرض عبد السلام عارف من ذلك، قرّرا تقديم استقالتيهما من منصبيهما المهمين، رافضين أن يتحوّلا الي )معول) بيد عبد السلام عارف لتهديم علاقاتهما الحسنة القائمة مع زملائهما الضباط وأقرانهما من الوزراء الذين استقالوا من مناصبهم أوائل تموز (يوليو) 1965، وهكذا انهارت وزارة الفريق طاهر يحيي بخروج وزيرين آخرين منها، عندها عجّل عبد السلام عارف في تكليف عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية بتشكيل الوزارة الجديدة، وفي الشأن نفسه يتحدث السيد ناجي طالب قائلاً: أعتقد ان تكليف الرئيس عبد السلام تشكيل تلك الوزارة الي عارف عبد الرزاق لم يكن سوي محاولة منه لتقريبه الي جانبه بغية إحداث شرخ في صفوف الكتلة القومية التي بات عارف عبد الرزاق يقودها، وذلك بهدف إضعافها أو إنهاء نشاطها السياسي، بعد أن تم ذلك نظرياً بإلغاء البند الخاص بالمجلس الوطني لقيادة الثورة في الدستور المؤقت، والذي كان بعض أبرز قادة تلك الكتلة أعضاء دائمين ومتحكّمين فيه، ومن ناحية اخري يُحتمل أن عارف عبد الرزاق هو الذي استطاع إغراء الرئيس عبد السلام، بطريقة أو باُخري كي يكلّفه دون غيره بتشكيل الوزارة ليتسني له ولكتلته القومية السيطرة علي السلطة، إذ تبين ذلك جلياً في محاولته الانقلابية التي قادتها (الكتلة) بعد أقل من اسبوعين علي تشكيل وزارته هذه.

أحداث متسارعة سبقت محاولة
عارف عبد الرزاق الانقلابية

عندما نستقرئ الاحداث التي سبقت المحاولة الانقلابية، يتبين ـ وفق رؤيتنا ـ وكأنّ الامور التي وقعت لم تكن متسارعة فحسب، بل ربما تبدو وكأنها مرتبة، ويمكن إيجازها وفق المعطيات السياسية التي حصلت وأبرزها: الإعلان يوم السابع من ايلول (سبتمبر)، بأن عارف عبد الرزاق سوف لن يحضر اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثالث المقرر عقده في المغرب في الثالث عشر من الشهر ذاته، علي الرغم من تسمية وزير الدفاع السابق اللواء الركن محسن الحبيب بإلاسم ضمن تشكيلة الوفد العراقي، إذ يفترض في هذه الحالة ان يحضر وزير الدفاع اللاحق وهو عارف عبد الرزاق نفسه بدلاً من السابق.
إلغاء المجلس الوطني لقيادة الثورة المشكل منذ آذار (مارس) 1964 بمثابة أعلي سلطة تشريعية في الدولة العراقية، وإناطة سلطاته التشريعية الي مجلس الوزراء الجديد وفق تعديل محّدد للدستور المؤقت.
صدور مرسوم جمهوري في التاسع من ايلول (سبتمبر) 1965 اجري تعديلا آخر علي الدستور المؤقت نصه:
(يشكّل رئيس الجمهورية، عند غيابه عن العراق، أو عند تعذّر قيامه بواجباته لسبب ما، مجلساً جمهورياً للنيابة عنه، قوامه ثلاثة اعضاء يختارهم من بين اعضاء مجلس الوزراء او مجلس الدفاع الوطني، او منهما معاً) وبعد يومين صدر مرسوم جمهوري آخر قضي بتشكيل مجلس الدفاع الوطني من أصحاب المناصب الآتية: رئيس الجمهورية رئيساً للمجلس، رئيس الوزراء نائباً لرئيس المجلس، وعضوية وزراء الدفاع والداخلية، والخارجية، والمالية، ورئيس اركان الجيش، وقائد القوة الجوية، وقائد القوة البحرية.
واستناداً الي تلك التعديلات والمراسيم الجمهورية، فقد غدا عارف عبد الرزاق ناهيك عن منصبيه السابقين نائباً لرئيس مجلس الدفاع الوطني المتشكّل حديثاً بحكم كونه رئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع وقائداً للقوة الجوية معاً، إذ لم يتم تعيين خلف له بعد تسنّمه منصبه الجديد، ولم تُسند قيادة القوة الجوية إلاّ (وكالة) لضابط مهندس بحكم القدم العسكري.
واستكمالاً لمعلومات هذا التعديل المهم في الدستور المؤقت، فإن المرسوم نفسه كان قد نصّ علي إضافة أعضاء آخرين غير دائمين، لا يحضرون اجتماعات هذا المجلس إلا عند استدعائهم.. وهم وزراء الاقتصاد، المواصلات، التخطيط، الثقافة والارشاد، يضاف اليهم قادة فرق الجيش، ومعاونو رئيس أركان الجيش، وقائد موقع بغداد، عند الحاجة لحضورهم، وقد تبع ذلك المرسوم، مرسوم ثان في اليوم نفسه، نص علي تشكيل (مجلس جمهوري) للنيابة عن رئيس الجمهورية مدة غيابه عن العراق لحضور اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثالث، ويخّول بالتوقيع علي المراسيم الجمهورية جميعاً، عدا ما يتعلق بإقالة الوزارة أو قبول استقالتها أو تأليفها، وذلك من الآتية أسماؤهم:
(1) عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء، وزير الدفاع وكالة.
(2) عبد اللطيف الدارجي وزير الداخلية.
(3) اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة.

تشكيلة الوفد العراقي الي مؤتمر القمة

ضم الوفد العراقي الذي رافق الرئيس عبد السلام عارف الي مؤتمر القمة العربي الثالث في الرباط السادة: السيد عبد الرحمن البزاز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية ووزير النفط وكالة، وشكري صالح زكي وزير الاقتصاد والأمين العام للقيادة السياسية الموحدة، وحسن الدجيلي سفير العراق في المملكة المغربية، والدكتور بديع شريف رئيس ديوان رئاسة الجمهورية، والعميد الركن محمود عريم قائد الفرقة المدرعة الثالثة، والعميد زاهد محمد صالح المرافق الاقدم لرئيس الجمهورية، وعبد الله مجيد سكرتير عام ديوان رئاسة الجمهورية، وعبد الجبار الهداوي نائب رئيس التشريفات، والدكتور محمود علي الداود المدير العام للدائرة العربية في وزارة الخارجية، وعبد الودود الشيخلي المدير العام لدائرة التشريفات في وزارة الخارجية.

رئيس الجمهورية يغادر الي الرباط

كان كاتب هذه السطور في صباح يوم الاحد الثاني عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 ضابطاً برتبة (ملازم ثان) يحمل علم العراق ضمن تشكيلة حرس الشرف، وواقفاً أمام ثلّة الحرس المؤلفة من ثلاثة ضباط وثمانية وتسعين من المراتب ضمن إجراءات مراسيم التوديع الرسمية الاعتيادية لرئيس الجمهورية وهو يغادر القطر من مطار بغداد وسط العاصمة العريقة، والتي استمرت حوالي ساعة، منذ وصوله الي أرض المطار ولحين صعوده الطائرة.
أقلعت الطائرة الخاصة من طراز (توبوليف 124) التي قادها الرائد الطيار عدنان أمين خاكي، في رحلة دامت اكثر من ساعتين، قبل أن تهبط في مطار القاهرة الدولي، ويستقبله هناك المشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس عبد الناصر والقائد العام للقوات المسلحة المصرية وسط مراسيم من الدرجة الاولي وفي طريقها الي المغرب هبطت طائرة الرئيس كذلك في مطار العاصمة الجزائرية حيث استقبله الرئيس الجزائري الجديد العقيد هواري بومدين، قبل ان تصل مساءً الي الرباط حيث كان في استقباله الملك الحسن الثاني.

مؤتمر القمة يبدأ اجتماعاته

مرّت أيام الاحد والاثنين والثلاثاء التي صادفت 12 و13 و14 ايلول (سبتمبر) بسلام ودون أي طارئ يذكر، إذ كنا نسمع الاخبار أو نقرأها ونشاهد كذلك وصول الملوك والرؤساء العرب الي الرباط تباعاً، ونتابع اجتماعات القمة في الصحف وشاشات التلفاز، وعمّا كانت تدور في أروقته من لقاءات هامشية ومناقشات حادّة، خصوصا ما طرحه السيد أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية من آراء ومقترحات طموحة، وما أبداه آخرون من طروحات وافكار وخطوات واستحضارات لحرب قادمة مع الكيان الصهيوني خلال مدة لا تزيد عن سنتين، مستهدفة تحرير كامل التراب الفلسطيني، اضافة الي تلك التقولات التي دارت علي وجه الخصوص حول مقترحات مستغربة غير مسبوقة قدمّها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة تمحورت حول ضرورة فتح حوار وصولاً الي التصالح مع اسرائيل، والتي هّيجت مشاعر الجماهير العربية والإسلامية علي السواء.

إنذار مفاجئ وحالة تأهب قصوي

كنا، بطبيعة الحال ـ وكما هو الحال في جميع وحدات الحرس الجمهوري او الملكي او الرئاسي لدول العالم كافة، وخصوصاً دول العالم الثالث ـ نتسلّم بين آونة واُخري أوامر تقضي باتخاذ تدابير اليقظة والحذر في الايام التي كانت هناك معلومات تشير الي احتمال حدوث محاولة انقلابية أو تحركات مشبوهة قد يقوم بها هذا أو ذاك، وهذه الفئة أو تلك، ولكننا ـ نحن صغار الضباط ـ لم نكن نطّلع بطبيعة الحال علي الجهة المخبرة أو الفئة المحدّدة أو الاشخاص المناوئين المحتلمين، بل كان الواجب علينا في مثل تلك المواقف، ان نحمل الاسلحة والاعتدة من المشاجب قبل أن ننتشر حسب خطة موضوعة سلفاً كنا قد أجرينا ممارسات عديدة لتنفيذها في مواقع محددة حوالي القصر الجمهوري، أو علي مقربة منه.
والحقيقة أنني لم اُصادف حالة من الإنذار والتأهب طيلة اكثر من ثلاثة عشر شهراً مضت علي تعييني في الحرس الجمهوري سوي مرتين، لم يحدث خلالهما أي أمر خطير، إذ لم نخرج حتي من ثكنة الفوج إلا لمجرد التفرّق الفعلي في المواقع المحددة لكل سرية او فصيل، ولكن المرة الوحيدة التي حصل فيها تطبيق خطة أمن وحماية القصر الجمهوري من خارجه، هي تلك التي لم نكن قد بُلّغنا قبلها بأي إنذار، حيث كان ضباط فوجنا ـ عدا اولئك الذين كانوا قد غادروا المعسكر الي منازلهم منذ ظهر يوم الاربعاء الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) ـ جالسين بملابسهم العسكرية في حديقة الثكنة، يتداول بعضهم أحاديث عامة، ويتابع آخرون برنامج التلفاز الاعتيادي، بينما يمارس آخرون ألعاب (الطاولي والدومينو) أو تنس الطاولة، عندما طلب آمر الفوج في حدود الساعة الثامنة مساءً، حضور المساعد وآمري السرايا الجالسين الي مكتبه فوراً.
ساد الصمت بين الجميع، وترك الضباط ألعابهم دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة، وتكّدرت الوجوه وبان عليها القلق، فالاستدعاء غير اعتيادي، وقلّما كان آمر الفوج، المعروف بهدوئه، يطلب كبار ضباط الفوج بهذا الاسلوب ليلاً.. اذن هناك ثمة شيء خطير قد حدث، أو أن أمراً كبيراً سيحدث.
لم تمض سوي بضع دقائق حتي عاد آمرو السرايا مسرعين، وصاحوا من بُعد عشرات الامتار علي الضباط جميعاً بالتوجّه ركضاً الي قاعات منام جنودهم، وان يتسلّم الجميع الاسلحة والعتاد حالاً، وان يتوجهوا بها كل الي قاطعه المحدد وفقاً لخطة الطوارئ.
سادت الثكنة، بجميع ممرّاتها وقاعات منامها، حركة هائلة، حيث أكمل المراتب ارتداء ملابسهم وتجهيزاتهم مسرعين، ووقفوا ضمن صفوف طويلة ليخطفوا بسرعة أسلحتهم المخصصة من مسالح المشاجب.
اجتمع كل فصيل علي حدة، وقاد كل منا فصيله بالهرولة الي موقعه المحدد، وانتشر البعض علي رصيفي الشارع العام المار من امام القصر الجمهوري باتجاهي الجسر المعلّق وجسر الجمهورية، وآخرون اتخذوا مواضعهم باتجاه الطريق المؤدي الي قاعة الخلد والمنطقة المشجرة المحيطة بها.. حيث أصبحنا مستعدين لتنفيذ أي أمر يصدر بفتح نيران أسلحتنا كافة تجاه أية أرتال أو مجاميع جنود أو اشخاص يمكن أن يتقدموا نحونا، وبأقصي ما يمكن من الشدة. وعندما وقفتُ أمام آمر سريتي الملازم الاول يوسف خليل أحمد متسائلاً عن السبب الذي دعانا لاتخاذ كل هذه الإجراءات، فإنه لم يستطع ـ كالعادة ـ الاجابة، فلم يكن علي علم مما يجري وراء الكواليس، حاله حال باقي آمري السرايا جميعاً وصغار الضباط.
ومن الجهة المقابلة لمبني القصر الجمهوري، كنا نسمع هدير محركات دبابات عديدة باتت تتحرك من داخل ثكنة مؤقتة، كانت قد استقرت فيها سرية دبابات واحدة مؤلفة من 15 دبابة من طراز تي 54 سوفييتية الصنع، تشكلت خلال الاشهر الاخيرة كنواة لكتيبة دبابات الحرس الجمهوري بقيادة الرائد الركن فيصل عبد الحليم، حيث اتخذ عدد منها مواقع حول سياج القصر، فيما وقفت دبابات اخري نسقاً واحداً قبالة القصر علي الرصيف، وأطفأت محركاتها.. وكان أقرب رعيل دبابات من قاطع سريتنا بقيادة زميلي الملازم سمير أحمد أيوب.
كان المنظر العام مرعباً، وسط ذلك الصمت الهائل ومنع التجوال غير المعلن، اللذين خّيما علي منطقة القصر في حي كرادة مريم وبالأخص عندما قطع الشارع العام تجاه مرور السيارات والأهلين مما أوحي الي قرب وقوع معركة وشيكة دامية بين قوات الحرس الجمهوري، وقطعات اُخري من الجيش العراقي قد تتقدم نحونا وتتوجّه نحو القصر الجمهوري لتحاول قلب نظام الحكم القائم، حيث لا بدّ وأن مذبحة بين الطرفين ستقع، وسيكون وقودها هؤلاء الشباب الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كراسي الحكم والمتصارعين علي الجلوس فوقها.

ساعات انتظار صعب

مضت ساعات الليل ثقيلة علي نفوس الضباط والمراتب المنتشرين في العراء أو قرب السياج، فالجنود جالسون وهم يمسكون أسلحتهم بين أيديهم، بينما يتجول ضباط الصف بينهم يحثونهم علي الانتباه وعدم النوم، فيما الضباط واقفون ينظرون إلي هنا وهناك، وأسماعهم منتبهة الي أي صوت غير عادي، وأنظارهم متجهة الي أية حركة قد يُشكّ في أمرها.
انتصف الليل، ومرّت عليه ساعات اخري، حين رأيتُ آمر لواء الحرس الجمهوي العقيد الركن بشير الطالب وبصحبته آمر فوجنا الرائد الركن عبد الرزاق صالح العبيدي وقد أدّيا تحية عسكرية قوية لضابط وقف بسيارته العسكرية الفخمة قربهما، لم أستطع تشخيصه أول الامر، ولكنه كان العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد وآمر الانضباط العسكري، بجثته الضخمة وطول قوامه ووجهه الجميل، وأحد أكثر المقربين من شخص عبد السلام عارف، وقد وقفت علي مبعدة منه سيارتان عسكريتان تابعتان للانضباط العسكري وعلي متنهما عشرون من جنود الانضباط المدجّجين بأسلحتهم الشخصية الرشاشة.
لم تمض سوي دقائق حتي انضّم إليهم آمر كتيبة الدبابات الرائد الركن فيصل عبد الحليم الذي جاء مسرعاً علي قدميه، وذلك قبل ان تحضر سيارتان عسكريتان مسرعتان تحملان هوائيات لأجهزة لاسلكية، ترجّل من إحداهما المقدم إبراهيم عبد الرحمن الداود آمر فوج الحرس الجمهوري الثاني، ومن الثانية المقدم داود عبد المجيد آمر فوج المشاة الآلي الثاني المرابط في معسكر الوشاش والتابع أصلاً الي اللواء المدرع العاشر المنتشر في بعض شمالي العراق، حيث وقفوا جميعاً علي الرصيف المقابل لقاطع فصيلي قرب سياج القصر الجمهوري المطل علي الشارع العام لمنطقة كرادة مريم حيث كانت بضعة امتار تفصلني عنهم.
ظل العميد سعيد صليبي المتحدث الوحيد، ويبدو أنه هو الذي ترأس ذلك الاجتماع الذي بدا رسمياً جداً رغم بعده عن المكاتب الرسمية، بينما استمع الآخرون وقوفاً لحوالي نصف ساعة، قبل أن يتفرقوا بسياراتهم العسكرية علي عجل، كلٌ باتجاه.
كنا مع جنودنا، ما زلنا في وضع من التهيؤ والمراقبة، حتي بانت خيوط فجر يوم الخميس السادس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 لكن عدداً غير قليل من الجنود كان قد أعياهم السهر، فخلدوا الي الغفوة جلوساً لبعض الوقت، وقبيل طلوع الشمس، صدرت الأوامر الشفهية بضرورة الحيطة والحذر والانتباه الأشد.. ولكننا لم نسمع أي إطلاق نار من قريب أو بعيد، وسطعت الشمس، ومضي الوقت حتي قارب الساعة الثامنة صباحاً، وبدا الوضع هادئاً بعض الشيء، إذ بُلّغنا بجمع نصف موجود مراتب فصائلنا لإعادتهم الي الثكنة، لينالوا قسطاً من الراحة حتي الظهر، ويتهيأوا لواجب الحماية بعد ظهر اليوم نفسه، بدلاً من الذين سيستمرون في الخارج نصف النهار.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.




التعديل الأخير تم بواسطة جمال الصباغ ; 03-06-2008 الساعة 08:54
جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-06-2008, 08:56   #12
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الحادية عشرة)

تشكيل حكومة جديدة برئاسة عبد الرحمن البزاز واللواء العقيلي وزيرا للدفاع فيها، وقرار بإعفاء رئيس الوزراء السابق لـفراره) الي الخارج

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد
القدس العربي
06/03/2008


العودة الي الثكنة

كانت الساعة السادسة مساءً، عندما تسلّمنا أوامر لاحقة بعودة الجميع الي ثكنة فوجنا، ولكن من دون أن يُفتح الشارع العام لمرور السيارات الأهلية والمارة حتي ظهيرة يوم الجمعة السابع عشر من ايلول (سبتمبر)، عندئذٍ حمدنا الله سبحانه وتعالي وشكرناه علي نعمة الأمان، وبات الجميع علي أسرّتهم متعبين، وقد وضعوا أسلحتهم وعتادهم علي مقربة من رؤوسهم تحسباً لأي طارئ.. فحالة الإنذار والتأهب ما زالت قائمة.
عندما استقر الجميع في الثكنة مساء يوم الخميس 16 أيلول (سبتمبر) 1965، وبعد أن تناولنا بعض الطعام بعد إجهاد متواصل لـ(24) ساعة متتالية، طلب آمر الفوج حضور جميع الضباط في (البهو)، وهي قاعة يركن اليها الضباط في أوقات استراحتهم حيث بادر الي توضيح الامور الآتية بكل صراحة قائلا: إن مؤامرة كبيرة وخطيرة، حاول بعض كبار مسؤولي الدولة تنفيذها، مستغلّين غياب السيد رئيس الجمهورية عن البلد، موضحا بالأسماء قادة المتآمرين وحددهم بعميد الجو الركن عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء وأحد نواب الرئيس الجمهوري، والعقيد الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، العقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، المقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، المقدم فاروق صبري عبد القادر معاون مدير الاستخبارات العسكرية، الرائد عبد الامير الربيعي أحد الضباط الأقدمين في مدرسة الدروع بمعسكر أبي غريب.
واشار الي ان عددا من مسؤولي الدولة المخلصين للسيد رئيس الجمهورية، وعلي رأسهم العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد، تمكنوا من إفشال المؤامرة في مهدها، وقُبيل الشروع الفعلي بتنفيذها، ولما خاب أملهم، اضطروا للتوجه الي مطار الرشيد العسكري ظهر هذا اليوم، لتقلّهم طائرة نقل عسكرية كانت مهيأة مسبقاً، وتوجّهوا بها الي القاهرة مباشرة.

