.

الدولة والمجتمع في الوطن العربي .. ملف - منتديات الفكر القومي العربي
  


 الفكر القومي العربي
آخر 5 مشاركات
رسالة إلى الأخ / جمال الصباغ (الكاتـب : أنس الأوبري - )           »          عبقرية القيادة غير المباشرة : المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية يعلن دخول الجيش الى الوضع... (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )           »          هام جدا : الجيش المصري يحلل المعامل المجهول الذي يضخم عدائيات الامن القومي لمصر (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )           »          مصيبة الجهل .. (الكاتـب : محمد عامر - )           »          الثورة تؤكد ان مجلس الدفاع الوطني في القاهرة يقود حالة تحول تاريخي في اخر ساعات العام 1435 (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )


  
العودة   منتديات الفكر القومي العربي > الكتـــــــــــاب > كتـــــــــاب المنتدى > طلال سلمان
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  
قديم 05-03-2012, 06:37   #1
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي الدولة والمجتمع في الوطن العربي .. ملف

فكر الوحدة قضايا فكرية
الضرورة الاستراتيجية للمصالحة بين المجتمع والدولة في الوطن العربي

الجمعة، 30 أبريل 2010 عبد المجيد عمر النجار



لا يوجد تعليقات

أقامت تعاليم الدين الإسلامي توازنا دقيقا بين المجتمع ممثَّلا في عموم الأمّة وبين الدولة ممثَّلة في السلطان الحاكم، بحيث لا يجور أحدهما على الآخر فيضعف من دوره المناط بعهدته في تحقيق غاية التعمير في الأرض أو يلغيه بما يفضي إمّا إلى شلل مباشر في الأداء، وإمّا إلى صراعات وفتن تنتهي إلى ذات الشلل بخسائر أكبر وأفدح ، وإنّما يتكامل الطرفان بضوابط من الحقوق والواجبات المتبادلة في سبيل تحقيق تلك الغاية، وتفادي كلّ المعوّقات الذاتية والموضوعية التي تحول دونها.

وآية ذلك أنّ توجيهات الدين في هذا الشأن بنت العلاقة بين المجتمع والدولة على مبدإ النيابة، فالحاكم إنّما هو نائب عن المجتمع في ممارسة الحكم، والسلطان الذي يحكم به إنّما هو سلطان الأمّة فوّضته إليه بإرادتها لإدارة شؤونها وفق ما اختارته من مشروع التعمير وهو المشروع الديني، وهي أثناء ممارسة الحاكم لذلك السلطان تراقبه وتحاسبه، ولها أن تستردّ منه سلطانها إذا أخلّ بشروط الوكالة.

ومع هذا المبدإ في تفويض السلطان الذي يجعل المجتمع هو صاحبَ الأمر فلا يجور الحاكم عليه كما لو كان هو مالكَ الحقّ فإنّ التوجيهات الدينية لم تعف المجتمع من المهامّ التنفيذية للتعمير لتلقي بها كاملة على عاتق الحاكم بمقتضى تفويض السلطان إليه، وإنّما حمّلته قسطا كبيرا من تلك المسؤولية ليقوم هو بها دون انتظار أن ينجزها الحاكم؛ ولذلك فقد جاءت الأوامر التعميرية موجَّهة إلى عموم الأمّة وليست موجّهة إلى الوكيل عنها ممثَّلا في الحاكم، فقد قال تعالى على سبيل المثال:" هو الذي جعلَ لكُم الأرضَ ذلُولاً فامشُوا في مناكِبها وكُلُوا من رزقِه" ( الملك/15)، وقد تواتر في القرآن الكريم الأمر بعمل الصالحات موجَّها لعموم الأمّة، وهي تشمل كلّ أعمال التعمير.

وما إخال هذا التوجيه الربّاني في تحميل الأمّة مسؤولية التعمير بصفة مباشرة إلاّ أنّ من بين حِكَمه التحوّطَ من إخلال الحاكم بمسؤولياته التعميرية لو اُُسندت إليه هذه المهمّة على وجه الاقتصار أو ما يشبه الاقتصار، والحال أنّ غواية الحكم كثيرا ما تكون سببا في ذلك كما أثبته التاريخ، فحينما تُحمّل الأمّة مسؤوليتَها في التعمير فإنّها تكون أقرب إلى النهوض بها وأبعد عن التقصير فيها بمقتضى أنّ الأمّة لا تجتمع على الضلال وذلك في حال ما إذا أغوت الحاكمَ شهوةُ السلطان فأخلّ بواجباته في التعمير.