أخبار العراق في الإذاعات

وعلي أية حال وبينما ظلت محطتا إذاعة وتلفزيون العراق علي برامجهما الاعتيادية، كالنعامة التي تغرس رأسها في الرمل معتقدة أن الآخرين لا يرونها ما دامت هي لا تراهم، وكأن شيئاً لم يحدث، وكعادتنا نحن العراقيين في مثل هذه المواقف الصعبة كنا نتابع أخبار العراق منقولة من الإذاعات العربية والعالمية، وكانت أبرز عناوين الأخبار:
ـ محاولة فاشلة لقلب نظام الحكم في العراق.
ـ المتآمرون من القوميين العرب ذوي الميول الناصرية.
ـ كبار مسؤولي الدولة العراقية متورّطون في المؤامرة الفاشلة.
ـ نائب رئيس الجمهورية العراقية يحاول الإطاحة غدراً برئيسه وزميله الغائب عن البلد.

عودة رئيس الجمهورية واحتمال اغتياله

استمرت حالة الإنذار والتأهب في فوجنا، وجميع وحدات الحرس الجمهوري وكذلك الوحدات العسكرية المنتشرة في بغداد وحواليها، طيلة يوم الجمعة 17 أيلول (سبتمبر) 1965 دون حادث طارئ، ولكن من دون تواجد مسلّح في الشوارع المحيطة بالقصر الجمهوري ليلاً أو نهاراً، بينما بقيت الدبابات في مواقعها المحيطة بالقصر، فيما كان الشارع العام مفتوحاً للسيارات والمارة علي السواء، وبشكل اعتيادي.
ومما يجدر ذكره في هذا الشأن، أن معظم الناس قد دأبوا في مثل هذه الايام علي تخفيف تنقّلهم عبر كرادة مريم خشية طارئ لا تحمد عقباه، فـ(الباب التي تأتي منها الريح، أغلقها وأسترح)، كما يقول المثل العراقي، ولكن الكثير من الناس في الوقت نفسه، كان يتجوّل في هذه المنطقة فضولاً.

حرس الشرف في المطار

حل فجر يوم السبت الثامن عشر من أيلول (سبتمبر) 1965، حيث اُبلغنا بأن رئيس الجمهورية قد أنهي زيارته للمملكة المغربية بعد حضوره الجلسة الختامية لمؤتمر القمة العربي الثالث، وأنه سيصل بطائرته الخاصة في حدود الساعة السابعة من صباح ذلك اليوم الي بغداد، وفي حين استحضر النقيب كاظم عزيز نفسه لقيادة حرس الشرف في أرض مطار بغداد، فقد اُبلغت انا ان أكون حامل علم العراق معه ـ كالعادة ـ بينما يقوم الملازم سعد شمس الدين خالص بواجب المعاون.
حضرنا الي المطار في حوالي الساعة السادسة صباحاً، وبقينا ننتظر وصول طائرة رئيس الجمهورية حتي الساعة التاسعة دون جدوي، في حين كان الوضع في المطار وحواليه ليس بالشكل الاعتيادي الذي تعّودنا عليه في العديد من حالات الاستقبال أو التوديع السابقة.. فقد انتشر العشرات من جنود الانضباط العسكري المسلحين بالمسدسات والرشاشات معاً في المنطقة المحيطة بساحة وقوف الطائرات، اضافة الي جنود آخرين من فوجنا، وآخرين يرتدون الملابس المدنية ويخفون مسدساتهم تحت ستراتهم أو قمصانهم، وهم من منتسبي فصيل الحرس الشخصي لرئيس الجمهورية.

رئيس الجمهورية في طريق العودة

كانت الساعة قد قاربت العاشرة صباحاً عندما أشار آمر فوجنا أن نتجمع أمامه ليبلغنا ببعض الاخبار المهمة عن الاحداث القائمة، وكان من أهمها:
أولاً: أن السيد وزير الصحة الدكتور عبد اللطيف البدري والذي تربطه بشخص رئيس الجمهورية صداقة حميمة قد سافر الي الرباط ووصلها فجر يوم أمس (الجمعة)، ليبلغ سيادته بتفاصيل المحاولة الانقلابية، ويطمئنه علي الهدوء الذي تنعم به بغداد إثر فشلها، وتفضيل حضوره الي القطر بأسرع ما يمكن، ولكن السيد رئيس الجمهورية فضل بقاءه حتي الجلسة الختامية لمؤتمر القمة، إلا انه ألغي زيارته الرسمية للمملكة المغربية التي كانت مقررة لمدة اربعة أيام بعد انتهاء اجتماعات المؤتمر.
ثانياً: أن رئيس الجمهورية قد غادر مطار الرباط في الساعة العاشرة والنصف ليلاً )بتوقيت بغداد) بطائرته الخاصة، وحطّ في مطار الجزائر، وأقلع منها في الساعة الواحدة والنصف ليلاً بعد منتصف الليل، وهبط في مطار بنغازي في ليبيا فجر هذا اليوم السبت في طريقه الي القاهرة.
ثالثاً: يحتمل أن يتأخر السيد الرئيس في القاهرة بعض الوقت، لذلك فإن علي حرس الشرف الرجوع الي ثكنة الفوج لأخذ قسط من الراحة وتناول طعام الغداء هناك، وانتظار أوامر لاحقة للعودة الي المطار فوراً... علي أن يبقي الجميع بملابس المراسيم، وأن ترابط السيارات المخصصة لنقلهم في ساحة التدريب المركزية للفوج علي أهبة الحركة.
طال انتظارنا في ثكنة الفوج كذلك، وأصابنا بعض الملل، وبلغ منا الضجر مبلغه، لا سيما وأننا مرتدون ملابس حرس الشرف الرشيقة، والمزعجة، منذ فجر ذلك اليوم...
ولكن ثمة معلومة مفاجئة أبلغنا بها النقيب كاظم عزيز آمر حرس الشرف في حوالي الساعة الواحدة ظهراً، وهي تشير الي أن رئيس الجمهورية قد يتعرض الي محاولة اغتيال أثناء نزوله من الطائرة، أو عند وقوفه لأداء التحية علي منصة الشرف خلال عزف السلام الجمهوري، أو لدي تفتيشه لحرس الشرف، والذي يطول في مجمله دقائق عديدة..
لذلك فقد أصدر ديوان الرئاسة توجيهاً بتزويد جميع بنادق أفراد حرس الشرف وعددهم ثمانية وتسعون ضابط صف وجندي بالعتاد، علي عكس جميع الحالات السابقة التي كانت البنادق مجرّدة من الإطلاقات.

في ساحة المطار مجدداً

عدنا الي مطار بغداد الدولي في الساعة الثالثة والنصف عصراً، حيث علمنا أن آمر لواء الحرس الجمهوري العقيد الركن بشير الطالب قد اتفق مع آمر فوجنا، ليطرحا علي السيد رئيس أركان الجيش وكالة اللواء عبد الرحمن عارف فكرة الصعود معاً الي الطائرة فور توقّفها في الساحة المخصصة لها، ليبلغوا السيد رئيس الجمهورية، بأن الظرف القائم يوجب إلغاء مراسيم حرس الشرف المتعارف عليها، وإقناع سيادته ليوافق أن ينزل من سلّم الطائرة بأسرع ما يمكن ويستقّل سيارة خاصة تقف بمحاذاة السلّم بغية نقله الي القصر الجمهوري مباشرةً.
وما إن حلّت الساعة الخامسة عصراً.. وبينما كنا ننتظر هبوط الطائرة الخاصة لرئيس الجمهورية علي مدرج المطار، حتي تدحرجت طائرة مدنية كبيرة تابعة للخطوط الجوية العربية المتحدة من طراز (كوميت 4 سي) علي المدرج، قبل أن تتوجه إلينا لتتوقف في مكان يبعد عشرات الامتار عن الموقع الذي كنا متأهبين فيه لأداء السلام الجمهوري.
وحال إلصاق أعلي السلم بباب الطائرة، لم ينتظر اللواء عبد الرحمن عارف وبصحبته العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد واللواء عبد اللطيف جاسم الدراجي وزير الداخلية، والعقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري، ومعهم آمر فوجنا، حتي أسرعوا صعوداً الي الطائرة.

عبد السلام عارف يتحدّي

وبينما كنا نتوقع إلغاء مراسيم حرس الشرف، استناداً الي الفكرة التي علمنا أنها ستُطرح علي رئيس الجمهوري، فإذا بالرئيس عبد السلام عارف يطل من باب الطائرة المدنية المصرية، ويقف في أعلي السلم محيياً بيده المستقبلين علي غير عادته في جميع المرات السابقة، وذلك قبل أن ينزل الي أرض المطار بكل هدوء متوجهاً الي حيث (منصة التحية) يرافقه رئيس أركان الجيش ووزير الداخلية، حينها عزفت فرقة موسيقي الجيش بقيادة الملازم الاول عبد السلام جميل السلام الجمهوري العراقي، ليجري المراسيم كاملة بجميع خطواتها ومراحلها قبل أن يتوجه لمصافحة مستقبليه والتوجه الي قاعة الشرف الكبري للجلوس فيها بعض الوقت.
وبعد حوالي ربع ساعة، وبينما كانت السيارة الرسمية السوداء الخاصة برئيس الجمهورية واقفة قرب باب قاعة الشرف الكبري ضمن الموكب الرسمي الخاص، فإذا بسيارة صالون كبيرة مكشوفة دون سقف، حمراء اللون من طراز (لنكولن) قد حضرت لتحلّ محل تلك السيارة السوداء وصعد إليها الرئيس ووقف في حوضها الخلفي وهو يمسك بظهر المقعد الامامي، محيياً الجماهير التي احتشدت علي جانبي الشارع العام المؤدي من المطار الي الجسر المعلق.

وسائل الاعلام العراقية تتجاهل المحاولة الانقلابية

علي الرغم من عظم هذا الحدث وخطورته وتسرّب بعض تفاصيله الي خارج العراق، فإن وسائل الاعلام العراقية التي كانت تحت السيطرة المباشرة للدولة عن طريق وزارة الثقافة والارشاد ظلت هادئة، ولم تشر الي ذكر المحاولة الانقلابية بشكل مطلق طيلة الايام الاربعة التي أعقبت فشلها، بل ان صحف الاحد الموافق التاسع عشر من ايلول (سبتمبر) نشرت أخباراً وصوراً عن زيارة الرئيس جمال عبد الناصر الرسمية المتواصلة للمغرب، والي جانبها تفاصيل عودة الرئيس عبد السلام عارف من الرباط الي بغداد جواً.

بيان رسمي مقتضب

كان الإهمال المتعمد من لدن وسائل الاعلام العراقية التي توجّهها الدولة كما أسلفنا واضحاً، ولرّبما استخفافاً بالحركة الانقلابية والقائمين بها، وكذلك بالذين ساندوهم أو استقبلوهم، إذ لم تشر الي الموضوع لا من قريب ولا بعيد حتي صباح يوم الاثنين العشرين من ايلول (سبتمبر) 1965 حيث صدر بيان رسمي مقتضب في الصفحات الداخلية هذا نصه:
في الساعة العاشرة من مساء الاربعاء الماضي الخامس عشر من ايلول الحالي، حاول نفر من المغامرين القيام بحركة تخلّ بالأمن وسلامة الدولة.
ونظراً ليقظة المسؤولين وقواتنا المسلحة، فقد اُحبطت المحاولة بعد فترة قصيرة، ومن دون أن تُراق قطرة دم... وعلي إثر فشل المحاولة فرّ جُلّ القائمين بها الي الخارج، واُلقي القبض علي الباقين. ويأخذ التحقيق مجراه القانوني الطبيعي.
ونود أن نؤكد للمواطنين أن الأمن مستتب في أنحاء البلاد كافة، وأنه لم يحدث منذ قيام تلك المحاولة ما يكدّر صفو الامن والنظام ويقلق راحة المواطنين.
ويسرنا أن يطمئن المواطنون جميعاً الي أن الحكومة والقوات المسلحة قائمة بواجبها أحسن قيام، وساهرة علي المصلحة العامة وراحة المواطنين .
ويبدو من نص البيان ان الحكومة العراقية بعد عودة عبد السلام عارف الي بغداد بسلام لم تشأ أن تعطي للحدث أهمية تذكر، إذ لم تأت علي الجهة أو الاشخاص الذين شاركوا بالمحاولة الانقلابية، كما لم تحشر اسم الجمهورية العربية المتحدة والرئيس جمال عبد الناصر خشية حدوث مشاكل سياسية غير محمودة في عقباها.

تشكيل حكومة جديدة

في يوم الثلاثاء، الحادي والعشرين من أيلول (سبتمبر) أعلنت حكومة جديدة برئاسة السيد عبد الرحمن البزاز الذي احتفظ بحقيبة الخارجية أيضاً. إذ نشرت صحف اليوم التالي (الاربعاء) مرسومين جمهوريين الاول جاء فيه: بناءً علي فرار عارف عبد الرزاق رئيس الوزراء السابق خارج العراق، فقد أعفيناه من رئاسة الوزراء ، اما المرسوم الثاني فنص علي تشكيل الوزارة برئاسة السيد عبد الرحمن البزاز مستوزراً اربعة وزراء جددا، وأبقي علي جميع وزراء حكومة عارف عبد الرزاق بمناصبهم دون أي تغيير، والوزراء الاربعة الجدد هم:
اللواء الركن عبد العزيز العقيلي وزيراً للدفاع، ووزيراً للمواصلات وكالة، وفارس ناصر الحسن وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية بدلاً من جمال عمر نظمي، وكاظم الرواف وزيراً للعدل بدلاً من حسين محمد السعد، والدكتور عبد الحميد الهلالي وزيراً للاقتصاد بدلاً من شكري صالح زكي.

مؤتمر صحافي للبزاز

وفي مساء يوم الاربعاء، الثاني والعشرين من ايلول (سبتمبر) عقد رئيس الوزراء الجديد مؤتمراً صحافياً، تطرق خلاله ـ ضمن اُمور تفصيلية عديدة اخري ـ الي المحاولة الانقلابية التي قادها عارف عبد الرزاق، وذكر أن ستة عشر عسكرياً وستة مدنين اُعتقلوا وأن تسعة وعشرين عسكرياً واثني عشر مدنياً فرّوا في أعقاب المحاولة الفاشلة المخلّة بالأمن، وأن عدد المعتقلين الذين لا يزال التحقيق جارياً معهم بحدود عشرين شخصاً، مؤكدا أن العلاقات مع الجمهورية العربية المتحدة سليمة وودية.

حقائق جديدة عن حركة عارف
عبد الرزاق وأسباب فشلها

في الحقيقة ان كثيرا من التساؤلات والاستفسارات المحيرة التي علقت في نفوسنا ـ نحن ضباط الحرس الجمهوري في حينه ولدي العراقيين ـ لم نجد لها اجابات محددة عن اسباب اخفاق تلك الحركة، والمفارقات التي صاحبتها.
وذلك طيلة اكثر من ثلاثين عاماً، حتي انتهيتُ من كتابة فصول ومباحث عديدة من هذا الكتاب وصولاً الي فصله ما قبل الأخير.
كان الذي يحّيرني اكثر من غيري، بادئ ذي بدء، هو: ما الذي أدي بعارف عبد الرزاق واولئك الذين كانوا بصحبته، الي استحضار خطوة تراجعية جعلتهم يتوجهون الي مطار عسكري قبل ان يستنفدوا كل ما في جعبتهم؟ فكان حق التاريخ يفرض عليّ ان أزُور اُناساً كانوا قد صنعوا جزءاً محدداً، أو أجزاء معينة من ذلك الحدث، أو شاركوا في بعضه، أو أولئك الذين كانوا في قلب الحدث نفسه، أو شاهدوا بأم أعينهم قسماً منه، وذلك بحكم المناصب التي كانت مناطة إليهم في تلك الايام.

حديث مع المرافق الشخصي لعارف عبد الرزاق

شددت الرحال أول الامر الي مدينة كركوك التي ولدتُ فيها ونشأتُ لألتقي الرائد المتقاعد إحسان عارف آغا البيرقدار المرافق الشخصي لعميد الجو الركن عارف عبد الرزاق منذ تسلّمه منصب قائد القوة الجوية أواخر عام 1963 ولعامين متتالين، والذي رافقه أخيراً في الطائرة التي أقلّته الي القاهرة ظهر يوم الخميس، السادس عشر من أيلول (سبتمبر) 1965.
تبادلتُ معه أطراف الحديث في اُمور عديدة، بدءاً من أسباب اختياره مُرافقاً شخصياً لعارف عبد الرزاق علي الرغم من عدم انتمائه الي أية كتلة سياسية كانت قائمة في العراق وقواته المسلحة، وخصوصا (الكتلة القومية) وانتهاءً بمشاهداته الشخصية ومعايشته لأحداث وساعات يوم الحركة الانقلابية، وما تلاها من أحداث قائلا:
كان المقدم الركن عارف عبد الرزاق آمراً للسرب السادس المجهز لوحده بطائرات (هوكرهنتر) بريطانية المنشأ في مطار الحبانية العسكري، عندما صدر أمر تعيينه آمراً لذلك المطار بُعيد ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وكنتُ حينها ضابطاً برتبة ملازم ثان هناك، وبسبب معرفة المقدم عارف بأنني ابن أخت آمره السابق في وحدات القوة الجوية العقيد الطيار نافع عبد الله الصالحي، فقد قرّبني إليه كثيراً، وراعاني مراعاة أخ كبير لأخيه الصغير.
وعندما اُحيل علي التقاعد وأودع السجن، إثر فشل ثورة العقيد الركن عبد الوهاب الشواف في الثامن من آذار (مارس) 1959 وخلال المدّ الشيوعي الذي ساد العراق خلال النصف الاول من ذلك العام، كنت أزوره في السجن (رقم واحد( في معسكر الرشيد، وأذهب الي دار سكناه بمدينة الضباط في حي (زيونة) بعد إطلاق سراحه وفرض الإقامة الجبرية عليه، ويبدو انه لم ينس موقفي ذاك، معتبراً إياه وفاءً مني، لذلك فقد استمرت علاقاتي معه بعد ثورة 14 رمضان 1963، وعندما تسنّم منصب قائد القوة الجوية العراقية في الشهر الاخير من عام 1963، أصدر أمراً بنقلي الي وظيفة (المرافق الشخصي) إذ بقيتُ ملازماً له حتي السادس عشر من أيلول (سبتمبر) 1965.
ويضيف الرائد احسان ان عارف عبد الرزاق كان عضواً بارزاً في المجلس الوطني لقيادة الثورة، إضافة الي منصبه العسكري الكبير، وأحد أهم قادة الكتلة القومية التوّاقين الي قيام دولة الوحدة بين العراق ومصر بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، يؤيده في ذلك جميع قياديي الكتلة نفسها، وغيرهم من بعض كبار وصغار ضباط القوات المسلحة العراقية، وعدد من الوزراء وكبار الشخصيات والسياسيين، ولما بات الاعتقاد السائد لديهم أن الرئيس عبد السلام عارف قد أمسي يتباطأ في العديد من خطوات الوحدة المزمعة، فقد قدّم عدد من الوزراء استقالالهم، وكان في مقدمتهم اثنان من أصدق أصدقائه، وهما العميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الثقافة والارشاد، والعقيد الركن صبحي عبد الحميد وزير الداخلية آنذاك، وقد لاحظتُ قبل ذلك بأشهر عديدة، وخلال عام 1965، امتعاض عارف عبد الرزاق من إسناد بعض المناصب الوزارية الي بعض الشخصيات، وكنت أسمع منه بحكم عدم وجود ما يحجبني عنه سوي باب خشبي، عبارات غضب مع بعض زائريه أو علي الهاتف، وحتي مع رئيس الجمهورية عبد السلام عارف من خلال مكالماته الهاتفية معه، والتي تجسّمت بشكل ملحوظ بعد إسناد منصب وزير الدفاع الي اللواء الركن محسن حسين الحبيب، الذي لم يكن له دور يذكر ـ حسب رأي عارف عبد الرزاق ـ في ثورتي 14 تموز (يوليو) 1958 و14 رمضان 1963.
وعلي أية حال ـ والحديث للرائد البيرقدار ـ علي الرغم من العلاقات التي شابها الحذر والبرود بين الكتلة القومية والسيد رئيس الجمهورية في اعقاب (أزمة تموز ـ يوليو ـ 1965) فإن عبد السلام عارف فاجأ عارف عبد الرزاق بتكليفه تشكيل وزارة جديدة برئاسته في السادس من ايلول (سبتمبر) 1965، مُسنداً إليه منصب وزير الدفاع ايضا، ومن دون أن يعفيه رسمياً من منصبه كقائد للقوة الجوية، ولكني وجدته متأثراً في أحاديثه مع زائريه ومهنئيه، بعد أن انتقل الي مبني مجلس الوزراء، من قرار اتخذه رئيس الجمهورية بتعديل )الدستور المؤقت( يقضي بإلغاء المجلس الوطني لقيادة الثورة الذي كان يضم في عضويته عددا من قادة (الكتلة القومية) البارزين. وقبل ان يسافر الرئيس عبد السلام عارف الي المغرب لحضور اجتماعات مؤتمر القمة العربي الثالث بيوم واحد، أصدر مرسوماً جمهورياً بتشكيل مجلس جمهوري ينوب عنه طيلة مدة غيابه عن العراق وضّم كلاً من عارف عبد الرزاق وعبد اللطيف الدراجي وزير الداخلية، واللواء عبد الرحمن محمد عارف رئيس أركان الجيش وكالةً.

التمهيد للحركة الانقلابية

ويستطرد المرافق الشحصي للعميد عارف عبد الرزاق في حديثه: لم يمض سوي يوم واحد علي مغادرة عبد السلام عارف للعراق، حتي جلبت سمعي ونظري، وبحكم وظيفتي، ومنذ ظهيرة يوم الإثنين الثالث عشر من أيلول (سبتمبر) 1965 اتصالات هاتفية وزيارات شخصية متكررة قام بها العديد من قادة الكتلة القومية البارزين، وأخص منهم بالذكر، العميد الركن عبد الكريم فرحان، والعميد الركن محمد مجيد معاون رئيس أركان الجيش، والعقيد الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، والعقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، والمقدم الركن رشيد محسن مدير الأمن العام وأشخاص آخرون لم أستطع التعرف عليهم ولكن من دون أن أنتبه الي ما يجري بينهم من أمور، أو أسمع ما يدور معهم من أحاديث خاصة.

البدء بالتنفيذ

مضي يومان علي هذا المنوال، حتي فوجئتُ عصر يوم الاربعاء الخامس عشر من أيلول (سبتمبر) بمجاميع من ضباط ذوي رتب صغيرة (ملازمين أو ملازمين أولين) وقد اُوتي بهم تباعاً في سيارات عسكرية ومدنية مختلفة الطُرز الي مبني المجلس الوطني الذي تستقر فيه رئاسة مجلس الوزراء، حتي بلغ عددهم حوالي مائتي ضابط مع حلول الليل وكان العديد منهم ـ حسبما علمتُ بعدئذ ـ من صنوف (الصاعقة والمظليين والمغاوير) الذين اشتركوا خلال عام 1964 بدورات تدريبية خاصة لدي المؤسسات التدريبية للجيش المصري.
تجمّع الضباط المذكورون في (قبو) مبني مجلس الوزراء الواسع، وباتوا مسلحين إما بغدارات (سترلنك) أو بالمسدسات أو بكليهما معاً، وعلمتُ بعد ذلك أن الذي أشرف علي تجميعهم وتسليحهم هو العقيد الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية الذي كان متواجداً في مكتب رئيس الوزراء خلال تلك الساعات، لاستخدامهم كمجموعات اقتحامية ضمن محاولة انقلابية وتنفيذ مهمات محددة خاصة.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-06-2008, 10:49   #13
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثانية عشرة)

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد

القدس العربي
06/03/2008


حضور سعيد صلييي

مع مغيب شمس يوم الاربعاء، الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) ـ يقول الرائد إحسان عارف المرافق الشخصي للعميد عارف عبد الرزاق ـ اتصل الأخير هاتفياً بصديقه الحميم العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد وآمر الانضباط العسكري واستدعاه الي مكتبه الرسمي، وعلي غير عادته في مرات عديدة سابقة، فقد حضر العميد صليبي هذه المرة وهو محاط بحضيرتين من جنود الانضباط العسكري ذوي القبعات الحمر المدججين بالسلاح، وبصحبته العقيد حميد قادر مدير الشرطة العام (صديق الاثنين).
لم أعرف إلاّ بعد تطوّر الموقف سراعاً، أن عارف عبد الرازق قد فاتح سعيد صليبي حول انقلاب أزمع علي القيام به دون سفك قطرة دم واحدة، موضحاً له أن كل شيء جاهز لإقصاء عبد السلام عارف من سدّة الحكم بسهولة ويسر، إلا أن سعيد صليبي أبي ان يشترك فيه بشكل مطلق، معتبراً ذلك خيانة لزميلهم وصديقهم عبد السلام عارف، الذي ترك العراق معتمداً عليهم، وواضعاً كل اُمور البلاد بين أيديهم مدة سفره، وأن ضميره لا يمكن ان يسمح بإقصاء عبد السلام من الحكم بهذا الأسلوب.
وعلي الرغم من محاولات وتشبّثات جدية لإقناعه، دامت ساعات طويلة، وطالت حتي بعد منتصف الليل إلاّ أن سعيد صليبي ظل مصراّ علي رأيه ولم يتراجع.

الاتصالات الهاتفية ليلة التنفيذ

وفي خضم تلك الساعات، كان آمر القاعدة الجوية في كركوك المقدم الطيار نعمة الدليمي وآمر القاعدة الجوية في الحبانية وكالة الرائد الطيار الركن ممتاز السعدون، وكذلك السفير المصري في بغداد السيد أمين هويدي (أبو هشام) يتصلون بي هاتفياً للاستفسار عما آلت اليه المفاوضات الجارية مع سعيد صليبي، ويستغربون من استغراقها كل تلك الساعات الطويلة، وقد علمت ايضاً خلال تلك الليلة، ان مقر الفرقة المدرعة الثالثة في معسكر الحبانية قد تمّت محاصرته بقوة مسلحة تابعة للقاعدة الجوية في الحبانية نفسها، وذلك نظراً لرفض قيادة تلك الفرقة المشاركة في الانقلاب .

محاولة لتصفية سعيد صليبي

وعندما وصل خبر رفض سعيد صليبي المشاركة في الحركة الانقلابية هذه الي أسماع اولئك الضباط المتجمّعين في (قبو) مبني المجلس، ابتغي العديد منهم الاندفاع نحوه لتصفيته جسدياً، قبل أن يغادر المبني، الا ان العقيد حميد قادر، ومعه العقيد الركن هادي خماس، استطاعا تهدئة حماسهم، خصوصاً بعد أن اضطر عارف عبد الرزاق الي سحب مسدسه الشخصي مهدداً كل من يتقرّب من شخص سعيد صليبي بالقتل.. ولكن ذلك لم يخفّف الغليان الذي انتاب نفوس أولئك الشباب، حتي عزم البعض منهم علي الاندفاع لقتل عارف عبد الرزاق كذلك، ولولا وقفة هادي خماس الحازمة لحصل في مبني مجلس الوزراء مذبحة كان من نتائجها سفك دماء عشرات الضباط (القوميين) أنفسهم.

الانتقال الي دار السكن

ويضيف الرائد احسان قائلا: لما هدأ الموقف بعد ذلك التوتر الشديد، قرر عارف عبد الرزاق ترك مبني مجلس الوزراء والانتقال الي منزله الواقع في شارع الربيعي في مدينة الضباط (زيونة) وبصحبته سعيد صليبي لوحدهما، واستمرت جلستهما ومناقشاتهما الهادئة نسبياً حتي قبيل الفجر دون جدوي، حيث كنتُ اشرف علي تقديم الطعام والشاي والقهوة اليهما، حينها قرر سعيد صليبي مغادرة الدار بحماية مراتب الانضباط العسكري في سيارتين عسكريتين.
ومع الصباح، كان عارف عبد الرزاق غارقاً في التفكير ومهموماً، وقد أحاط به هادي خماس ورشيد محسن، عندها أوضح لهما بأن القناعة قد حصلت لديه أنه وصل الي أبواب موصدة بشأن المحاولة الانقلابية، وقد قرر العدول عنها، وطلب إبلاغ القائمين بها هاتفياً، وتحدث شخصياً مع العديد منهم موضحاً لهم بأنه في حالة تنفيذها بهذا الاسلوب، فإن معارك دامية لا موجب لها ستقع في شوارع بغداد مع اولئك الذين سيُسندون سعيد صليبي وجماعته، لذلك عزم علي ترك العراق مع جميع أفراد عائلته، ودعا كل من يرغب في مصاحبته إلي السفر معه الي القاهرة، إذ ردّد لمرات عديدة وبعبارات ندم وأسي، أنه يخشي كثيراً بل ويشعر بالخجل من أن يتواجه مرة أخري مع الرئيس عبد السلام عارف الذي سيعلم بما اقترفه من عمل غير لائق تجاه صديق عمره وزميل كفاحه ونضاله، سواءً قبل أو عند عودته الي العراق.

التوجه الي مصر

لم يتأخر عارف عبد الرزاق كثيراً في تنفيذ القرار الذي اتخذه، فقد أوصي زوجته بحمل ما خفّ حمله وغلا ثمنه، وتوجّه ظهيرة يوم الخميس السادس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 مع جميع أفراد عائلته الي مطار الرشيد العسكري حيث حضر الي هناك العديد من كبار المشتركين معه في تلك المحاولة الانقلابية، وكان من بينهم هادي خماس، رشيد محسن، عرفان عبد القادر وجدي، والمقدم الركن فاروق صبري عبد القادر معاون مدير الاستخبارات، والرائد عبد الامير الربيعي أحد ضباط مدرسة الدورة، ولكن بشخوصهم دون أفراد عوائلهم.
وفي مطار الرشيد العسكري، كان باستقباله العقيد عزيز أمين آمر المطار وكالة باعتباره الضابط الاقدم فيه، حيث شاهدنا طائرة نقل عسكرية من طراز (آنتونوف 12 ـ أوكرايينا) وقد وقف بقربها قائدها الرائد الطيار طه أحمد، تلك الطائرة التي كانت مهّيأة من حيث الاساس لنقل عشرات من قناني غاز الاوكسجين كمساعدات من العراق الي الجزائر، وبعد ان استقر الجميع علي مقاعدها المصممة لجنود المظلات، أقلعت الطائرة ظهراً متبعة خط الطيران الدولي، وصولاً الي مطار القاهرة الدولي.
ونسيتُ ان أذكر ـ والكلام لا يزال للنقيب إحسان عارف ـ أن عارف عبد الرزاق طلب مني العودة قبيل صعوده الي الطائرة، ولكني أبيتُ ذلك، وفاء مني للقائد الذي راعاني كثيراً وتعامل معي كأخ أصغر، والذي عينني مرافقاً شخصياً له مدة قاربت سنتين كاملتين.

مرافق الرئيس عبد الناصر في المطار

وفي مطار القاهرة الدولي كان في استقبال عارف عبد الرزاق قرب باب الطائرة ضابط مصري برتبة مقدم، كنُت قد تعرّفت عليه سابقاً، اذ كان أحد مرافقي الرئيس جمال عبد الناصر، وكان بادياً علي وجهه مشاعر التعجب من وصول رئيس وزراء العراق ورفاقه الي مصر بطائرة نقل عسكرية متواضعة دون إعلام مسبق.. ولكنه من ناحية اخري، كان قد أحضر معه ثلاث سيارات مدنية، أقّلت عارف عبد الرزاق وعائلته وزملاءه الي حيث لا أعلم.
ويقول المرافق الخاص للعميد عارف عبد الرزاق: أخذت قسطاً من الراحة في قاعة الترانزيت في المطار نفسه، حوالي ثلاث ساعات، تم خلالها اتخاذ اجراءات معينة وتزويد الطائرة بالوقود وبعض المستلزمات، قبل ان أعود الي بغداد مساء اليوم نفسه مع الطيارين والفنيين الي مطار الرشيد العسكري.
وفي بغداد كانت هيئة خاصة قد تشكّلت للتحقيق في المحاولة الانقلابية خلال تلك الايام، حيث تم حجزي حوالي ثلاثة أشهر علي ذمة التحقيق، ولكن من دون اتخاذ إية إجراءات حيال آمر مطار الرشيد العسكري وكالة، أو بحق قائد الطائرة، وبعد اطلاق سراحي، نقلتُ الي قاعدة كركوك الجوية لأعمل فيها ثلاث سنوات، ثم نقلتُ الي صنف المشاة حتي تسنّمت منصب معاون آمر فوج في المنطقة الشمالية، واُحلت علي التقاعد برتبة رائد عام 1971 (انتهي حديث السيد احسان عارف).

حديث السيد صبحي عبد الحميد

علي الرغم من تلك المعلومات المشوقة وغير المسبوقة ـ حسب علمي ـ التي زوّدني بها الرائد المتقاعد إحسان عارف، إلا أنه وبحكم منصبه المتواضع من جهة، وكونه غير ذي علاقة بالكتلة القومية ومحاولتها الانقلابية للإطاحة بالرئيس عبد السلام عارف من جهة اخري، فإنه ـ مع جلّ احترامي لشخصه ـ لا يعدو اكثر من شاهد عيان للحدث وفي ساعاته الاخيرة، ومن دون ان يكون من صُنّاعه ومخطّطيه ومنفّذيه، لذلك فقد أرغمني حديثه ـ لكوني أبحث ببعض العمق في بعض تاريخ فترة حكم الرئيس عبد السلام عارف وشخصه ـ الي التفكير جدياً لإجراء مقابلات مع بعض صانعي الحدث، والخلاف الأكبر الذي فرض أوزاره إبان عهده، فكان الحديث الأهم مع السيد صبحي عبد الحميد، الذي زوّدني مشكوراً بـعشر صفحات كتبها بخط يده عن تلك الحركة الانقلابية وفيما يأتي ملخصها:

الصورة بعد حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963

لم يكن قد مضي اكثر من شهرين علي نجاح حركة 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 والتي جعلت من عبد السلام عارف رئيساً حقيقياً للجمهورية العراقية، وليس رئيساً صورياً كما كان عليه حاله في فترة 8 شباط (فبراير) 1963 التي دامت تسعة أشهر متعاقبة، حتي التأم شمله مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة التي عقدا معاً فيها جلسات عديدة علي هامش اجتماعات مؤتمر القمة العربي الاول المنعقد أواسط كانون الثاني (يناير) 1964، والتي حضرتُها بصفتي وزيراً للخارجية. وكان الرئيس عبد الناصر يتحدث مع الرئيس عبد السلام عن تجربته التي دامت في الحكم: ثلاثة عشر عاما، ناصحاً إياه بضرورة التوصل الي حل جميع مشاكل العراق بالطرق السلمية وبحكمة مؤكداً علي المحافظة علي وحدة العراق وأرضه وشعبه، بقومياته وطوائفه ومذاهبه المختلفة، ومعاملة الجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات. وحل المشكلة الكردية المستعصية سلميا وذاتيا، وتشكيل تنظيم سياسي يستند عليه الحكم ويُسنده، وتأسيس تنظيم عسكري سري يُعتمد عليه بمستوي القوات المسلحة كما هو الحال في مصر. ويضيف السيد صبحي عبد الحميد ان الرئيس عبد السلام استمع الي تلك النصائح باهتمام واقتنع بها، لذلك حال عودتنا الي بغداد كلّفني بتشكيل ذلك التنظيم السري، علي الرغم من كوني وزيراً للخارجية، وعلي غير تماس مباشر مع القوات المسلحة وضباطها، واضطراري للسفر خارج العراق بحكم منصبي، وربّما لعدة مرات خلال الشهر الواحد، وعلي الرغم من تكرار اعتذاري له، إلا أن إصراره جعلني أضطر لمفاتحة زملائي السابقين الذين شكلنا معاً في عهد عبد الكريم قاسم تنظيماً سرياً شارك في القضاء علي حكمه من خلال مشاركتنا الفعالة في ثورة 14 رمضان 1963، قبل أن نقرر حلّه بعيد نجاحها.

تعدد التكتلات السياسية

لم يمض سوي شهر واحد، حتي اكتشفتُ أن أنباء تنظيمنا العسكري السري قد تسرّبت الي كبار ضباط القوات المسلحة، فتطوع المشاغبون ـ وما أكثرهم ـ بالدسّ ضدنا لدي رئيس الجمهورية، مصوّرين له أننا نعيد تنظيماً من الضباط سراً للإطاحة به.
والغريب في الأمر، أن الرئيس قد استمع لهذا الشغب وصدّقه، دون أن يواجه المشاغبين ويدافع عنا، ويُسكتهم بالقول بأنه هو الذي أمرني بإعادة تأسيس هذا التنظيم، وإنه يفترض أن يعتبر نفسه شخصياً علي رأس هرمه، وعلي اتصال مباشر به.
كان في مقدمة أولئك، أخوه الذي نصبه رئيساً لأركان الجيش وكالة اللواء عبد الرحمن، الذي كان يردد دوماً أننا جميعاً أعضاء في حزب يسمي (حركة القوميين العرب)، وذلك إفك وافتراء وبُطلان لا صحة له مطلقاً، وبدلاً من أن يلتزم الرئيس بتنظيمنا المخلص، فإنه أهمله وتجاهله، وأوعز سراً من ناحيته الي العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد بتشكيل منظمة ضباط من أقرانه، كما طلب لاحقاً من العقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري إقامة تنظيم مشابه آخر، والي أخيه اللواء عبد الرحمن عارف بتهيئة تنظيم ثالث.
وهكذا تكوّنت في القوات المسلحة العراقية اربع كتل من كبار الضباط المتنفذين، إضافة الي كتلة خامسة يقودها العميد عبد الهادي الراوي، وأمست جميعاً تتنافس في استمالة الضباط الي صفوفها بطريقة أو بأخري.
ويمضي السيد عبد الحميد في حديثه قائلا: ليت الرئيس عبد السلام طلب إليّ الكفّ عن الاستمرار في تنظيم كتلتنا وصرف النظر عنها، وأن يتولّي هو قيادتها بشخصه بدلاً من تلك الفوضي التي باتت تعّم وحدات ومؤسسات الجيش، ولما اضطررتُ الي مصارحته بذلك، أنكر علمه بوجود مثل هذه التنظيمات.

الكتلة القومية

في شهر آذار (مارس) 1964، وبعد أن اكتشفنا شكوك عبد السلام عارف حيال نوايا كتلتنا، قررنا ـ والكلام للسيد عبد الحميد ـ العمل بصورة مستقلة عن رئيس الجمهورية، دون أن تكون لدينا أية نية للعمل ضده، أو الانقلاب عليه، أو الاستحواذ علي السلطة، بل كانت غايتنا تحصين القوات المسلحة وصون البلد من احتمالات أن يجازف بعض المغامرين ويقفزوا الي السلطة فجأة، وذلك باستثمار واحد أو أكثر من تلك التنظيمات .
ولما كنتُ ـ ومعي العميد الركن عبد الكريم فرحان ـ معارضاً لفكرة أن يقود شخص واحد تنظيمنا، لإيماني بـ)القيادة الجماعية(، فقد عقدت قيادة التنظيم خلال الشهر الاخير من عام 1964 اجتماعا ـ دون استدعائنا ـ وقرر أعضاؤها انتخاب عميد الجو الركن عارف عبد الرزاق رئيساً لقيادة الكتلة.