ولمّا قامت الدولة الإسلامية مستهدية بهذا التوجيه الديني في علاقة المجتمع بالدولة تحقّقت فيها الحكمة المبتغاة من هذا التشريع، فخلال فترات من تاريخها أصاب أجهزةَ الدولة وعلى رأسها حاكمُها ضروبٌ من الخلل استبدادا وفتنا واضطرابات مختلفة قعدت بها عن أداء مهمّة التعمير على الوجه المطلوب، ولكنّ المجتمع كان يقوم أثناء ذلك بتلك المهمّة بدرجة عالية من الكفاءة: حركة علمية، وإنتاجا اقتصاديا، ومرافق صحّية، وغيرَها من وجوه التعمير، وذلك عبر المؤسّسات الأهلية وخاصّة منها المؤسّسة العظيمة مؤسّسة الأوقاف، ولنا أن نذكر في ذلك أنّ التأسيس الحضاري الإسلامي كان يتمّ خلال الربع الأوّل من القرن الثاني للهجرة حينما كانت الدولة تتعرّض لفتن الحروب بين الأمويين والعباسيين، وأنّ ذلك العمران بلغ أوجه في القرن الرابع والخامس حينما كانت الدولة في مستوى أجهزة الحكم تعاني من الاضطرابات والفتن الداخلية والضعف والوهن الشيء الكثير.

وحينما نشأت الدولة العربية الحديثة قبل ما يقارب القرن من الزمن فإنّها بدل أن تنظرَ في التوجيهات الدينية في علاقة المجتمع بالدولة، وتعودَ إلى التجربة التاريخية للدولة الإسلامية لتستلهم من هذا وذاك بناءَها الجديد فإنّها أدبرت عنه إدبارا، ويمّمت صوب الدولة الأوروبية لتستنسخ صورتها، ولكنّه كان استنساخا فرّط في كثير من مظاهر الحسن، وحافظ على بعض مظاهر القبح.

أخذت الدولة العربية الحديثة من الدولة الأوروبية شموليةَ الدولة في القيام بمهامّ التعمير، وتلك الشمولية كانت في الدولة الأوروبية شموليةً مفوَّضة من المجتمع بإرادته الحرّة عبر النظام الديموقراطي، ذلك النظام الذي تدير به الدولة ما يرتضيه المجتمع من مشاريع التعمير، فيكون هو صاحبَ المشروع تشريعا، ويكون بالتالي متحمّلا بإخلاص لمباشرة إنجازه بإدارة الدولة بسلطان تمارسه على سبيل النيابة عنه وليس على سبيل الاستقلال به دونه، فاستوت إذن معادلة المجتمع والدولة في تقاسم أدوار التعمير، واستتبّ الأمن بينهما، وحصل بذلك هذا العمران المشهود، وكأنّ هذا المشهد مستَلهم من توجيهات الدين الإسلامي في شأن العلاقة بين المجتمع والدولة كما أشرنا إليه آنفا.

ولكنّ الدولة العربية الحديثة حينما استنسخت شمولية الدولة فإنّها جرّدت هذه الشمولية من جوهرها الحيّ الفاعل، وهو احتفاظ المجتمع بإرادة التشريع، وتفويضُه الإدارةَ التنفيذية للدولة، وأصبحت هي المشرّعَ والمنفّذَ في آن واحد، ولم تُبق للمجتمع إلاّ أن يكون مسرحا لتجاربها المريرة، بل مسرحا للتعسّف والاستبداد والتسلّط، مدّعية أنّها هي القادرة دون المجتمع على أن تنهض بكلّ مرافق التعمير، وطفقت تجرّد المجتمع من أدواته الفاعلة، فحلّت مؤسّسة الأوقاف أو شلّتها، وفعلت بسائر المؤسّسات الأهلية الأخرى مثل ذلك: تفكيكا أو تدجينا أو إفراغا من الحقيقة وإبقاء على الهيكل الصوري، وذلك بادّعاء أنّها هي القادرة على القيام بكلّ تلك الأعباء تشريعا وإنجازا.