عبد السلام عارف وعارف عبد الرزاق

ويري السيد صبحي عبد الحميد ان الرئيس عبد السلام خطّط للتخلص من الكتلة، قبل مدة من ذلك الخلاف الذي أدي الي تقديم عبد الكريم فرحان لاستقالته في أواخر حزيران (يونيو) 1965، وتفاقم الي مستوي (أزمة تموز) الوزارية وذلك بتمزيقنا من الداخل، متقرّباً الي عارف عبد الرزاق رئيس الكتلة وذي المنصب الخطير (قائد القوة الجوية) محاولاً بشتي الطرق والاساليب كسبه الي جانبه وإبعاده عن صفوف )الكتلة) موعزاً الي صديقي عارف عبد الرزاق الحميمين سعيد صليبي وحميد قادر للتأثير عليه.
ولما استنتج عارف عبد الرزاق ذلك، صمّم من جانبه ان يكشف خطة عبد السلام عارف ونواياه ومناوراته وأخذ يتردد عليه دوماً، مُبدياً له الود والاخلاص، محاولاً نصحه وإعادته الي النهج السليم في بادئ الامر، ومؤكداً له ان الجميع يحبّونه ويقدّرونه ويحترمونه، وأن معارضتهم لبعض قراراته ليست إلا من قبيل دافع الحرص علي المصلحة العامة.

مشكلة نقل الضباط

ويستطرد السيد صبحي عبد الحميد في حديثه ويقول: في اليوم الأول من شهر ايلول (سبتمبر) 1965 استدعي عبد السلام عارف، اللواء الركن محسن حسين الحبيب وزير الدفاع وسلّمه ورقة تحوي اسماء عشرة ضباط، طالباً نقلهم الي خارج بغداد، وكان علي رأس القائمة العميد الركن محمد مجيد معاون رئيس اركان الجيش، والعقداء الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، وهادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية، ومحمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، وجميعهم من قياديي الكتلة، غير ان وزير الدفاع لم يقتنع بتنفيذ الامر، وبعد أن شاور زميله اللواء الركن ناجي طالب وزير الخارجية بالأمر، قرّر كلاهما تقديم استقالتيهما من منصبيهما، رافضين أن يتحوّلا الي (معول) بيد عبد السلام عارف للتخلص من ضباط هم زملاء للوزراء الذين استقالوا من مناصبهم أوائل شهر تموز (يوليو) من العام نفسه.

عارف عبد الرزاق رئيساً للوزراء

وبخروج وزيرين مهمين من وزارة الفريق طاهر يحيي الثالثة، وبدلاً من إجراء تعديل آخر عليها، فقد قرر عبد السلام عارف تكليف عارف عبد الرزاق قائد القوة الجوية بتشكيل وزارة جديدة، بعد إقالة وزارة الفريق يحيي دون إعلان مسبق.
ولكن قبل ذلك بأشهر، ومنذ انتخاب الكتلة القومية لـعارف عبد الرزاق رئيساً لها، فقد عقد قادتها اجتماعات عديدة خلال النصف الاول من عام 1965، استعرضوا خلالها مواقف عبد السلام عارف من كتلتهم، ودرسوا دوافعها دراسة مستفيضة، فقد توصّلوا الي نتائج منها: أن عبد السلام عارف أخذ يتجه للانفراد بالسلطة، وقد جمّد بشكل شبه نهائي أعمال المجلس الوطني لقيادة الثورة، وأنه عاد يعتمد علي القوي الرجعية ويغازلها، ويتهكّم أمامها علي الوحدة والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي، وأن كرسي الحكم قد أغراه، وحوله الي عنصر لتعويق الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة، وأنه بات يشجّع تأسيس كتل سياسية متعددة، بل ويخلق البعض منها، محرّضاً الواحدة ضد الاخري، ومستهدفاً في المقام الاول تحريض الضباط من ذوي الرتب الكبيرة ضد كتلتنا التي تُعتبر أول كتلة مساندة له، وهو الذي أمرني شخصياً بإعادة تشكليها، كما توصلت الكتلة الي إن الانسجام لدي السلطة العليا للدولة قد اهتزت أواصره، ولا بد من بذل كل الطرق والوسائل لإعادة الثقة بين رئيس الجمهورية وقادة كتلتنا، والضغط عليه لتغيير نهجه الفردي، وإعادة إيمانه بالوحدة والاشتراكية، والاعتماد عليهم سنداً قوياً ليحموه من المؤامرات والانقلابات، وأن لا هدف لـ الكتلة سوي حماية النظام وترصينه والمحافظة عليه، وإذا لم تفد كل تلك المحاولات مع عبد السلام عارف، وأصّر علي الاستمرار في نهجه، فلا بد من التفكير بتغييره.

حكومة ضعيفة

وهكذا.. فعندما رفض عبد السلام عارف حل الكتل السياسية في عموم القوات المسلحة، واكتشف عارف عبد الرزاق نواياه في التخلص من قادة الكتلة القومية بالتدريج، فقد تبلورت فكرة تنحيته عن الحكم بشكل جدي منذ مطلع شهر حزيران (يونيو) 1965.
وعندما شكل عارف عبد الرزاق حكومته أوائل ايلول (سبتمبر) وطرح أسماء وزراء انتخبهم هو، رفضها عبد السلام عارف دون مبرر، فتشكلت الوزارة من عناصر غير معروفة، وبدت ضعيفة، وهاجمتها القوي القومية بشدة ولم يسلم عارف عبد الرزاق نفسه ـ وهو المعروف بتوجهاته القومية والوحدوية ـ من النقد اللاذع، واُتّهم بقبوله ترؤس الوزارة هذه طمعاً منه في تسنم هذا المنصب الرفيع.
ونظراً للصداقة الحميمة التي كانت تربط عارف عبد الرزاق بالعميد سعيد صليبي، فإنه كان يشكو له في جلساتهما الشخصية من فردية عبد السلام وابتعاده عن الخط الوحدوي، وميله للاعتماد علي القوي الرجعية، ولكن سعيد صليبي كان يناور ثلاثة اتجاهات، أولها عبد السلام عارف وثانيها أحمد حسن البكر وعناصر من حزب البعث، وثالثها مع عارف عبد الرزاق ومحاولاته الكثيرة لإبعاده عن كتلتنا.
وعندما شكّل عارف وزارته، كان رأي سعيد صليبي أنه ما دام قد بات قريباً من عبد السلام أكثر من أي وقت مضي، فإن عليهما أن يمنحاه فرصة ثلاثة اشهر ويحاولا خلالها إقناعه بمبدأ الحكم الجماعي وتحقيق الوحدة المنشودة، فإن لم يقتنع ولم يعمل بهذا المنحي، فإن (سعيد) مستعد للمشاركة في إزاحته.
ومن ناحيته فإن عبد السلام عارف اعتقد انه استطاع كسب عارف عبد الرزاق الي جانبه تماماً حين جعله رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع في وقت واحد، وأن الاخير غدا مستعداً لتنفيذ جميع رغباته، وأنه ابتعد عن كتلته القومية، ولغرض جعله أكثر بعداً، فلا بد أن يطلب منه نقل أولئك الضباط الذين رفض وزير الدفاع السابق محسن حسين الحبيب نقلهم قبل أن يقدّم استقالته بسبب ذلك، ولكن عارف عبد الرزاق نفذ أمراً واحداً ضمن باكورة أعماله، حين أصدر أمر نقل العميد الركن محمد مجيد وكان يومها في لندن لغرض المعالجة، من منصب معاون رئيس أركان الجيش الي منصب آمر كلية الاركان، تحت ذريعة أنه ينبغي ان يحوز علي ثقة عبد السلام عارف تمهيداً لتنفيذ ما اتّفقت عليه (الكتلة( حالما يحين الوقت المناسب.

نقل الضباط مرة اُخري

ولدي سفر عبد السلام الي المغرب في الثاني عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 لم ينس أن يسلّم عارف في المطار بغداد، ورقة تحوي اسمي العقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي آمر الكلية العسكرية، والعقيد الركن محمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، طالباً ضرورة نقلهما من منصبيهما الي آمر لواء ضمن تشكيلات الجيش المنتشرة خارج بغداد، وبذلك يمكن فصل عارف عبد الرزاق عن كتلته بشكل نهائي، وخصوصاً اذا ما صدر أمر النقل وهو في المغرب، إذ يمكنه ان يدّعي مستقبلاً أنه لا علم له بذلك، لأن مثل هذه الصلاحية مخولة لشخص وزير الدفاع.
اتصل عارف عبد الرزاق بي هاتفياً ـ والكلام لا يزال للسيد صبحي عبد الحميد ـ وأخبرني بالامر وطلب رأيي فقلت له:
لا تنفّذ الامر، بل صارحه عند عودته بأنك لست علي استعداد لأن تنفذ أمراً رفض وزير الدفاع السابق إصداره، وأن لا داعي لإجراء مثل هذه التنقّلات، بل الافضل العمل علي حلّ جميع الكتل تمهيداً لإبعاد الجيش عن السياسة.
ولتلافي الإحراج الذي وقع فيه عارف، فقد استدعي في تلك الليلة الضابطين عرفان ومحمد يوسف بغية إقناعهما بالموافقة علي النقل قبل إصدار أمره، ولكنهما قالا له: ليكن في علمك، إننا سنكون أول الغيث لأن رئيس الجمهورية عندما يعود فإنه سيطلب منك المزيد، ولكن علي أية حال، فإنك إن أصدرت الامر فإننا مضطران الي تنفيذه وفق التقاليد العسكرية، وعليك موازنة النتائج المترتبة علي ذلك، لكوننا نشغل منصبين مهمين ستخسرهما إذا ما قرّرت القيام بحركة في المستقبل.
وعندما خرج العقيدان من مكتبه، ظل عارف عبد الرزاق في حيرة من أمره، علي الرغم من صلابته وشجاعته وقدرته المشهودة علي تحّمل المسؤوليات مهما كانت خطورتها، وبالاخص عندما واجهه ضباط آخرون باعتراضاتهم عندما سمعوا بالخبر، مذكرين إياه بأن الدور سيأتي علي الباقين، وأن عبد السلام لا يستهدف سوي تشتيت الكتلة القومية ليستفرد بـعارف عبد الرزاق تمهيداً لإقالته من جميع مناصبه في المستقبل القريب، حينئذ يخسر سمعته السياسية، لأن وزارته التي شكّلها قبل أيام غير مقبولة من حيث الاساس في الشارع العراقي، إضافة الي فقدانه سمعته العسكرية والاجتماعية، كونه نقل أعواناً وأصدقاء حميمين طالما اعتمد عليهم، وهم سرّ قوته أمام عبد السلام عارف، لذلك فإن الوقت قد حان فعلاً للتخلص من نظام حكمه، وأن وجوده في الدار البيضاء فرصة ذهبية للإطاحة به.
بات عارف عبد الرزاق ليلته تلك في دوامة لا يستقر علي قرار، فمن جهة فقد وعد سعيد صليبي بمنح عبد السلام عارف فرصة ثلاثة أشهر لتصحيح أخطائه، فليس من المعقول القيام بانقلاب في حين لم يمض علي ذلك الوعد وعلي تشكيل وزارته سوي أيام عديدة، ومن جهة اخري، فأن الرأي العام لا يمكن ان يستوعب ان عارف أطاح برئيس الجمهورية لأنه طلب منه نقل عدد من الضباط، لذلك غدا في موقف حرج للغاية ويا ليته أخذ بنصيحتي.

صبحي عبد الحميد في مواجهة عارف عبد الرزاق

زرتُه صباح يوم الثالث عشر من ايلول (سبتمبر) ـ والكلام للسيد صبحي ـ فروي لي عارف عبد الرزاق ما عاناه في الليلة الماضية، وقص عليّ الضغط الكبير الذي يمارسه ضباط الكتلة للإطاحة بـعبد السلام عارف، فأعدتُ عليه ما اقترحته في الليلة السابقة وقلت له: إن موقفك في الشارع وفي أوساط الجيش قد أصبح سيئاً، إذاً لا بدّ من الإقدام علي خطوة تسترجع بها شعبيتك، لذلك فإن أمامك حلّين لا ثالث لهما:
الاول: أن تستثمر فرصة غياب عبد السلام وتنحّيه عن السلطة نزولاً عند رغبة ضباط الكتلة، والثاني: أن ترفض تنفيذ طلب النقل وتنتظر عودة عبد السلام لتواجهه بصراحة تامة، مُلوّحاً بقوة الجيش والقوة الجوية اللتين أنت مستند عليهما، وتطلب منه الكفّ عن اتباع سياسة )فرّق.. تسُد) وتفرض عليه ضرورة إجراء تعديل وزاري لتدخل في وزارتك عناصر قومية بارزة تختارهم أنت، وبذلك تنال رضا الشارع العراقي الذي خاب ظنّه من وزارتك الحالية، وإني علي يقين أن عبد السلام سيرضخ لكل مطالبك، لأنه غير قادر ـ في هذه المرحلة ـ علي إقالتك ما دامت الوزارة جديدة، والجيش يقفان وراء ظهرك، والشارع يشدّ أزرك، ولقد تركُته متصوراً أنه قد اقتنع بالحل الثاني.

خطة تنحية عبد السلام عارف

ويضيف السيد صبحي عبد الحميد: وفي مساء اليوم نفسه حضر الي مسكني المقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، موضحاً أن ضغط الضباط علي عارف عبد الرزاق قد ازداد هذا اليوم، وأنه اقتنع بضرورة إجراء حركة ينحي بها عبد السلام، وأنه بعثني إليك لاستبيان تصوراتك عن خطة يمكن أن تنفذ. أوضحتُ للاخ رشيد أنه علي الرغم من تفضيلي الحل المقترح الثاني، فإنني ـ نزولاً لمشيئة عارف عبد الرزاق وضباط الكتلة القومية ـ أقترح تنفيذ الحركة وفق ما يأتي: أولاً: أن يستدعي كلاً من العميد سعيد صليبي والعقيد الركن بشير الطالب آمر لواء الحرس الجمهوري والمقدم الركن ابراهيم الداود آمر فوج الحرس الجمهوري الثاني الي مكتبه في رئاسة مجلس الوزراء، تحت ذريعة مناقشة خطة أمن بغداد، وذلك عند انتصاف نهار الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 وحال حضورهم يتم حجزهم في مبني المجلس، حيث يوضعون تحت حراسة ضباط من الكتلة القومية يهيّأون لهذا الغرض.
ثانياً: ينُذر جميع القطعات العسكرية المتواجدة في بغداد تحسباً لأي طارئ.
ثالثاً: يذهب عارف عبد الرزاق بكل هدوء الي دار الإذاعة والتلفزيون، حيث يذيع بياناً بتنحية عبد السلام عارف من جميع مناصبه، وتشكيل مجلس قيادة الثورة مجدداً، وإعادة تشكيل وزارة جديدة.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-09-2008, 10:52   #14
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الثالثة عشرة)
مكالمة هاتفية من مجهول الي العقيد خماس يبلغه بفشل الرائد الربيعي في السيطرة علي معسكر ابي غريب، ومدير الاستخبارات العسكرية يصدق
تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد
yesterday's story

مقدمة: عبد السلام محمد عارف.. ضابط عراقي عربي، دخل التاريخ من أوسع أبوابه في الرابع عشر من تموز (يوليو) 1958 عندما قاد اللواء العشرين من جلولاء وهو آمر فوج ويحمل رتبة عقيد ركن، وفجر ثورة في العراق، توجت نضالات وتضحيات العراقيين ضد الاستعمار والقوي الرجعية وسياسات الأحلاف والمعاهدات التي كبلت العراق وعزلته عن أمته العربية،
وشكلت علامة مضيئة علي طريق التحرر والانطلاق نحو آفاق التقدم والتنمية الوطنية والوحدة العربية، لذلك ليس غريبا ان تقترن ثورة تموز (يوليو) باسم هذا الرجل الذي ضرب أروع الدلالات في الإيثار الوطني والالتزام الاخلاقي، عندما تنحي عن موقعه الفعلي كقائد للثورة ومنفذها الاول الي زميله ورفيقه الزعيم الركن (العميد) عبد الكريم قاسم آمر اللواء التاسع عشر، وفاء منه لكلمة شرف واتفاق اخوة وقسم علي التعاضد والتعاون بما يخدم العراق والأمة العربية، علما بأن الاخير الذي وصل الي بغداد بعد نجاح الثورة بخمس ساعات واحتل مكانه في وزارة الدفاع كرئيس للوزراء وقائد عام للقوات المسلحة ووزير للدفاع، لم يقابل صنيع عبد السلام وفروسيته، الا بالجحود والتعالي، الامر الذي أدي الي انتكاسة الثورة وانحرافها عن الأهداف الوطنية والقومية التي قامت من أجلها، واعتقال مفجر الثورة ومحاكمته وسجنه وإصدار حكم باعدامه في سياق عملية كيدية للانتقام من دوره البطولي في انبثاق الثورة ونجاحها.
عبد السلام عارف رحل الي جوار ربه، نظيف اليد والجيب والوجدان، لم يترك لبناته وأولاده أرصدة وعقارات وممتلكات، ولعلها من المصادفات الجميلة ان يصدر كتاب يؤرخ لجانب من حياة الرئيس الراحل عبد السلام عارف وفي هذا الزمن الذي صار فيه العراق يرزح تحت الاحتلال الامريكي ويحكم من زمر طائفية وعرقية معادية لتاريخ العراق وتراثه الوطني وعروبته، وأجمل ما في الامر ان صاحب الكتاب أكاديمي عراقي ومن القومية التركمانية، ليس محسوبا علي حزب أو جماعة سياسية معينة، بدأ حياته عسكريا وقادته وظيفته ليكون قريبا من رئيس الجمهورية مسؤولا عن حماية داره وضابطا في الحرس الجمهوري، فكتب مشاهداته وانطباعاته بتجرد وحيادية، مدفوعا بموضوعية شديدة ووطنية مخلصة، بعيدا عن المبالغات واصطناع الحوادث والروايات. لقد سرد الدكتور صبحي ناظم توفيق أحداثا عايشها، أو كان قريبا منها أو عارفا ببعض تفاصيلها، وقدمها الي قراء كتابه كما جرت بدون تزويق ومغالاة، وهو جهد يشكر عليه، ومبادرة تستحق الثناء. وفيما يلي الحلقة الثالثة عشرة من اجزاء موسعة من الكتاب.

هارون محمد

الخطة البديلة

يمضي السيد صبحي عبد الحميد في حديثه عن الحركة الانقلابية التي قادها العميد عارف عبد الرزاق منتصف ايلول (سبتمبر) 1965 ويقول: ان العقيد رشيد محسن مدير الامن العام اقتنع تماما بالخطة البسيطة وغير المعقدة التي اقترحتها للإطاحة بالرئيس عبد السلام عارف مؤكداً إمكانية تنفيذها بكل سهولة، غير أن آخرين ـ لا يعرفهم ـ أقنعوا عارف عبد الرزاق بوضع خطة بديلة، تحدّد موعد تنفيذها في منتصف ليلة 14 ـ 15 ايلول (سبتمبر). وكانت الخطة الجديدة تعتمد علي:
أولاً: نزول مجاميع من الدبابات المتواجدة في معسكر أبي غريب بقيادة الرائد عبد الامير الربيعي بعد منتصف تلك الليلة، للتمركز في مواقع محددة وساحات معينة من بغداد، وخصوصاً أمام وحوالي دار الاذاعة والتلفزيون في حي الصالحية.
ثانياً: يتواجد بعض قادة الكتلة القومية مع الدبابات عند وصولها الي منطقة الاذاعة، ويبقون هناك حتي الصباح استعداداً لاستقبال عارف عبد الرزاق لدي حضوره لاذاعة (البيان رقم واحد) للحركة.
ثالثاً: توضع الكلية العسكرية بالإنذار بقيادة العقيد الركن عرفان عبد القادر وجدي للتحرّك عند حدوث أي طارئ.
رابعاً: أن تستعرض طائرات من القوة الجوية بطلعات استعراضية فوق بغداد منذ الصباح الباكر ليوم 15 ايلول (سبتمبر).

الموقف يفلت من يدي عارف عبد الرزاق

ويضيف صبحي عبد الحميد انه مع حلول مساء يوم 14 ايلول (سبتمبر) استدعي عارف عبد الرزاق صديقه العقيد حميد قادر مدير الشرطة العام، وصارحه بعزمه علي تنحية عبد السلام عارف من سدّة الحكم، طالباً منه اللقاء مع العميد سعيد صليبي وضرورة إقناعه بأحد أمرين: إما المشاركة الفعلية في هذه الحركة، أو الانتظار في دار سكناه دون إبداء أية معارضة.
ولكن ما أن اطّلع سعيد صليبي علي هذا الامر حتي ثارت ثائرته، إذ أنذر جميع القطعات العسكرية المرتبطة بقيادته (قيادة قوات بغداد) بضمنها وحدات الحرس الجهوري وأبدي تصميمه علي المقاومة، فاضطر عارف عبد الرزاق لاستدعائه الي مجلس الوزراء محاولاً إقناعه، ولكن عندما علم صليبي أن من ضمن أقطاب الحركة كلا من العقيد الركن عرفان عبد القادر، والمقدم الركن فاروق صبري، والرائد عبد الامير الربيعي الذين كان يكرههم ويخشاهم، رفض المشاركة بأي شكل كان... عندئذ غدا الموقف حرجاً للغاية، فاستدعي عارف عبد الرزاق، سعيد صليبي للمرة الثانية، وأصدر أوامره لكل من العقيد الركن هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية والمقدم الركن رشيد محسن المتواجدين في مبني مجلس الوزراء، وبإمرتهما اكثر من ثلاثين ضابطاً باعتقال سعيد اذا فشل في إقناعه.

اتصال هاتفي من مجهول يلغي الانقلاب

ويشير صبحي عبد الحميد الي انه في خضم مناقشات عقيمة بين سعيد صليبي وعارف عبد الرزاق في مكتب الاخير بمبني مجلس الوزراء، تلقّي هادي خماس مكالمة هاتفية من شخص مجهول ـ قيل إنه الملازم الاول عامر الحمدان أحد ضباط الدبابات المشاركين في الحركة ـ أخبره خلالها بفشل الرائد عبد الامير الربيعي في السيطرة علي معسكر أبي غريب، وأن آمر مدرسة الدروع هناك العقيد صبري خلف واعتقل عبد الامير بينما كانت الحقيقة غير ذلك تماماً.
حاول هادي خماس الاتصال بمعسكر ابي غريب، لمعرفة ما جري هناك، فوجد الخط الهاتفي مقطوعاً، في حين لم يحاول، وكذلك رشيد محسن إرسال أحد الضباط الي ذلك المعسكر لغرض التأكد من صحة الخبر، فلو أرسل أي شخص الي هناك لوجد النقيض، فقد سيطر عبد الامير علي المعسكر، واعتقل آمره العقيد صبري خلف، وأخرج الدبابات الي الشارع العام المؤدي الي قلب بغداد، ولكنه ارتكب خطأ قاتلا عندما قطع خط الهاتف السلكي، وهذا يعني أنه قطع كل اتصال بينه وبين أي شخص آخر، بمن فيهم عارف عبد الرزاق واولئك الذين يقودون هذه الحركة في مبني مجلس الوزراء. ومن المستغرب أن يعتبر هادي خماس ورشيد محسن معاً اعتقال عبد الامير الربيعي من قبل صبري خلف أمراً مسلّماً به، إذ دخل رشيد محسن علي عارف عبد الرزاق في مكتبه، وتحدث معه بعيداً عن سعيد صليبي، مخبراً إياه بالموقف الطارئ الذي حصل، وطالباً منه ضرورة التفاهم مع صليبي بأي ثمن، عند ذاك اضطر عارف لإبلاغ سعيد بأنه قرر تأجيل تنفيذ الحركة، فعاد سعيد الي مكتبه في قيادة قوات بغداد، فيما ذهب عارف الي مسكنه.

الموقف الحقيقي علي أرض الواقع

وبعد ان انتصفت تلك الليلة ـ والحديث للسيد صبحي عبد الحميد ـ علم رشيد محسن بالموقف العسكري الحقيقي للرائد عبد الامير الربيعي، ومن دون أن يستشير عارف عبد الرزاق هرع الي سعيد صليبي في مكتبه محاولاً إغراءه بمناصب عليا اذا ما شارك في هذه العملية، ولكن سعيد الذي بات في موقف قويّ رفض ذلك، وطلب من رشيد التوجّه الي معسكر أبي غريب ليقنع عبد الامير بإعادة الدبابات الي ثكناتها وإطلاق سراح العقيد صبري خلف.
وعلي مضض، أعاد عبد الامير الدبابات، بعد أن جاهد رشيد في إقناعه بأن إصراره علي النزول الي بغداد يعني ان قطعات الجيش ستتقاتل فيما بينها بسبب تصميم سعيد صليبي علي المقاومة.
هرع عبد الامير الي منزل عارف عبد الرزاق بمدينة الضباط في زيونة، شارحاً الموقف أمامه، وعارضاً عليه الحضور معه الي حيث معسكر أبي غريب ليشرف علي أرتال الدبابات المصطفّة علي الشارع العام بنفسه ويقود الحركة، ولكن عارف كان قد أيقن ان الحركة قد انكشفت، وان سعيد صليبي اتصل بعدد من قادة فرق الجيش أيضاً، وان جميع القوات العسكرية الموالية للرئيس عبد السلام عارف ستقف ضد الحركة، لذلك فإنه لا ينبغي أن يكون سبباً في كارثة دموية قد تحصل نتيجة تصادم وحدات الجيش العراقي بعضها مع بعض.

محاولة للاستعانة بنقابات العمال

وفي الصباح الباكر ليوم الخامس عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 ـ يقول السيد صبحي عبد الحميد ـ اتصل بي رشيد محسن هاتفياً، ليعرض فكرة قيام نقابات العمال التي كانت تحت سيطرة الحركة الاشتراكية بإضراب والنزول الي الشارع بمظاهرات تعطي مبرراً لتدخّل وحدات الجيش لغرض السيطرة علي الوضع العام، حيث يتم تنفيذ خطة الانقلاب وفق ذريعة معقولة..
إلا أنني رفضت ـ يؤكد صبحي ـ ذلك لكونه مقترحاً سقيماً، ولأن الأمر بات خارج سيطرتنا، بحيث غدا المفتاح الآن بيد سعيد صليبي ووحدات الحرس الجمهوري، ثم ان الاستحضارات لإخراج العمال للتظاهر تحتاج الي استعدادات قد تستغرق يومين كي تكون السيطرة سهلة علي التظاهرات.. ولكن رشيد محسن أوضح لي أن هذا هو رأي عارف عبد الرزاق، ورجا مني أن أذهب اليه بغية التوصل الي حل ناجع ينقذ الموقف القائم.

صبحي عبد الحميد في
بيت عارف عبد الرزاق

وتوجهت ـ يضيف السيد عبد الحميد ـ الي دار عارف لأجد هناك العقيد الركن محمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، وأوضحت له الرأي نفسه، فسألني: ما الحل في نظرك؟ قلت: إذهب الي مكتبك وكأن شيئاً لم يكن، وكرر العملية الانقلابية هذه الليلة، ولكن وفق إجراءات حاسمة واستحضارات جيدة.. وقد أيدني محمد يوسف في هذا الطرح.
ولكن عارف رفض ان يتحمل مسؤولية صدام قد يحدث بين القوات المسلحة في شوارع العاصمة، فقلت له: حسناً لا بأس.. انتظر عودة عبد السلام لتواجهه بقوة، وتخيّره بين أن يكفّ عن مناوراته، وبين ان يعرّض البلد الي كارثة.
وقد علمت بعد ذلك ـ والكلام للسيد صبحي عبد الحميد ـ أن سعيد صليبي وحميد قادر قد زارا عارف عبد الرزاق في داره، وتوسّلا إليه ان يغادر العراق حقناً للدماء، لأن القوات المسلحة قد انقسمت علي نفسها. ونزولاً من عارف لذلك الرجاء، فقد ضحّي بسمعته، وهو الشجاع الذي لا يهاب الموت، فقرر فعلاً السفر ومغادرة وطنه وبصحبته كل من هادي خمّاس، عرفان عبد القادر وجدي، رشيد محسن، فاروق صبري، وعبد الامير الربيعي.

القاهرة في حرج

سبّب وصول عارف عبد الرزاق ـ والحديث لا يزال للسيد صبحي عبد الحميد ـ بصحبة أقرانه الي القاهرة إحراجاً للحكومة المصرية، التي لم تكن علي علم مسبق بالحركة، وما كانت لتوافق أو تؤيد أي انقلاب ضد عبد السلام عارف في ذلك الوقت، بل كانت تكتفي بعلاقات قوية ومتينة بين البلدين وفق سياسة عربية ودولية متناسقة بينهما.. وكانت تلك قائمة ومؤمّنة مع العراق في حينه.
وعندما تلقّي الرئيس عبد الناصر برقية من القاهرة تعلمه بالحركة، فقد أخبر الرئيس عبد السلام بذلك في الدار البيضاء.
وفي بغداد اجتمع مجلس الوزراء برئاسة اللواء عبد الرحمن عارف عضو مجلس الرئاسة الذي ينوب عن الرئيس عبد السلام طيلة غيابه عن القطر، فقرر إرسال الدكتور عبد اللطيف البدري وزير الصحة بطائرة خاصة الي المغرب لبيان التفاصيل أمام رئيس الجمهورية.
وعندما عاد الرئيس عبد السلام الي بغداد بسلام، كانت باكورة أعماله أن وضعني والعميد الركن عبد الكريم فرحان وزير الارشاد والثقافة السابق تحت الإقامة الإجبارية في مسكنينا، وأصدر أمراً بتوقيف باقي الضباط من قادة الكتلة القومية، وفي مقدّمتهم العقيد الركن محمد يوسف طه مدير الحركات العسكرية، والعقيد الركن عدنان أيوب صبري سكرتير رئيس أركان الجيش.
أما العميد الركن محمد مجيد الذي تسنّم منصب آمر كلية الاركان مؤخراً، وكذلك العميد نهاد فخري مدير مخابرات الجيش فقد اختفيا في بغداد اول الامر قبل ان يصل إليهما أفراد من مفارز الانضباط العسكري وتم توقيفهما.

الاسباب الكامنة وراء الإخفاق

يري السيد صبحي عبد الحميد ان الاخفاق الذي صاحب الحركة الانقلابية تمثل في ما يأتي:
* : تبديل الخطة المقترحة، وقد استفسرتُ بعمق من الإخوة عارف عبد الرزاق، هادي خماس ورشيد محسن عمن تسّبب في تغيير الخطة التي اقترحتها، فاتهم كل واحد منهم الآخر، فلم أتوصل الي نتيجة مقنعة.
* ثانياً: مفاتحة عارف عبد الرزاق المبكرة لكل من سعيد صليبي وحميد قادر وإبلاغهما بالحركة قبل البدء بتنفيذها، وذلك ساعد سعيد صليبي، علي إنذار القطعات العسكرية التي تحت إمرته.
* ثالثاً: غموض الموقف في معسكر ابي غريب: ظل الموقف الذي كان سائداً في معسكر أبي غريب غامضاً لسبيين:
الاول: قطع عبد الامير الربيعي للخط الهاتفي الوحيد لمعسكر أبي غريب، مما تسبّب في عدم معرفة حقيقة الموقف هناك.
الثاني: عدم إقدام أي من هادي خماس ورشيد محسن علي اتخاذ خطوة للتأكد من الموقف القائم في المعسكر بعد تلك المكالمة الهاتفية الغامضة التي وردت من )مجهول( عن فشل عبد الامير في الاستيلاء علي المعسكر.
* رابعاً: فقدان الجرأة في الاستمرار علي تنفيذ الخطة بعد أن علم رشيد محسن بحقيقة سيطرة عبد الامير علي أبي غريب.
* خامساً: خطأ القرار الذي اتخذه عارف عبد الرزاق بمغادرة بغداد الي القاهرة قبل أن يستنفد جميع السبل المتاحة لإعادة الكرّة.

البزاز يتوسط لرفع الإقامة
الجبرية عن صبحي وفرحان

بعد تكليف الرئيس عبد السلام عارف للسيد عبد الرحمن البزاز نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية في حينه بتشكيل وزارة عراقية جديدة، وهو الرجل الكفء المشهود له بالحزم، والذي تمكّن فعلاً من الحدّ من اندفاعات عبد السلام باتهام القاهرة بالمشاركة في تلك الحركة الانقلابية، أو علمها بها، ناهيك عن الحد من تماديه في توقيف الضباط، إلا إذا ثبت اشتراكهم في الحركة بشكل عملي، وبعد ضغط من الاستاذ البزاز استمر حوالي ثلاثة أشهر، أمر عبد السلام برفع الإقامة الجبرية عني وعن عبد الكريم فرحان.

رأيي الأخير في عبد السلام عارف

بعد حوالي سبعة أشهر علي تلك الحركة، ولما لقي الرئيس عبد السلام عارف مصرعه في حادث الطائرة السمتية ـ يقول صبحي عبد الحميد ـ فقد أسفتُ لوفاته، بل حزنتُ عليه كثيراً، وعرضتُ في ذاكرتي تلك العلاقات الجيدة التي ربطتني معه منذ 14 تموز (يوليو) 1958 والي حين خلافاتي معه، وهي غير شخصية بالتأكيد، لذا فإن شعوري لم يكن قد تبدّل نحوه، بل بقيتُ أحفظ له الودّ دوماً وأترحّم علي روحه.
فرحمة الله علي عبد السلام محمد عارف، إذ لم أكن أتمني له تلك النهاية المحزنة.. (انتهي حديث السيد صبحي عبد الحميد).

حديث السيد هادي خماس

كان لا بد لي ـ وأنا أبحث عن هذا الموضوع الذي غدا شائكاً ومعقداً ـ من التوجه الي العقيد الركن المتقاعد هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية (منذ مطلع عام 1964 لغاية يوم المحاولة الانقلابية الذي صادف منتصف شهر أيلول (سبتمبر) 1965)، وأحد قادة الكتلة القومية وعضو المجلس الوطني لقيادة الثورة آنذاك، وأحد أبرز صنّاع ذلك الحدث، إضافة الي كونه أحد المسؤولين الرئيسيين عن التخطيط لتلك المحاولة والإشراف علي تنفيذها...
وقد زودني مشكوراً بـ(22) صفحة مكتوبة بخط يده علي شكل إجابات علي استفسارات وجّهتها اليه حول العلاقات التي سادت بين الرئيس عبد السلام عارف والكتلة القومية، وعن كيفية التفكير في الانقلاب والتخطيط له وأسباب فشله، وملخص ما قاله:
كان التفكير قائماً بضرورة تغيير نظام حكم الرئيس عبد السلام عارف قبل أن يتسّنم عارف عبد الرزاق رئاسة الوزراء أوائل شهر أيلول (سبتمبر) 1965، إذ قدّرنا استغلال سفر رئيس الجمهورية الي المغرب يوم الثاني عشر منه للتعجيل بالعملية، أما عارف عبد الرزاق نفسه، فلم يكن علي عجلة للتغيير المرغوب في الفترة التي سبقت سفر عبد السلام، ولكن عندما سلّمه عبد السلام عارف قائمة بأسماء عدد من ضباط الكتلة القومية، طالباً منه نقلهم الي تشكيلات عسكرية خارج بغداد أثناء سفره، استشار عارف عبد الرزاق قادة الكتلة، فأشاروا عليه بعدم نقلهم، وبينوا له أن هذا سوء نيّة من قبل عبد السلام، ونصحوه بالحركة الانقلابية فاضطر للاستجابة لهم.
كنتُ شخصياً مؤمناً بضرورة إقصاء عبد السلام من رئاسة الجمهورية ـ يقول هادي خماس ـ ولعدة عوامل، منها: اتجاهه نحو الفردية وابتعاده عن الحكم الجماعي، لكونه وحدوياً بالكلام وليس بالافعال، واتباعه سياسة (فرّق تسد) بين الضباط، إضافة الي تشكيله كتلاً سياسية داخل القوات المسلحة، إلا أن تلك الأمور لم تجعلنا في موقف نبتغي منه مسّ شخصه بأي سوء، وذلك وفاءً لعلاقات الأخوة التي كانت قائمة بيننا منذ سنوات عديدة.
وفي يوم سفر الرئيس الي المغرب، ولما علمنا بالطلب الذي أراد فرضه علي عارف عبد الرزاق بشأن نقل بعض الضباط القوميين الي خارج بغداد، من أولئك الذين كانوا دعامة لنظام الرئيس نفسه، فقد توافد معظم قادة الكتلة القومية علي دار عارف عبد الرزاق بمدينة الضباط في حي زيونة، لغرض التداول في موضوع تغيير الحكم.

خطة الحركة

وبعد أن تم الاتفاق علي الخطة، بدأنا بالاستحضار لتنفيذها، فاستدعي عارف عبد الرزاق العميد سعيد صليبي الي مكتبه في مبني مجلس الوزراء مع مغيب شمس يوم الرابع عشر من ايلول (سبتمبر) 1965 ليبلغه عزمه علي البدء بعملية انقلابية، طالباً منه التعاون معه في هذا المجال، فوافق سعيد علي ذلك من حيث المبدأ، ولكنه لما علم بمشاركة كل من العقيد الركن عرفان عبد القادر، والمقدم الركن فاروق صبري، والرائد عبد الامير الربيعي ضمن مجموعة الضباط القائمين بها، عدل عن رأيه، لخشيته منهم، واعتقاده بأنهم سيقضون عليه إذا نجحت الحركة.. فما كان منه إلا أن ترك مبني مجلس الوزراء متجّهاً الي حيث قيادته في موقع بغداد وآمرية الانضباط العسكري في ثكنة وزارة الدفاع، بغية التنسيق مع الوحدات العسكرية الموالية له، وكذلك مع وحدات الحرس الجمهوري في بغداد لمقاومة الحركة، إذا ما اندلعت.
واشار هادي خماس الي الخطة التي اقترحها صبحي عبد الحميد لتنفيذ الحركة ـ سبق الحديث عنها آنفا ـ وقال ان الخطة اُبدلت، إذ تم تقديم موعد البدء بالحركة الي منتصف ليلة 14 ـ 15 ايلول (سبتمبر) من جهة، وأن يتم تمركز الدبابات التي تنطلق من معسكر أبي غريب في مواقع محددة، وفي مقدمتها المنطقة المحيطة بمبني الاذاعة والتلفزيون في الصالحية ، وذلك قبل أن يذهب عارف لإلقاء البيان الاول للحركة صباح يوم 15 ايلول (سبتمبر).. ولا اعلم لحد الآن من الذي كان صاحب الخطة البديلة.
وعندما كنا في مبني مجلس الوزراء، وبعد ساعات من التوجّه نحو التنفيذ مساء يوم 14 ايلول (سبتمبر)، اتصل بي هاتفياً أحد الضباط ليقول لي: إن عبد الامير الربيعي فشل في السيطرة علي معسكر أبي غريب. ومن دون أن أخوض في التفاصيل، فقد توالت الأحداث في تلك الليلة وتسارعت، وأدت الي فشل المحاولة، مما قادنا الي التفكير بمغادرة العراق، حيث لم يعد أمامنا إلا السفر إلي مصر.
ومما يجدر ذكره في هذا الشأن أن عارف عبد الرزاق لم يكن قد قرر ترك العراق بالنصيحة التي قدمها سعيد صليبي فحسب، بل ان السيد عبد الستار علي الحسين وزير العدل السابق قد أشار عليه بذلك أيضا.