ولمّا مرّت الأيّام انكشف للمجتمع أنّ الدولة كانت كاذبة فيما ادّعته، وأنّها غرّرت به في سلبه مهامَّ التعمير، إذ لم يتحقّق له من تلك المهامّ ما يناسب تلك الوعود، وما يفي بطموحه في العيش الكريم مادّيا ومعنويا، بل لعلّه في بعض مجالات الحياة شهد تخلّفا إلى الوراء من حيث كان ينشد التقدّم إلى الأمام، ولأنّ هذا المجتمع هو سليلُ المجتمع الإسلامي الذي صنع تلك الحضارة المشهودة بجهوده الذاتية، ولأنّه كان يرقب عن كثب التجربة الأوروبية في علاقة المجتمع بالدولة وما أثمرته من ثمار الحضارة، فإنّه بدأ يشاكس الدولة الحانثة بالوعد قصورا أو تقصيرا، وذلك ليستردّ منها إرادة التشريع كما يستردّ سلطان التنفيذ حقّا من حقوقه لا يمنحه للدولة إلاّ على سبيل الوكالة المشفوعة بالمراقبة والمحاسبة.

ولأنّ الدولة العربية الحديثة استمرأت عبر عقود من الزمن الانفراد بالسلطان تشريعا وتنفيذا، إذ من طبيعة الملك الانفراد بالمجد كما عبّر عنه ابن خلدون، فإنّها قابلت مشاكسةَ المجتمع في سبيل استرداد حقّه بالصدود والرفض، بل بالمنع والقمع، وترتّب على ذلك أنّ ما من دولة من الدول العربية اليوم إلاّ وهي في خصومة مع مجتمعها قد تشتدّ إلى أن تبلغ الفتنة الدموية، وقد تخفّ إلى حدود المنازعة المدنية، والمشهد في مجمله يصوّر خللا في العلاقة بين المجتمع والدولة تنخرم فيه معادلة الحقوق والواجبات بينهما، وينشأ عن ذلك ضريبة ثقيلة ما تفتأ كلّ يوم تزداد ثقلا، حتى إنّها تجاوزت حدود حصيلةٍ مهينة من التخلّف الحضاري إلى ما يهدّد تهديدا جدّيا وجودَ الأمّة بهويّتها الثقافية واستقلاليتها في القرار والمصير كما تنطق به الأحداث كلّ يوم.

إنّ ما تعيشه الأمّة اليوم ليستدعي كواحد من أهمّ الشروط الاستراتيجية لنهضتها إن لم يكن أهمَّها أن تنعقد المصالحة بين المجتمع والدولة، وأن تستويَ معادلة الحقوق والواجبات بينهما على نصابها، وذلك بأن يستعيد المجتمع حقّه في السلطان يفوّضه إلى من يشاء بإرادته الحرّة، مع ما يتبع ذلك من حقّ المراقبة والمحاسبة، وأن يستعيد حقّه في حرّية التشريع لما يرتضيه من برامج وخطط، ينهض هو بشطر كبير منها بصفة مباشرة، وينهض بالشطر الآخر تحت إدارة الدولة، فتتكامل الجهود، ويتمّ التعمير. ومن أهمّ مبرّرات هذه الضرورة الاستراتيجية أعني المصالحة بين المجتمع والدولة مبرّران اثنان:

- أوّلهما، ما يثبته المنطق الاجتماعي وصدّقه الواقع من أنّ الخصام بين المجتمع والدولة يفضي لا محالة إلى الخسران في التعمير، إذ تتعارض القوى وتتناقض فيحبط بعضها بعضا، وتتكاثف على الدولة المسؤوليات والمهمّات فلا تقدر على أن تنجز منها شيئا، ويشعر المجتمع بالغبن جرّاء الاستبداد فيستقيل من مهامّه التعميرية، متّكلا على وعود الدولة، أو منتقما منها بإحباط مشاريعها كأسلوب سلبي من أساليب مقاومة استبدادها، وفي كلّ الحالات تكون الحصيلة تخلّفا حضاريا كما هو مشهود اليوم في سائر البلاد العربية.