المغادرة الي القاهرة

ولما علمتُ بالقرار ـ يضيف هادي خماس ـ ذهبت الي منزل عارف في حي الضباط بزيونة، حيث كان هناك كل من العقيد الركن عرفان عبد القادر آمر الكلية العسكرية، والمقدم الركن رشيد محسن مدير الامن العام، والمقدم الركن فاروق صبري معاون مدير الاستخبارات، والرائد عبد الامير الربيعي من مدرسة الدروع، فتحركنا معاً الي مطار الرشيد العسكري لتقلّنا طائرة نقل عسكرية الي القاهرة، وفي الجو، وعندما أخبر قائد الطائرة مطار القاهرة الدولي أن طائرته تحمل رئيس وزراء العراق بصحبة عدد من الضباط، فقد سُمح بهبوطها رسمياً، حيث استقبلنا مسؤول من مكتب اللاجئين وآخر في المخابرات المصرية، قبل أن نتوجه الي أحد فنادق القاهرة بشكل مؤقت، حيث تقرر بعد أيام أن تُستؤجر لنا شقق نسكن فيها، بعد ان خصصت الحكومة المصرية رواتب محددة لكل منا.

لاجئون في مصر

كان ارتباطنا طيلة إقامتنا في العاصمة المصرية بالعقيد حسن رأفت المشرف علي مكتب اللاجئين في رئاسة الجمهورية، وهو الذي زودنا ببطاقات اللجوء، بينما كان راتبنا الشهري لا يتجاوز (110) جنيهات مصرية، والتي كانت لا تُسمن ولا تُغني من جوع.
وهنا ينبغي أن أذكر، أن وصولنا المفاجئ الي القاهرة كان أمراً محرجاً للحكومة المصرية التي كانت تلتزم بعلاقات أخوية مع العراق، في حين كانت العلاقة حميمة بين الرئيسين جمال عبد الناصر وعبد السلام.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-10-2008, 09:37   #15
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الرابعة عشرة)

سرت شائعة فقدان طائرة عبد السلام في البصرة عندما لم يحضر الرئيس والمحافظ حفل عشاء في فندق شط العرب اقامه الثاني تكريما للأول

تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد
10/03/2008


عبد السلام عارف في البصرة

لم يلفت انتباهنا كثيراً ذلك الخبر الذي نشرته صحف الثلاثاء الثاني عشر من نيسان (ابريل) 1966 عن مغادرة اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة، بغداد الي موسكو علي رأس وفد عسكري كبير، رغم ان وكالات الانباء العالمية والعربية ركزت في تعليقاتها مساء ذلك اليوم، علي أنها محاولة من العراق لإعادة علاقاته التسليحية والعسكرية مع الاتحاد السوفييتي، فقد كان علمنا كـ)حرس جمهوري) وكما كان مقرراً ومعلناً في جميع الصحف العراقية الصادرة قبل ثلاثة أيام بأن رئيس الجمهورية قد غادر مطار بغداد الدولي صبيحة ذلك اليوم الي البصرة يرافقه ثلاثة من الوزراء هم: اللواء عبد اللطيف جاسم الدراجي وزير الداخلية والدكتور محمد ناصر وزير الثقافة والارشاد والدكتور مصطفي عبد الله طه وزير الصناعة وعدد من المسؤولين الآخرين، وقد أقلّتهم إحدي طائرتي الرفّ الجمهوري من طراز (توبوليف 124).

وصول طائرات الهليكوبتر الي البصرة

منذ صباح يوم السبت التاسع من نيسان (ابريل) كان المرافق الاقدم لرئيس الجمهورية العميد زاهد قد أصدر أمراً يقضي بإرسال ثلاث طائرات هليكوبتر من بغداد الي البصرة، لاستخدامها في تنقلات رئيس الجمهورية والوفد المرافق له أثناء تجواله هناك، وقد أقلعت في صباح الإثنين الحادي عشر من نيسان (ابريل) الطائرات الثلاث من قاعدة الرشيد الجوية، حيث قاد النقيب الطيار خالد محمد نوري آمر السرب الرابع وكالة، الطائرة الاولي وكانت الثانية بقيادة الملازم الاول الطيار منذر سليمان عزت، بينما قاد الملازم الاول الطيار عثمان نوري علي الطائرة الثالثة، ولم يصطحبوا معهم سوي الملازم الطيار مذكور فليح الربيعي معاوناً لهم، بمثابة (طيار احتياط) قد يحل محل أحدهم لأي سبب كان، وبعد رحلة دامت حوالي ساعتين، هبطت الطائرات الثلاث في قاعدة الشعبية الجوية قرب البصرة في ضحي ذلك اليوم.

منهج الثلاثاء الحافل

عندما هبطت الطائرة النفاثة التابعة للرف الجمهوري وتوقّفت علي أرض مطار البصرة كان في مقدمة مستقبلي رئيس الجمهورية السيد محمد الحياني متصرف (محافظ) البصرة، واللواء الركن عبد المجيد سعيد مدير الموانئ العام، وذلك في صباح الثلاثاء الثاني عشر من نيسان )ابريل) 1966، وبعد ان سلم الرئيس علي مستقبليه واحداً بعد الاخر، انطلق موكبه نحو المدينة، في حين احتشدت الجماهير علي جانبي الطريق تحيّيه تصفيقاً وهتافاً، حتي وصل الي الموقع الذي تقرّر أن يُقام فيه جامع يخّلد استشهاد (العقيد جلال أحمد اسماعيل( الذي سحله الشيوعيون عام 1959 وقتلوه ومثّلوا بجثته، وبعد ان وضع عبد السلام عارف الحجر الاساس للجامع، توجّه الموكب الي آمرية موقع البصرة ليلتقي بضباطها ومراتبها، ويرتجل فيهم أول خطاب له في تلك الرحلة، ثم توجه الي نادي القاعدة الجوية وتناول طعام الغداء في حدائقه. وبعد ذلك، اخترق الموكب شوارع البصرة المزدانة بالأعلام والأقواس والجماهير المحتشدة بصعوبة كبيرة، متوجهاً الي قضاء أبي الخصيب ليضع حجر الأساس لمعمل الأسمدة الكيميائية هناك، قبل ان يتوجه الي مدينة الزبير لحضور وليمة عشاء أقامها أهلها تكريما له، حيث اُستقبل بحفاوة بالغة واستمع الي كلمات الترحيب وقصائد الشعراء.
وقف عبد السلام والقي خطابا مرتجلاً تضمن عبارات واضحة تشير الي التحركات الاستعمارية في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي، حيث عرج الي قيام بريطانيا بنقل قاعدتها العسكرية من عدن الي البحرين، وهنا تقدّم منه متصرف البصرة محمد الحياني هامساً في اُذنه عبارة لم يسمعها أحد، ولكن الرئيس قال صائحا: وماذا يعني؟ فليكن ما يكون؟
واستدرك عبد السلام عندما انتبه الي ان الحاضرين لم يفهموا شيئاً، فأضاف مفسّراً ان الاخ محمد يقول: ان من بين المدعوين عددا من القناصل العرب والاجانب.. لا يهمّ! وهل انا خائف منهم؟! عندها قوبل بعاصفة من التصفيق الحاد، ولم يغادر الرئيس مدينة الزبير الا قبيل منتصف الليل.. في حين لم يكلف إحدي طائرات الهليكوبتر في ذلك اليوم بأية مهمة.

منهج الاربعاء المرهق

في صبيحة يوم الاربعاء، الثالث عشر من نيسان (ابريل) 1966 كان موكب رئيس الجمهورية متوجهاً نحو مدينة الهارثة، وعند وضعه الحجر الاساس لمعمل الورق فيها، كانت حشود كبيرة من المواطنين تردّد الأهازيج، وتؤدي الدبكات الشعبية، واطلاق الهتاف الذي كان سائداً في عموم (إحنا جنودك يا سلام)، ثم انطلق الموكب نحو قضاء القُرنة يحيط به فرسان يمتطون خيولاً عربية أصيلة يواكبون عبد السلام بالأهازيج ومن دون أن يتوقف في تلك المدينة، فقد توجه الي قرية (الهوير الكبير) التي أعدّ فيها الشيخ الحاج جمعة العبادي بيت قصب ضخما لضيافة الرئيس وصحبه، حيث ربط أمامه جملاً لينحره مع مجاميع من الخراف.
ومن قرية الهوير، انطلق الموكب الكبير لتجتاز سياراته مناطق الاهوار، الي ناحية (المدينة( ليستقلّ الرئيس وصحبه زوارق بخارية مع وجهاء المنطقة عابرين نهر الفرات، حيث تجمّع الناس، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً، يحيّون رئيس الجمهورية بالتصفيق والهتاف والأهازيج، حتي عاد الي قضاء القرنة، حين كان قائمقام القضاء عبد اللطيف الجبوري قد هّيأ طعام الغداء، ضمن وليمة كبري، لم يتم تناوله إلا في الساعة الرابعة والنصف عصراً.
وبينما كان عبد السلام عارف يلهي نفسه بطعام خفيف، وقد بدت علي وجهه السعادة والفرح، فقد كان يدعو الآخرين لتناول هذا الصنف من الطعام أو ذاك، قبل ان يطلب (سجّادة( لأداء صلاة العصر، والتي ستكون الأخيرة في حياته، ويهّم بعد ذلك بمغادرة القرنة للعودة الي البصرة بطائرات الهليكوبتر، حيث انتهي منهج الزيارة لذلك النهار.

العودة الي البصرة ليلا

استناداً الي التوقيتات المحددة لمنهج الزيارة، وتأسيساً علي الخطّة الموضوعة سلفاً، والمبلّغة الي الطيارين والحضور عموماً، فقد كانت طائرات الهليكوبتر الثلاث التي هبطت في ملعب الادارة المحلية لمركز قضاء القرنة قبيل الساعة الواحدة من ظهر ذلك اليوم، جاهزة من جميع الوجوه لإعادة رئيس الجمهورية وصحبه من القرنة الي البصرة، حيث كان الموعد المقرر للإقلاع هو الساعة الرابعة والنصف عصراً.
ولكن الذي حدث، ان عبد السلام عارف كان لا يزال جالساً في الحديقة المطلّة علي مياه النهر حتي الساعة الخامسة والنصف، متحدثاً مع الوزيرين: اللواء عبد اللطيف الدارجي، والدكتور مصطفي عبد الله، والعميدين المهندسين: جهاد أحمد فخري مدير عام مصلحة الكهرباء الوطنية، وعبد الهادي الحافظ وكيل وزارة الصناعة، عندما انتصب أمامه قائمقام قضاء القرنة عبد اللطيف الجبوري، ملتمساً منه حضور مهرجان شعبي أقيم تكريما له في ملعب الادارة المحلية وسط المدينة. وأجابه عبد السلام عارف: ولكن الوقت أدركنا، وليس من المعقول ان نتأخر عن الساعة السادسة، لأن الطيارين لا يقدرون علي الطيران ليلاً!
وتحت إلحاح ورجاء شديدين اضطر عبد السلام الي الاستجابة مع بعض التردّد، فسار مع صحبه راجلاً الي )الملعب( الذي طوّقته الجماهير من جهاته الاربع.
وبدأ المهرجان، وتتابعت الخطب الطويلة والعبارات الرنانة والقصائد حتي وجد عبد السلام نفسه مضطرا لإلقاء كلمة، تحوّلت الي خطاب مرتجل ودافئ، إذ قال فيه: إننا لم نكن نريد لأنفسنا مكاسب معينة حينما ثرنا، بل كان ذلك من أجلكم، لتأمين حياة أسعد لكم، وإننا لا نعمل في سبيل تلبية مطاليب أهالي القرنة فحسب، إنما نتمني لو استطعنا ان (نزوّجكم( جميعاً، ونذراً عليً يا أهل القرنة، لو أمدّ الله في عمري لأزوّجكم جميعاً، لتنجبوا لهذا الوطن صبياناً وبنات نفتخر بهم. وفي تلك اللحظات سمع عبد السلام صوت المؤذن الداعي الي صلاة المغرب، فاستبشر كثيراً قبل ان يقول: وهذه شهادة علي صدق حديثي ان شاء الله وأعتذر عن عدم البقاء اطول مما بقيت معكم، فالطيارون لا يستطيعون أن يطيروا، وأنا أطلت البقاء، فكيف أقوم بواجباتي يوم غد لا سيما وان منهجاً حافلاً آخر ينتظرني هذه الليلة؟

الوداع الأخير

وبدأ الظلام يحل شيئاً فشيئاً، بعد أن غربت شمس ذلك اليوم في حوالي الساعة السادسة، ولربما لم يتحسّس معظم الحضور ذلك، فقد كانت الساحة منارة بتسليط أضواء ضخمة عليها وقد جاوزت الساعة السادسة والنصف، عندما راح عبد السلام يلّوح بيديه مودّعاً الجماهير، وسط تصفيق حاد تخلّلته الأهازيج والهتافات العالية، وتوجّه محاطاً بصحبه الي حيث كانت طائرات الهليكوبتر تنتظر والهتافات تتعالي: (إحنا جنودك يا سلام) و(عبد السلام محبوبنا.. مكتوب جوّه قلوبنا) وفي مدخل الطائرة قال عبد السلام لمودّعيه بصوت عال: (في أمان الله.. في أمان الله). فرد عليه الحضور: في أمان الله.. في أمان الله يا أبو احمد. وصعد معه في الطائرة نفسها كل من عبد اللطيف الدراجي وزير الداخلية، ومصطفي عبد الله وزير الصناعة، وجهاد أحمد فخري مدير عام الكهرباء. وعبد الهادي الحافظ وكيل وزارة الصناعة، ومحمد الحيّاني متصرف (محافظ) البصرة، والعميد زاهد محمد صالح المرافق الاقدم للرئيس، وعبد الله مجيد سكرتير عام رئاسة الجمهورية. وبعد أن تم تشغيل محرك الطائرة والتأكد من سلامة الأجهزة والمعدات، صعد اليها نائبا الضابطين: الكهربائي محمد عبد الكريم، والبرّاد كريم حميد.
وركب في الطائرة الثانية كل من بايز عزيز متصرف (محافظ) الناصرية، وابراهيم الولي رئيس التشريفات وكالة، والمقدم الركن فاضل مصطفي أحمد (مقدم لواء الحرس الجمهوري)، والمقدم الركن قاسم حمودي آمر موقع البصرة وكالةً، والمقدم الركن زكي الصائغ (ضابط ركن الموقع)، وشاكر الغرباوي رئيس بلدية الناصرية، وأحمد الحسّو مسؤول الاعلام في رئاسة الجمهورية، وفيصل حسون نقيب الصحافيين، وعبد العزيز بركات رئيس تحرير صحيفة (المنار).
أما الطائرة الثالثة فقد كانت مخصّصة للصحافيين والمصورين ومراسلي الصحف والإذاعة والتلفزيون والسينما. اقترب الملازم شهاب احمد الدليمي (1) ـ آمر فصيل الحماية الشخصية ـ من الرئيس عبد السلام قبيل صعوده الي متن الطائرة، ليوضّح له ان صداعاً شديداً قد ألمّ برأسه، بعد أن أرهقته تدابير الحماية والجولات الطويلة منذ الصباح الباكر لذلك اليوم، وأنه لا يستطيع الصعود في الطائرة، وسيعود الي البصرة بالسيارة الخاصة المكشوفة مع السائق حميد بلاسم،
فرد عليه رئيس الجمهورية ساخراً: (إتخسه .. انت السبع وتخاف من الطيارة؟) و(إتخسه) مفردة شعبية عراقية تعني (عيب)، كان ذلك قبل أن يسلّم عبد السلام نظارته الطبية ومسدّسه الشخصي الصغير من طراز (وبلي) الي مرافقه الشخصي الملازم الاول رشيد علوان المهداوي ويوصيه قائلاً باللهجة العامّية: (دير بالك علي شهاب.. مبيّن ما له خُلُك(، وتعني خذ بالك من زميلك الملازم شهاب المريض والمصاب بالصداع، وكانت تلك آخر عبارة سمعها الملازم شهاب من الرئيس.
أما الطيارون، فعندما شاهدوا رئيس الجمهورية وهو يتّجه سيراً علي الأقدام نحوهم، أراد قائد التشكيل النقيب الطيار خالد محمد نوري، التأكد من سلامة عمل واتصال الأجهزة اللاسلكية، فنادي بالجهاز علي قائد الطائرة الثانية الملازم الاول الطيار منذر سليمان عزت، فأجابه بوضوح. وفي الساعة السابعة إلا عشر دقائق مساءً، أقلعت الطائرة الاولي، وتبعتها الثانية بعد لحظات، فارتفع الغبار الكثيف بسبب سرعة الدوران الشديدة لمروحتي الطائرتين، وذلك دأب الطائرات السمتية عند الاقلاع، وخصوصاً اذا كانت الارض التي تحتها هشّة وترابية أو رملية.
وبعد عُطل أصاب محرك الطائرة الثالثة، وتم إصلاحه خلال أربع دقائق، أقلعت الطائرة الثالثة بقيادة الملازم الطيار عثمان نوري علي، يعاونه الملازم الطيار مذكور فليح الربيعي، متبّعة الطائرتين نحو البصرة في طيران ليلي، كان مقررا له ان يستمر حوالي نصف ساعة. وبعد طيران دقيقتين تقريباً في ذلك الظلام الدامس، وعندما علم المراقب الجوي لمطار البصرة الدولي فريد عبد الاحد ان إحدي الطائرتين تحمل رئيس الجمهورية، أعطي للطيارين التقرير الجوي الاعتيادي باللغة العربية وتضمن: (اتجاه الريح 350 درجة، سرعة الريح: 4 عقد جوية، مدي الرؤية 4 كيلومتر مع وجود أتربة معلّقة في الجو، الغيوم معدومة، الضغط الجوي: 1008.6 ملّيبار). ولم يتلقّ الطيارون بعد ذلك، سواء من مطار البصرة، أو من غيره أي تحذير لأي سوء في الاحوال الجوية السائدة، وبينما تأمن تبادل الرؤية بين الطائرتين الاولي والثانية، فإن ثالثتهما كانت متأخرة عنهما، ولكن الاتصال اللاسلكي بين الطيارين جميعاً كان قائما، وهم يحلّقون علي ارتفاع ستة الآف قدم.

الكارثة

وفجأة ومن دون سابق إنذار أو تحسّس، وبعد طيران دام حوالي خمسة عشر دقيقة بعد الإقلاع من القرنة، وجد الملازم الاول منذر قائد الطائرة الثانية نفسه في منطقة جيوب هوائية مؤثّرة علي طائرته، وأحسّ الركاب بهزّات عنيفة، وأصبح مدي رؤيته صفراً، بسبب الغبار الذي ملأ الجو المحيط به. تلقّي منذر مكالمة من خالد قائد التشكيل وطائرة الرئيس، يطلب منه الايعاز الي قائد الطائرة الثالثة عثمان بالعودة الي القرنة فوراً، وسمع حواراً من خالد وهو يطلب من مطار البصرة ان يحدّد اتجاه طائرته وموقعها، ولما أحسّ منذر بتلكؤ سيطرة المطار في الإجابة، تدخل بينهما ليقول للمراقب الجوي في ذلك المطار، وبلهجة عنيفة: ألا تفهم؟ النقيب خالد معه السيد رئيس الجمهورية، حدّدوا له اتجاهه وموقعه بسرعة، إلا أن ردّ السيطرة كان: أنه لا توجد لديهم أجهزة لتحديد الاتجاه.. أدار منذر المكالمة مع سيطرة قاعدة الشعيبة الجوية، فكان الجواب سلباً، فلا يتوفر لديهم أيضاً جهاز لتحديد الاتجاه. أحس منذر بالرعب خلال تلك الدقائق، حتي سمع خالد يقول يستنجد به: (منذر.. منذر، لك عيني إلحكني ـ أغثني ـ انا في خطر).. وفي تلك اللحظة بالذات وقعت طائرة منذر في جيب هوائي كبير، جعلها تنخفض عن ارتفاعها حوالي ثلاثة آلاف قدم خلال لحظات، حتي وجد نفسه فوق منطقة أهوار، كّلها مياه، حاول منذر رؤية طائرة خالد، فلم يستطع، واتخذ قراراً بالعودة الي القرنة، وهبط بطائرته في ملعب الادارة المحلية نفسه، في حوالي الساعة السابعة وعشرين دقيقة، أي بعد طيران دام حوالي نصف ساعة، بعد ان ظل ينادي خالد لاسلكياً طوال طريق العودة دون جدوي، وليجد أمامه طائرة عثمان وقد سبقته في الهبوط في الموقع نفسه، نزل منذر مسرعاً من طائرته، وصاح بصوت عال، موجهاً كلامه نحو المقدم الركن فاضل مصطفي (مقدم لواء الحرس الجمهوري) قائلاً: سيدي.. طائرة المشير تاهت!
وهنا فقط، أدرك الركاب في الطائرة، أنهم لم يهبطوا في مطار البصرة كما كان مخططاً، بل أنهم في القرنة مرة اُخري، ساد الهرج ساحة الملعب، وسط ارتباك وقلق كبيرين، وبأوامر فورية فتحت السيارات أضواءها، وأشعل أهالي القرنة النيران فوق سطوح منازلهم، عسي ان تهتدي الطائرة المفقودة اليها، اتصل منذر عبر الهاتف الوحيد في ملعب القرنة بمطار البصرة، موضحاً تفاصيل الموقف، وطالباً منهم إنارة مدرج الهبوط علّها تساعد الطيار في التوجّه نحوه، ثم صعد منذر في طائرته، وأقلع لوحده، وحلّق فوق القرنة ليرسل إشارات ضوئية الي جميع الاتجاهات، وحاول الاتصال لاسلكياً بالطائرة المفقودة، دون جدوي. ومضي الوقت ساعة بعد اُخري دون نتيجة، فقرر الجميع التوجه نحو البصرة بالسيارات.