- وثانيهما، ما أصبح يتربّص بالأمّة اليوم من نذر مشهودة لدورة استعمارية جديدة تتداعى فيها قوى عالمية ظالمة للهيمنة عليها، لا لتدمير المقدّرات المادّية لنهضتها أو للاستيلاء عليها، وإنّما أيضا لتدمير المقوّمات الثقافية والروحية والنفسية التي تشكّل شخصيتها، والتي تمثّل مخزونها الاستراتيجي الدائم التي تفزع إليه عند الملمّات لتدافع عن نفسها، ولتنهض من كبواتها، وها نحن نشهد اليوم مشاريع تترى من قِبل تلك القوى تهدف كلّها إلى ذات الهدف هدفِ تدمير الكيان الثقافي للأمّة. إنّ هذه النذر التي أصبح بعضها واقعا، ويوشك أن يصبح الباقي منها كذلك تستثمر بكفاءة عالية تلك الفجوة بين المجتمع والدولة لتدخل منها دخول المفرّق الفتّان الذي مهما ادّعى من أنّه يناصر هذا الطرف أو ذاك فإنّه ينتوي على وجه اليقين أن يأكل الجميع يوم أُكل الثور الأبيض.

إنّ المصالحة بين المجتمع والدولة على النحو الذي وصفنا هو الكفيل بأن يجعل المجتمع ناهضا بمهامّه في التعمير تحقيقا لما ارتآه هو من مشاريعَ بإرادته الحرّة على وجه الريادة والابتكار في التشريع، وعلى وجه الصدق والإخلاص في التنفيذ، وهو الكفيل بأن يجعل الدولة ممثّلة في أجهزة الحكم قويّة في الإدارة حازمة فيها بما تستمدّه من تفويض اجتماعي، فيثمر هذا مع ذاك ثمارا من الإنجاز الحضاري المبارك، وهو الكفيل أيضا بأن يسدّ الفجوة بين المجتمع والدولة فيتلاحم الطرفان يسند بعضهما بعضا، ويتقوّى بعضهما ببعض، فلا تجد قوى الهيمنة مدخلا للفرقة المذهبة للريح، وإذا ما قوي العامل الذاتي للفعل الحضاري، وانتفى المعوّق الخارجي الذي يعوقه عن الفعل فإنّ مسيرة النهضة ستنشط وتثمر لا محالة.

لقد شهدت علاقة المجتمع بالدولة في بلد الشهداء هذا الجزائر توتّرا كبيرا شأن سائر البلاد العربية، وقد بلغ هذا التوتّر خلال العشرية الماضية مبلغ الاحتراب الدموي المريع، ولكن كما كان من سنّة الجزائر بلادِ الشهداء أن تُوفي بالوعد الصحيح في المفاصل الهامّة من التاريخ، فيبدو أنّها اليوم في هذا المفصل التاريخي العصيب من تاريخ الأمّة تجد نفسها على ذات الوفاء بالموعد الصحيح، وهو ما تمثّل في هذه الأوبة التصالحية بين الدولة والمجتمع فيها بادئة بتضميد الجراح، ومثنّية بضبط الحقوق والواجبات، ليعود كلّ منهما للقيام بدوره في التعمير في كنف التكامل والتعاون والوئام.

إنّ ما وقع في هذه البلاد خلال العشرية الماضية من فتن كقطع الليل لو وقع في بلاد غيرها لحفر بين أهلها خندقا لا يمكن معه وصل، ولكنّ الشعوب العظيمة ليست هي التي لا تتعرّض للفتن، بل هي التي تقدر على تجاوز ما يصيبها من البلاء مهما يكن عليه من الشّدّة، وشعب الجزائر أحد تلك الشعوب، إذ ها هي رياح المصالحة تهبّ عليه، فتبدأ مسيرة من المصالحة بادرت بها الدولة، واستجاب لها المجتمع، وقد كان للفقيد المرحوم محفوظ نحناح طيّب الله ثراه الدور المقدّر في ذلك، ندعو الله أن يجزيه به خير الجزاء. وإذا كان الطريق نحو الثمرة النهائيّة لهذه المصالحة طويلا، فالعبرة بالبداية المخلصة، وكلّ من سار على الدرب وصل إذا كان الدرب واضحا والنوايا صادقة.