في فندق شط العرب

كانت مأدبة العشاء التي أقامها متصرف (محافظ) البصرة محمد الحياني في فندق شط العرب جاهزة (2) وكان جميع المدعوين من كبار الضباط والموظفين ووجهاء المدينة ينتظرون عودة رئيس الجمهورية وصحبه من جولته في القرنة، حتي اقتربت الساعة من التاسعة مساءً عندما بدأوا يتهامسون عن أسباب هذا التأخير غير الاعتيادي، حتي سرت (إشاعة( فقدان الطائرة التي لم يشأ أحد تصديقها، ولما لم يحضر صاحب الدعوة محمد الحياني والمُحتفي به الرئيس عبد السلام عارف حتي بعد العاشرة ليلاً، انصرفوا خائبين وقلقين.
وفي إدارة الفندق، اجتمع الدكتور محمد ناصر وزير الثقافة والارشاد مع اللواء الركن عبد المجيد سعيد مدير عام الموانئ العراقية بحضور كبار الضباط وإداريّي البصرة ومديري الشرطة والامن، للتباحث حول إجراء اتصالات هاتفية فورية مع بغداد، كان أولها مع الاستاذ عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء، وذلك قبل ان ينتقل الجميع الي ديوان المتصرفية )المحافظة( ليتّخذوه مقراً لعملهم الدؤوب حتي الصباح، وفي تلك الساعات كذلك، تم الاتصال هاتفياً بالمخافر الحدودية العراقية مع إيران، ومع القنصل العراقي في مدينة المحمرة (خرّمشهر) الايرانية، حيث قيل له ان طائرة هليكوبتر تحمل شخصيات عراقية مهمة قد ضلّت طريقها وسط عاصفة ترابية، ولربما تكون قد دخلت الاجواء الايرانية، ولكنهم لم يتلقّوا جواباً.

إذاعة بغداد تبث الخبر الحزين

ساد الوجوه وجود الجميع، وسري النبأ في أروقة الاذاعة والتلفزيون وبين الجنود كالنار في الهشيم، فيما أحضر موظفو الاذاعة وبأمر من مديرها العام، أشرطة القرآن الكريم، وأخذت الاذاعة تبثّ التلاوات حال افتتاح برنامجها اليومي منذ الساعة السابعة صباحاً، واستمرت علي ذلك حتي حلّت الثامنة صباحاً، لتذيع بيانا رسميا جاء فيه: تنعي الحكومة العراقية، مع مزيد من الحزن والأسي، للشعب العراقي وللأمة العربية وللشعوب الإسلامية عامة، السيد رئيس الجمهورية المشير الركن عبد السلام محمد عارف، فقد سقطت به، وبمن معه من الوزراء والمرافقين مساء أمس الطائرة التي كانت تقّله من القرنة الي البصرة بفعل عاصفة قوية أدت الي سقوط الطائرة وتحطّمها واستشهاد السيد الرئيس ووزيري الداخلية والصناعة، وبعض المرافقين. وتعلن الحكومة الي الشعب كافة، بأنها تقدّر مسؤوليتها في هذه الفترة العصيبة، وقد اُنيطت مهام السيد رئيس الجمهورية بالسيد رئيس الوزراء، حسب أحكام المادة (56) من الدستور المؤقت، الي حين إنتخاب رئيس جمهورية بمقتضي المادة (55) من الدستور، والتي تقضي بانتخاب رئيس جديد خلال اسبوع واحد من تأريخ خلوّ المنصب، وذلك بأغلبية ثلثي المجموع الكلّي لأعضاء مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني.

في قاعدة الشعيبة الجوية

وسط القلق الذي بات يتزايد ساعة بعد اُخري، والأمل الذي تضاءل شيئاً فشيئاً حتي انتصف الليل.. جمع آمر القاعدة الجوية المقدم الركن الطيار خالد حسين ناصر طياري الطائرات المقاتلة في قاعدته، ليضع معهم في غرفة العمليات خطة طيران لاستطلاع بصري، ينبغي تنفيذها مع حلول فجر اليوم التالي، وفعلا عندما حانت الساعة الخامسة فجراً، كان طيارو تسع طائرات مقاتلة من طراز (ميك 21)، قد أقلعوا بها تباعاً، وقد سبقتهم طائرة نقل سوفييتية الصنع من طراز (انتونوف 12) علي متنها المقدم الركن فاضل مصطفي (3) والصحافي عبد العزيز بركات ومصور تلفزيوني. لم يطُل التحليق كثيراً، ففي الساعة الخامسة وعشرين دقيقة، كان قائد وركاب طائرة النقل هم أول من شاهدوا طائرة الهليكوبتر وقد تناثرت اجزاؤها حطاماً في أرض قاحلة ومستوية تماماً تتوسّطها، أو علي مقربة منها، احدي عشرة جثة هامدة ومحترقة.. وكان الموقع الذي حدّده قائد الطائرة يبعد خمسة وعشرين كيلومتراً جنوب شرقي القرنة، وفي بقعة تتبع إداريا ناحية السُويب شرقي نهر شط العرب، ما بين هوري الحويزة والسويب، وفي نقطة ليست ببعيدة من قرية (النشوة). وقد ابلغ الرائد الطيار محمد إبراهيم أدهم هذه المعلومات، قاعدة الشعيبة، عندها قرر المقدم الطيار الركن خالد حسين ناصر، آمر القاعدة التوجه الي مكان الحادث في إحدي طائرات الهليكوبتر التي قادها الملازم الطيار مذكور فليح الربيعي، والتي هبطت في مكان الحادث.
كانت شمس يوم الخميس الرابع عشر من نيسان (ابريل) 1966، قد أشرقت تماماً، وبان كل ما علي وجه الارض القاحلة القريبة من قرية النشوة واضحاً، وظهر حطام الطائرة متناثرا في بقعة قطرها بحدود خمسين مترا، كان الرئيس عبد السلام علي بعد ثلاثة أمتار من نقطة الاصطدام، مُنكفئاً علي وجهه، وقد تشابكت يداه حول رأسه، مُلصقاً وجهه بالأرض، فيما بات شعره محترقاً في بعضه، عاكفاً إحدي ساقيه الي اليسار وقد احترق كعب قدمه، مرتدياً بدلته المدنية الصيفية ذات اللون الزيتوني، بينما تمزّق قسم من سترته عند الظهر.. وكانت قطرات من الدم متخّثرة علي فتحتي أنفه، وحالما شاهد الملازم شهاب رئيس الجمهورية ذلك الوضع المأساوي، خلع قمصلته العسكرية ليغطي بها الجثة الهامدة، قبل ان يسقط مغشياً عليه. لم يكن في جيب سترة عبد السلام غير مصحف صغير الحجم، ودفتر مذكرات شخصية، وبعض المفاتيح، وكانت أزرار قميصه الابيض قد اُنتزعت عن أماكنها، فيما كان اللواء عبد اللطيف الدراجي وزير الداخلية أبعد الجميع عن مركز حطام الطائرة، بـثلاثين متراً، وبكامل ملابسه، عدا سترته التي كانت علي بعد عشرة أمتار، وقد تحّولت الي شبه رماد، وكان مصطفي عبد الله وزير الصناعة علي مسافة اربعة أمتار من الرئيس، وقد رقد وكيله عبد الهادي الحافظ قريباً منه، أما السبعة الآخرون، فلم يستطع أحد التعرف عليهم بشكل مطلق، سوي متصرف (محافظ) البصرة محمد الحياني، الذي عُرف من قلم الحبر الذي كان يحمله، ولربما اُمكن الاستدلال بعض الشيء علي جثة عبد الله مجيد.
وقد عُثر أيضاً علي خاتم زواج يحمل اسم السيدة (شهبال( عقيلة مصطفي عبد الله، وعلي السدارة العسكرية للعميد زاهد وعلامة ياقته الحمراء ومسدسه الشخصي.

اعلان الحداد الوطني

وبعد إذاعة البيان الحكومي، توالت بيانات اخري، تضمنت إعلان الحداد اعتباراً من يوم الخميس الرابع عشر من نيسان (ابريل) 1966، ولمدة شهر واحد، وتنكيس الاعلام العراقية لمدة سبعة ايام متتالية، وفرض منع التجول اعتباراً من الساعة الثانية عشر من ظهر ذلك اليوم، والي إشعار اخر، وتحديد الساعة الثالثة من ظهر يوم السبت، الموافق السادس عشر من نيسان (ابريل) 1966، السادس والعشرين من ذي الحجة 1385 هجري، موعدا لتشييع الرئيس.

حالة تأهب قصوي

دخلنا نحن في الحرس الجمهوري حالة تأهب قصوي، متوقّعين أن حادث سقوط الطائرة ربما هو مقدمة لـ)مؤامرة) لقلب نظام الحكم، لذلك فقد تهيأنا واستحضرنا للرد علي أية تحركات نشتبه بها، وقد أعاننا في ذلك (منع التجول( والذي بموجبه خلت الشوارع من السيارات والمارة في عموم بغداد، وسهّل علينا مراقبة أية حركة غير اعتيادية في المنطقة المحيطة بـحي الصالحية عموماً، ومبني الاذاعة والتلفزيون بشكل خاص.
وقد علمنا ظهر ذلك اليوم، أن مرسوماً صدر بتعيين آمر فوجنا الرائد الركن عبد الرزاق صالح العبيدي (4) سكرتيرا عاما لديوان رئاسة الجمهورية، إضافة الي منصبه الحالي، خلفاً للرائد عبد الله مجيد الذي توفي في الحادث مع رئيس الجمهورية.


هوامش:

(1) لقاء مع الملازم شهاب احمد الدليمي
(2) تقرير وكالة الانباء العراقية كتبه السيد فؤاد الخليل
(3) عين العبيدي سكرتيرا عاما لديوان الرئاسة أصالة وحل مكانه آمرا للفوج الرائد الركن كمال مجيد عبود
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 03-11-2008, 12:07   #16
جمال الصباغ
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 7,241
جمال الصباغ is on a distinguished road
افتراضي

عبد السلام محمد عارف.. كما رأيته (الحلقة الخامسة عشرة -الاخيرة

معلومات استخبارية عن نية الشيوعيين خطف جثمان عبد السلام أثناء تشييعه ورميه في نهر دجلة ثأرا للزعيم عبد الكريم قاسم


تأليف الدكتور صبحي ناظم توفيق عرض وتلخيص: هارون محمد
10/03/2008



احتمال قائم لقلب نظام الحكم

لم يفسّر مسؤولو الأجهزة الأمنية في بغداد وعموم ألوية )محافظات( العراق حادث مصرع الرئيس عبد السلام عارف، كونه مجّرد سقوط طائرة هليكوبتر، بسبب خلل فني او نتيجة تعرضها لعاصفة ترابية، فبعض كبار المسؤولين في الدولة من الذين تواجدوا في البصرة والقرنة، لم يلاحظوا او يحسّوا بالعاصفة المزعومة، ومن المنطقي ان يفسروا مثل هذه الحوادث سلباً، لا سيما وأنهم في دولة من دول العالم الثالث غير المستقرة سياسياً، وخصوصاً في بلد مثل العراق الذي ما فتئ يغلي في خضم أحداث خيّمت عليه منذ ثماني سنوات مضت، وسط ثورات وانقلابات ومؤامرات وانتفاضات، أدت الي انقسامات انشقاقات عمّت ابناء الوطن الواحد من شماله الي جنوبه، ناهيك عن الصراع الدائم طوال التاريخ علي كراسي الحكم.

مخاوف من محاولة شيوعية
لخطف جثمان عبد السلام

جمعنا آمر فوجنا الرائد الركن عبد الرزاق العبيدي بعد ظهر يوم الخميس 14 نيسان (ابريل) 1966 وركّز في حديثه علي نقطة ذات أهمية قصوي، عندما أشار الي ان معلومات الاستخبارات العسكرية تفيد بأنه يحتمل ان يقوم الشيوعيون بعملية اختطاف لجثمان عبد السلام، لتهريبه الي مكان مجهول، او رميه في نهر دجلة، انتقاماً لجثمان الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي ذكر انه رمي في نهر دجلة عقب ثورة 14 رمضان 1963، كما هو معروف، لذلك شدد المسؤول العسكري علي ضرورة اتخاذ أقصي درجات الحيطة والحذر أثناء التشييع الذي سيجري عصر يوم السبت، السادس عشر من نيسان (ابريل) 1966، والحيلولة دون إفساح المجال لأي شخص كان بالاقتراب من النعش.
ولربما كان وقع تشديد آمر الفوج علي موضوع الشيوعيين علي زملائي الضباط المستمعين عادياً، لأنهم بالتأكيد سيقومون بواجباتهم أثناء التشييع بصرامة وشدة، سواءً حبّاً في عبد السلام أو تنفيذاً للأوامر العسكرية، ولكن وقعه علي نفسي كان مغايراً لكوني الوحيد من أبناء مدينة كركوك، الذي رأي بأم عينيه أحداث مذبحة كركوك أواسط تموز (يوليو) 1959، وعاش ثلاثة أيام سود من تاريخ العراق المعاصر، وشاهد بعض جثث أبناء مدينته وبني قومه معلّقة علي أعمدة الجسور والكهرباء، وأخري مبعثرة ومنتفخة وسط شوارعها وقد وقفت قربها كلاب سائبة تأكل أجزاءها، لذلك تهيأتُ لتطبيق الأوامر بحماس وبكل ما أوتيت من قوة وبأس، واعتبرت ذلك مجالاً للثأر من الشيوعيين اذا ما حاولوا اختطاف جثمان الرئيس، مؤمناً في قرارة نفسي أن كل شخص يقترب من موكب التشييع بشكل غير عادي يمكن أن يكون )شيوعياً( ينبغي عليّ أن أمنعه وأضربه بشدة.
في الساعة الثانية بعد ظهر يوم الخميس الرابع عشر من نيسان (ابريل) 1966، وبينما كان حظر التجوال سارياً في عموم العراق، انطلق الموكب الجنائزي من قرية )النشوة(، الي مطار البصرة حيث كانت جموع غفيرة تنتظر، حزنا وبكاء، دون مراعاة للرسميات أو تحفّظ للمناصب والرتب.
وفي الساعة الخامسة ودّع جثمان عبد السلام عارف وداعاً حافلاً علي متن طائرة النقل العسكري الضخمة التي اكتشفت مكان مصرعه مع مرافقيه صبيحة اليوم نفسه، وحطت في قاعدة الرشيد الجوية قرب بغداد، في الساعة السادسة مساءً، حيث وقف في استقبالها رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز والمشير عبد الحكيم عامر النائب الاول للرئيس جمال عبد الناصر، وأعضاء الوفد المرافق له، والوزراء جميعاً، وعدد من أفراد عوائل الشهداء، وكبار القادة العسكريين وموظفي الدولة.
وقد شارك رئيس الوزراء والمشير عامر في حمل نعش عبد السلام عارف الي سيارة إسعاف عسكرية قبل إنزال النعوش الأخري الملفوفة بالأعلام العراقية وعليها أكاليل من الزهور، حيث نُقلوا جميعاً الي قسم الطب العدلي في مستشفي الرشيد العسكري.
وعلي متن طائرة سوفييتية خاصة، أقلعت من موسكو الي بغداد مباشرةً، عاد اللواء عبد الرحمن عارف رئيس أركان الجيش وكالة، مساء يوم الجمعة، مصحوباً بوفد سوفييتي رفيع المستوي، فيما بقي اللواء المهندس منير حسين حلمي قائد القوة الجوية وكالةً هناك لمواصلة المفاوضات التسليحية مع السوفييت.

التشييع العسكري

ويبدو أن الحكومة العراقية قد قررت إجراء تشييعين رسميّين لـلرئيس عبد السلام عارف وصحبه، الأول علي المستوي العسكري باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، والثاني علي مستوي الدولة باعتباره رئيس الجمهورية، ففي الساعة العاشرة من صباح يوم الجمعة الخامس عشر من نيسان (ابريل)، رُفعت النعوش ملفوفة بالأعلام العراقية ومحمولة علي سيارات عسكرية من مبني وزارة الدفاع في الباب المعظم متوجهة الي جسر الصرافية )الحديدي)، تتقدمها فرقة موسيقي الجيش وسريتان من تلاميذ الكلية العسكرية ومجموعة من رجال الدين، يتبعها الوزراء الحاليون والسابقون، وأعضاء السلك الدبلوماسي العربي والأجنبي، وقادة الجيش وضباطه الأقدمون، وضباط الشرطة، وكبار موظفي الدولة، وعلي جانبي الطريق احتشدت جماهير غفيرة والدموع تنهمر من عيون الرجال والنساء. وفي ساحة جسر الصرافية كان رئيس الوزراء عبد الرحمن البزاز وإلي جانبه المشير عبد الحكيم عامر وعدد من الوزراء يستقبلون الموكب، ليسيروا معه مشياً علي الأقدام حتي جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، ليؤدوا جميعاً صلاة الجمعة، قبل أن يصلي الجميع علي أرواحهم، وتُعاد النعوش جميعاً الي مستشفي الرشيد العسكري، وذلك استعداداً للتشييع الرسمي الذي سيجري عصر يوم السبت، السادس عشر من الشهر نفسه.