ولكنّ شعوبَ هذا العالم العربي بصفة عامّة، وشعوبَ هذا المغرب منه بصفة خاصّة تشكّل لحمة واحدة لئن انقسمت بها الأنظمة السياسية دولا، فإنّها تظلّ في حقيقتها يتداعى بعضها لبعض فيما يصيبها من سرّاء أو ضرّاء؛ ولذلك فإنّ المصالحة المنشودة بين المجتمع والدولة فيها إذا ما بدت بشائرها في موقع منها فقد لا يكون لها النجاح المأمول والسرعة المطلوبة إذا لم تتداع لها المواقع الأخرى بذات النهج ليعضّد تلك الجهود إذن بعضها بعضا، ولتتفادى عوارض التخذيل بما يمارس المتخلّف منها على المتقدّم من شدّ إلى الوراء، ومن وسوسة شيطانية بمفاسد المصالحة وأخطارها على مكاسب الدولة التي تشبه أن تكون قد استمرأت الاستبداد وتطبّعت به.

وفي هذا الصدد كما هبّت على هذا القلب من مغربنا العربي الإسلامي رياحُ المصالحة بين المجتمع والدولة فإنّك لو لوّحت ببصرك إلى الجناح الغربي من هذا الغرب لألفيت تلك الرياح قد هبّت عليه أيضا، ففي تلك الربوع راجعت الدولة منذ بعض السنوات مواقفها من المجتمع، وقدّمت ما يشبه الاعتذار عن تصرّفات قمعية من قِبلها إزاءه حدثت في العشريات الماضية، وأفسحت المجال لانتخابات حرّة أفضت إلى تمثيلية شعبية تعدّدية تعكس إرادة المجتمع بأقساط مقدّرة، وإذا كانت هذه المصالحة ما زالت في بداية المسير فإنّ المستقبل واعد بما هو خير في هذا الشأن، وهكذا ينضمّ الجناح الغربي إلى القلب أو ينضمّ هو إليه في مسيرة المصالحة ليعضّد أحدهما الآخر، وتنقطع بينهما أسباب التخذيل ووساوس الشياطبن.

ولكنّك لو رميت ببصرك إلى الجناح الشرقي من هذا المغرب تستجلي أمر المصالحة بين المجتمع والدولة فيه فإنّ البصر سينقلب إليك وهو حسير، فلا تملك إلاّ أن تقول: ألا ليت رياحَ المصالحة بين المجتمع والدولة تهبّ على ربوع الخضراء كما هبّت على أختيها الغربيتين، فيكتمل المشهد، وتستقيم الأجنحة مع قلبها ليبدأ التحليق المتوازن لهذا المغرب في سماء العمران يعضّد بعضه بعضا، ويشدّ بعضه أزر بعض.

إنّ الدولة الحديثة في بلاد الخضراء أصابها ما أصاب غيرَها من البلاد العربية من خصومة بين المجتمع والدولة، فقد سطت الدولة فيها على المجتمع، فجرّدته من مؤسّساته المدنية الفاعلة وعلى رأسها مؤسّسة الأوقاف التي وقع حلّها في أوائل أيّام الاستقلال رمزا لتجريده من المؤسّسات الأهليّة الاقتصادية، ومؤسّسة الجامعة الزيتونية رمزا لتجريده من المؤسّسات الثقافية التربوية، وادّعت أنّها هي التي ستتكفّل له وحدها بحركة التعمير كاملة إن هو أسلس لها القياد، وتنازل لها عن حقوقه موفيا بواجباته. ومع أنّ المجتمع لم يصدّق هذه المزاعم فقام ينازع في حقوقه ويكفكف من غلواء الدولة في السطوة عليه فإنّ الخصام بين الطرفين لم يقارب عشر معشار ما بلغه النزاع بين الدولة والمجتمع في أرض الشهداء ولا حتى في أرض الموحّدين.

صحيح أنّ الدولة في ربوع الخضراء مارست في بعض الأحيان على شرائح من المجتمع قمعا غليظا ذهب ضحيّتَه بضعةُ آلاف تعذيبا وتسجينا، وبضعُ عشرات لقُوا ربّهم ضحايا لسطوة الدولة، ولكنّ المجتمع في أشدّ أيّام المواجهة مع الدولة لم يصوّب نحوها رصاصة واحدة، وذلك على سبيل الحقيقة لا على سبيل المجاز، واكتفى بما سمّاه ذات يوم شيخ الجامعيين محمد الطالبي بمقاومة الخرفان التي تقدّم رقابها للذبح بديلا عن الفتنة المدمّرة، ولم يكن ذلك عن جبن أو خذلان، فمبادلة العنف بالعنف لا علاقة له بالجبن والشجاعة، وإنّما هي الحكمة والتعقّل والصبر التي تفادى بها المجتمع الفتنة التي لو نشبت بينه وبين الدولة لأتت على كلّ شيء، فهل قليل على أرض الزيتونة أن تهبّ عليها رياح المصالحة كما هبّت على أختيها والحال أنّها لا تنقص عنهما أهليّة في هذا الشأن إن لم تكن متفوّقة في بعض العناصر من ذلك؟ أم كان على المجتمع فيها ـ كما يقوله بعض المهتمّين بهذا الأمر حينما يشتدّ بهم الغضب فتطغى العاطفة على الحكمة ـ أن يغلُظ في منازعة الدولة ليردّ عنفها بعنف حتى يظفر بيوم يقرّ فيه الجميع بأنّ المصالحة هي الحلّ المحتوم الذي فيه مصلحة الجميع؟