الاستعدادات النهائية للتشييع الرسمي

وبينما تنفسنا الصعداء في مبني الاذاعة والتلفزيون لانتهاء مراسيم التشييع العسكري بسلام دون حدوث طارئ، ظلّ احتمال اختطاف جثمان عبد السلام عارف قائماً، ولربّما مؤجلاً الي ساعات مراسيم التشييع الرسمي، فيما أبلغنا آمر سريتنا بأن اثني عشر ضابطاً من فوجنا سيشاركون فيها وهم: الملازم الاول قاسم محمد صكر، والملازم الاول يوسف خليل أحمد، والملازم سعد شمس الدين، والملازم عبد مطلك الجبوري، والملازم قاسم فرحان، والملازم وليد جسام، والملازم مشعل تركي الراشد، والملازم عبد الجبار جسام، والملازم سعد عبد الهادي العساف، والملازم صبحي ناظم توفيق، والملازم موفق محمد جميل، والملازم حمودي عبد المجيد.
أما باقي ضباط الفوج، فإنهم سيظلّون في مواقعهم حوالي القصر الجمهوري ومبني الاذاعة والتلفزيون لتأمين الحماية الضرورية في مثل تلك الساعات المشحونة باحتمالات عديدة وخطيرة، والتي قد يستغلّها بعض الفئات ليحاول قلب نظام الحكم أو عمل شغب ومظاهرات قد تؤثر علي استقرار النظام وأمنه، لا سيما وأن جميع كبار مسؤولي الدولة، من عسكريين ومدنيين، سيتركون دوائرهم ومواقعهم المهمة ليشاركوا في مراسيم التشييع ولنهار كامل.
حضرنا ـ نحن الضباط الاثني عشر ـ الي القصر الجمهوري مساء يوم الجمعة الخامس عشر من نيسان (ابريل) 1966 للتعرف علي الموقع الذي سيوضع فيه نعش الرئيس عبد السلام عارف في صباح اليوم التالي، والاطلاع علي تفاصيل التوقيتات التي يتضمنها منهاج التشييع، وعلي أركان القاعة التي سيقف فيها بالاستعداد ودون أية حراك أربعة ضباط منا تباعاً أثناء مراسيم إلقاء النظرة الأخيرة علي الجثمان، والتي ستستغرق أكثر من اربع ساعات، وبمعدل ساعة واحدة أو أكثر لكل وجبة. إضافة الي ذلك فقد تهيأنا لأسلوب حمل النعش ووضعه علي عربة المدفع ونظام المسير البطيء علي الموسيقي الجنائزية بمحاذاة العربة، وبمعدل ستة ضباط في كل من جانبيها، وكان آمر فوجنا يشرح لنا كل تلك التفاصيل، وبحضور اللواء عبد القادر ياسين العاني، المعاون الاداري لرئيس أركان الجيش ورئيس اللجنة المشرفة علي تنفيذ المراسيم، بمعاونة العميد يوسف رزوقي بطّة.
لقد اُرهقنا خلال اليومين الماضيين، وشعر كل منا باختلال في جسده المُجهد، فقد مضي علينا أكثر من 48 ساعة دون أن نتمتع بقسط من الراحة الجسدية أو النفسية، ولم ننم ساعة واحدة، وها نحن الآن مقبلون علي ليلة اُخري من الحيطة والحذر، يليها يوم مرهق أشد مع حلول الصباح الباكر من اليوم التالي وحتي غروبه.

تشييع عبد السلام عارف الي مثواه الأخير

كنا ـ نحن ضباط الحرس الجمهوري المكّلفين بالمشاركة في مراسيم التشييع ـ جاهزين في القاعة الكبري للقصر الجمهوري منذ الساعة السابعة والنصف من صبيحة يوم السبت السادس عشر من نيسان (ابريل)، مرتدين ملابس حرس الشرف الرسمية والقبّعات المغطّاة بريش النعام، وحاملين سيوفنا علي الجانب الايسر من أجسادنا، عندما بُلّغنا أن جثمان الرئيس الراحل قد حُمل من مستشفي الرشيد العسكري الي بيت الفقيد المطلّ علي نهر دجلة في حي كرادة مريم، وهو البيت الذي استأجره الرئيس الراحل من عائلة آل الذكير مطلع عام 1966 وانتقلت أسرته اليه من دار الأعظمية، في الساعة الثامنة والربع صباحاً، ليبقي بين أفراد اُسرته وأقربائه نصف ساعة فقط، بعدها وصل النعش في الساعة التاسعة والنصف بسيارة إسعاف عسكرية الي الباب الرئيس للقصر الجمهوري، حيث حملناه علي أكتافنا ووضعناه بهدوء وسط القاعة الكبري، وقد تم ترتيب العلم العراقي الكبير الذي يلفّه، وذلك قبل أن نضع النعش علي منصّة ضخمة، ارتفاعها متر واحد، استقرت حولها أكاليل الزهور.
ومع حلول تمام الساعة العاشرة من ذلك الصباح، بدأ تطبيق أولي فقرات منهاج التشييع الرسمي الحافل لإلقاء نظرة الوداع الاخيرة علي جثمان عبد السلام محمد عارف .
كان أول الذين دخلوا القاعة من بوّابته، أخوه الاكبر عبد السميع محمد عارف وبجانبه الصبي أحمد عبد السلام عارف وأخوه الاصغر صباح محمد عارف، وبعض أقربائه وأصدقائه المقرّبين، وهم يذرفون الدموع ويبكون بمرارة، وذلك قبل ان يضع أخوه الآخر اللواء عبد الرحمن عارف رئيس اركان الجيش وكالة، ووزير الدفاع اللواء الركن عبد العزيز العقيلي، ومعاون رئيس اركان الجيش اللواء حمودي مهدي أكاليل زهور قرب رأس الرئيس الراحل.
وتوالي حضور الوفود العربية والأجنبية، قبل ان يلقي أعضاء مجلس الوزراء وكبار قادة القوات المسلحة وموظفو الدولة، ورجال الدين المسلمون والمسيحيون والطوائف الاخري، واُلوف المواطنين الاعتياديين من أهالي بغداد ومدن العراق، نظرة الوداع الاخيرة علي جثمانه، حتي حلّت الساعة الواحدة والنصف ظهراً، حين دُعي الحضور لتناول طعام الغداء المفروش علي مناضد طويلة في حدائق القصر، والذي امتنع الكثير منهم عن التقّرب إليه، علي عكس ما كنا نراه في ولائم القصر سابقا.
كان كل شيء في شارع كرادة مريم العام جاهزاً قبيل الساعة الثالثة إلا ربعاً من عصر ذلك اليوم، وبالقرب من بوابة الخروج للقصر الجمهوري كان هناك مكان شاغر واحد فقط، ذلك الذي ستُشغله )عربة المدفع( التي تجرّها ستة خيول عربية أصيلة، وفي الساعة الثالثة إلا خمس دقائق، حمل اثنا عشر ضابطاً ـ كتبنا أسماءهم آنفا ـ الجثمان ووضعوه علي العربة، حيث ودّع جسد عبد السلام عارف القصر الجمهوري الذي ظلّ يدير شؤون العراق منه، طيلة ثلاث سنوات مضت.
كان الموكب الجنائزي مهيباً للغاية، لم يتخلّله أي طارئ، وقد تجمهر الألوف من المواطنين، رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخا، يقفون علي رصيفي الشارع العام، معظمهم يذرف الدموع حالما يشاهد جثمان رئيس جمهوريتهم، وكان عويل بعض النسوة عالياً، كالعادة، أما الرجال فقد كان صياح بعضهم صاخبا: (الله يرحمك يا حجي ـ الله يرحمك يا أبا احمد ـ الله وياك يا عبد السلام). كانت الجموع محدودة العدد نسبياً عند الانطلاق، من قرب القصر الجمهوري، ولكنها تضاعفت شيئاً فشيئاً كلما ابتعدنا عنه، وحال وصولنا الي ساحة الشواف أنزلنا النعش من فوق العربة، وسرنا به بانتظام الي الجانب الآخر من الساحة نفسها، ووضعناه فوق السيارة العسكرية المكشوفة بهدوء.. بينما صعد ستّة منا، ثلاثة علي الجانب الأيمن من النعش، وثلاثة علي يساره بانتظار ان يتكامل موكب السيارات خلفنا.

اندفاع نحو الجثمان!

كنتُ في مقدمة الصف الايسر من الضباط، واقفاً قرب رأس النعش وخلف سائق السيارة العسكرية مباشرة، وكان الوضع العام علي عكس ما امتاز به المسار الجنائزي الطويل، بدءاً من القصر الجمهوري وحتي وصولنا الي حيث نحن.. فقد كان الصياح والهتاف مالئين الاجواء بدون انتظام، حيث لم يستطع عشرات من الجنود وأفراد الشرطة المسلحين بالبنادق، من إسكاتهم او السيطرة علي ما يجري هناك، فيما كنا نحن الضباط نراقب مجريات الامور بعيون يقظة تحّسباً لما لا يحمد عقباه.
ولكن وبعد عدة دقائق، وحالما اُوعز الينا بالتحرك، اندفع العشرات من الشباب نحونا، وهم يصيحون بصوت عال ويطلقون عبارات لم أتبينها.. وكان من المنطقي أن لا اُفسّر ذلك الاندفاع الهائل بحسن نية وطيبة نفس، وأنا أحمل في أعماقي مخاوف من احتمالات اختطاف النعش، التي قد يقدم عليه شيوعيون او غيرهم، فما كان مني إلاّ أن أعتبر في قرارة نفسي، ان كل شاب من هؤلاء هو )شيوعي(، وقد يكون مكلّفاً بتلك المهمة.
شهرت سيفي من غمده دون تردد، وأخرج الضباط الخمسة الآخرون سيوفهم كذلك، ولم أجد بُدّا من أن أضرب به، وبكل ما اُوتيت من قوة كل شخص استطاع اختراق السدّ البشري المؤلف من الجنود والشرطة الذي أحاط سيارة النعش من كل جانب وصوب، ولربما فقدتُ توازني بعض الشيء، فكان نظري وعقلي يركزان تماماً في اتجاه واحد لا غير، وغايتي الوحيدة أن لا أدع أحداً من أولئك المندفعين نحونا، التقرب من النعش الذي أقف قرب رأسه، وكان كل من يشعر بأذي في صدره أو ألم في بطنه أو وجع في ظهره من سيوفنا يبتعد فوراً، علي الرغم من كون سيوفنا من ذلك النوع المصمّم لأغراض المراسيم ليس إلاّ، ولم تكن قد صُنعت للمبارزة وقطع الرقاب، كما كان يتراءي للذين يستهويهم منظر السيوف في الأفلام التاريخية.
أوعزتُ الي سائق السيارة بالتحرّك علي الرغم من هذا الموقف الصعب الذي وجدنا أنفسنا فيه، ولما تردد قليلاً، ضربتُ بالسيف علي ظهره وأمرتُه بالسير عُنوةً حتي دهس أحدهم، فاضطر الي أن يقود السيارة بصعوبة بالغة مصحوبا بضربات موجعة بالسيوف من الاتجاهات كافة، يرافقها ضربات أوجع تنهال علي أولئك الشبان من أخماص بنادق أفراد الشرطة والجنود، ووسط أصوات المنبّهات المزعجة التي كانت الدرجات البخارية وسيارات شرطة المرور تُطلقها عالية وبشكل متواصل كالعادة.
لم تتفرّق تلك الجموع من أمامنا إلا بعد مسير شاق طال عشرات الأمتار، واستمر لدقائق عديدة وعصيبة، شاهدتُ خلالها شاباً دهسه الإطار الامامي الأيسر لسيارتنا، وأشخاصاً آخرين ضربتهم مقدمتها بقوة.

هل كانت فعلاً محاولة خطف للجثمان؟

لم أستطع، خلال تلك الايام معرفة حقيقة ما جري في تلك الدقائق، فيما لو كان اندفاع حب، ومشاعر ودّ لشخص عبد السلام عارف، كما حلا للصحافيين وبعض مراسلي القنوات التلفازية عرضه في تقاريرهم التي نشرتها صحف العراق وبعض العرب والاجانب، أو أنها كانت مؤامرة حقيقية استهدفت خطف جثــمان عبد السلام، كما كان آمر فوجنا قد بلّغنــا بـــها مســبقاً.
واعتقادي الشخصي في حينه ولا يزال، ينصبّ علي الاحتمال الثاني، فالذي يحب عبد السلام عارف لم يكن مضطراً للاندفاع نحو نعشه بتلك القوة وبذلك الزخم الذي لا موجب له، ولم تكن الحكومة العراقية آنذاك تقرّب المتملّقين والمُرائين والمتزلّفين، حتي يعتقد أولئك الشباب أن مجرد ظهورهم علي شاشات التلفزيون أو صفحات الصحف قد يفيدهم في كسب أموال، أو تعيين في وظائف، أو الحصول علي ترقيات أو درجات حزبية.

في جامع الشيخ ضاري

اجتزنا معمل الألبان، حيث ظهرت أمام أنظارنا تلك البساتين والقري الجميلة المتناثرة في ذلك اليوم الربيعي الغائم كلياً، حتي قابلتنا بالبكاء والصياح والهتاف جموع غفيرة من البشر كانت قد احتشدت علي مقربة من جامع الشيخ ضاري، الذي أمر عبد السلام عارف بتشييده عام 1964 تخليداً لذكري الشيخ ضاري المحمود الزوبعي ـ أحد أخوال عبد السلام ـ الذي ثار ضد الانكليز عام 1920، وافتتحه عبد السلام نفسه في الثالث من كانون الاول (ديسمبر) 1964.
كانت شمس يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة 1385هـ، السادس عشر من نيسان (ابريل) 1966 قد مالت الي المغيب في حوالي الساعة الخامسة والنصف، عندما كنا نحمل نعش عبد السلام لنضعه قرب حفرة مهيّأة من أرض الجامع، وقد استقر علي مقربة منها قبر والده، حيث ركنّاه تماماً الي جانبه، ثمّ تولّي الشيخ نجم الدين الواعظ مفتي الديار العراقية، والصديق الشخصي لعبد السلام الدعاء له والصلاة عليه. كانت الساعة قد قاربت السادسة والنصف مساءً، حين انتهي كل شيء، عُدنا بسيارة عسكرية الي مبني الاذاعة والتلفزيون وسط شوارع بغداد المقفرة.
وهكذا انتهت حياة عبد السلام عارف عن عمر حافل، وخصوصاً خلال سنواته الثماني الاخيرة، بعد أن ناهز الخامسة والأربعين عاما وثلاثة وعشرين يوما.

انتخاب خلف للرئيس الراحل

كانت قلّة الراحة مكتوبة علينا ـ نحن ضباط الحرس الجمهوري ـ في تلك الايام الأربعة من أواسط شهر نيسان (ابريل) 1966، فحالما عُدنا أدراجنا بعد الانتهاء من أداء مراسيم تشييع الرئيس عبد السلام عارف، توجّه كل منا الي موقعه المحدد ضمن واجباته الاعتيادية، ليؤمّن منطقة القصر الجمهوري ومبني الاذاعة والتلفزيون وغيرهما من قواطع المهمات، حيث لم يكن بالإمكان التمتّع ولو بقسط من الراحة بعد طول عناء فارتدينا ملابسنا العسكرية الاعتيادية، حاملين أسلحتنا في قواطع مسؤوليتنا، حيث سيعقد اجتماع موسع لانتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس الراحل.
لم يكن ذلك سراً، بل إن حكومة السيد عبد الرحمن البزاز قد أعلنته في بيان رسمي صدر صبيحة يوم الخميس الرابع عشر من نيسان (ابريل) 1966 في نعيها للرئيس الراحل، وقد نصّ علي عقد اجتماع مشترك لمجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني بكامل أعضائهما بمقتضي المادة (55) من الدستور المؤقت للجمهورية العراقية، وخلال أسبوع واحد من خلوّ منصب رئيس الجمهورية.

الاجتماع الحاسم

ضمّ الاجتماع رئيس وأعضاء مجلس الوزراء القائم، والمؤلف من: عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء ووزير الخارجية وكالة، شكري صالح زكي وزير المالية ووزير النفط وكالةً، الدكتور عبد الرزاق محيي الدين وزير الوحدة، الدكتور محمد ناصر وزير الثقافة والارشاد، سلمان عبد الرزاق الاسود وزير التخطيط، الدكتور عدنان مزاحم الباجه جي وزير الدولة للشؤون الخارجية، الشيخ مصلح النقشبندي وزير الدولة للشؤون القانونية، خضر عبد الغفور وزير التربية، سلمان الصفواني وزير الدولة، اللواء الركن عبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، الدكتور عبد اللطيف البدري وزير الصحة، الدكتور عبد الحميد الهلالي وزير الاقتصاد، الدكتور فارس ناصر الحسن وزير العمل والشؤون الاجتماعية، كاظم الروّاف وزير العدل، الدكتور حسن ثامر وزير الاشغال والبلديات، أحمد عدنان حافظ وزير المواصلات، محمود حسن جمعة وزير الاصلاح الزراعي، ووزير الزراعة وكالةً، وقد خلا منصبا وزيري الداخلية اللواء عبد اللطيف جاسم الدراجي، والصناعة الدكتور مصطفي عبد الله طه لعدم تعيين من يشغل منصبيهما بعد مصرعهما في حادث الطائرة. وانضم مجلس الدفاع الوطني الي الاجتماع وكان مؤلفاً من:
اللواء الركن عبد العزيز العقيلي بصفته عضواً في هذا المجلس إضافة الي كونه وزيراً للدفاع، اللواء عبد الرحمن محمد عارف رئيس أركان الجيش وكالةً، اللواء الركن سعيد صالح القطان المعاون الحربي لرئيس أركان الجيش، اللواء حمودي مهدي المعاون الاداري لرئيس اركان الجيش، العميد سعيد صليبي قائد موقع بغداد، العميد الركن زكي حسين حلمي قائد الفرقة الاولي، اللواء الركن إبراهيم فيصل الأنصاري قائد الفرقة الثانية، العميد الركن محمود عريم قائد الفرقة المدرعة الثالثة، العميد الركن يونس عطار باشي قائد الفرقة الرابعة، اللواء الركن محمد نوري خليل قائد الفرقة الخامسة، العقيد الطيار حسن رجب عريم نيابة عن اللواء المهندس منير حلمي قائد القوة الجوية وكالة، لوجود الأخير في موسكو، المقدم البحري مهدي درويش الخطيب قائد القوة البحرية وكالةً.

أنباء متضاربة تتسرّب عن الاجتماع

كنا نجلس في غرفة الضباط بمبني الاذاعة والتلفزيون، عندما بدأت الأخبار تردنا عند منتصف ليلة السبت علي الاحد 16ـ 17 نيسان (ابريل) 1966 عن الاجتماع الرسمي لانتخاب رئيس الجمهورية الذي بدأ في الساعة الحادية عشرة من تلك الليلة في القاعة الكبري لمبني المجلس الوطني، وعلمنا ان خلافات برزت في وجهات نظر المجتمعين بعد ان رشّح كل من عبد الرحمن البزاز رئيس الوزراء، وعبد العزيز العقيلي وزير الدفاع، واللواء عبد الرحمن محمد عارف رئيس اركان الجيش وكالة، أنفسهم لإشغال المنصب الذي شغر بمصرع الرئيس عبد السلام عارف.
كان اعضاء مجلس الوزراء وجميعهم من المدنيين عدا وزير الدفاع يميلون الي عبد الرحمن البزاز كمرشح لإشغال هذا المنصب بغية إعادة العراق الي الحكم المدني الدستوري الذي طال انتظاره، بعد أن تسلّط العسكريون علي سدة الحكم طيلة ثماني سنوات مضت، فيما صوّت أعضاء مجلس الدفاع الوطني ـ وجميعهم عسكريون لصالح اللواء عبد الرحمن، بينما حصل عبد العزيز العقيلي علي صوت واحد (صوته)، لذلك اضطر الي سحب ترشيحه لهذا المنصب، ونظراً للخلافات التي دبّت في الاجتماع، وأدت الي تعليقه اكثر من مرة، فقد ارتؤي في النهاية، الاتفاق بعد مشاورات واجتماعات هامشية وبإصرار شديد من القادة العسكريين، فاضطر عبد الرحمن البزاز إلي سحب ترشيحه، كي يبقي اللواء عبد الرحمن محمد عارف مرشحا وحيدا وهو ما حصل بالفعل.

اللواء عبد الرحمن محمد عارف رئيساً للجمهورية

كانت الساعة الثانية والنصف من فجر يوم الاحد السابع عشر من نيسان (ابريل) 1966، الموافق لليوم السابع والعشرين من ذي الحجة 1385هـ، عندما وصلت الي مبني الاذاعة أربع صفحات مطبوعة، وقد وقع عليها جميع أعضاء مجلسي الوزراء والدفاع الوطني، تحوي بياناً رسمياً طويلاً مفاده:
ان اللواء عبد الرحمن محمد عارف قد اُنتخب بالإجماع في هذا اليوم، في جلسة مشتركة للمجلسين المذكورين، دامت اكثر من ثلاث ساعات، وعُقدت استناداً الي أحكام المادة (55) من الدستور المؤقت، رئيساً للجمهورية العراقية، وذلك خلال فترة الانتقال التي ينبغي ألا تتجاوز سنة واحدة من تاريخ اليوم، والي حين انتخاب رئيس الجمهورية حسبما ينص عليه الدستور الدائم.
__________________





الحل الذي يصون حرية الوطن من الإستعمار وحرية المواطن من انظمة القمع والفساد والإستبداد
هو الحل الذي يضمن استعادة الإنسان العربي لكرامته المفقودة.



جمال الصباغ غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 الفكر القومي العربي

إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.
Free counter and web stats