إنّ الدولة لو تقدّمت خطوة في سبيل المصالحة مع المجتمع فستجد عنده من الوعي ومن الشعور بالمسؤولية ما يتقدّم به نحوها خطوات، وإذا كان يراودها هاجس من أنّ المصالحة قد تذهب ببعض هيبتها وتحدّ من بعض قوّتها فإنّ ذلك ما إخاله إلاّ مندرجا ضمن الأوهام، إذ القوّة والهيبة ليستا إلاّ تينك المستمدّتين من التفويض الشعبي، أمّا ما نجم منهما عن الاستبداد فهو برق خُلّب لا يلبث أن ينكشف سوءَ انكشاف كما حصل في أرض الرافدين السنة الماضية، ومع ذلك فإنّ مخاوف الدولة واحترازاتها وشهواتها في الهيبة يمكن كلّها أن تكون بنودا تُطرح للدرس في صحيفة المصالحة، وأن تُرصد لها الضمانات المطلوبة الكفيلة بأن تؤخذ بعين الاعتبار، وذلك كلّه لو تحقّقت الإرادة الصادقة وامتدّ النظر إلى بعيد، ووقع التخلّي عن سياسة النعامة التي تعتمد مواجهة المسؤولية بالتجاهل والتزييف، على أنّه يجدر التنبيه على أنّ المجتمع بشرائحه المختلفة وخاصّة منها تلك التي تمثّل بؤرة التوتّر مع الدولة لا يُعفى من مسؤوليته في هذا الشأن شأن المصالحة بالرغم من أنّه الطرف الأضعف الذي يقع عليه الاستبداد في هذه المعادلة، أمّا البديل عن ذلك استصحابا لواقع الحال الذي تنخرم معادلة المجتمع والدولة باستبدادها عليه فإنّ الزمن لم يعد يحتمله، وسينتهي بعد حين إلى إحدى النهايات المروّعة للدولة المستبدّة كما اطّردت بها سنّة التاريخ قديمه وحديثه.

لقد آن الأوان ـ بل لعلّه بدأ في الفوت ـ لأن تبدأ في عالمنا العربي حركة جدّية للمصالحة بين الدولة والمجتمع، وأن تُعاد معادلة الحقوق والواجبات بينهما إلى نصابها الصحيح، فقد بيّن محكّ التجربة طيلة ما يقارب القرن من الزمن أنّ استبداد الدولة وسطوتها على المجتمع لم تثمر من النهضة شيئا، بل هي قد كرّست التخلّف وارتدّت بالأمّة في بعض مجالات الحياة إلى الوراء من حيث تتقدّم شعوب العالم إلى الأمام. كما قد بيّن منطق السنن في الاجتماع البشري قبل ما بيّنته التجربة أنّ الاحتراب بين المجتمع والدولة سواء كان ظاهرا معبَّرا عنه بالفتن، أو خفيّا معبَّرا عنه بالاستقالة واللامبالاة هو مسلك لا يفضي إلى تعمير، بل هو آيل إلى خراب. وها هو الواقع المشهود اليوم يبيّن أنّ الفجوة بين المجتمع والدولة يمكن أن تكون مدخلا لقوى الظلم العالمية لتذهب بالكيان الثقافي للأمّة تمهيدا لاستعمار جديد قد يكون أشدّ وأنكى من الاستعمار القديم، فهل هذه الآيات كلّها لا تكفي ذوي الأحلام لأن يمضوا في طريق المصالحة بجدّية ليضعوا شعوبهم في طريق النهضة الحقيقية؟ إنّ المصالحة قيمة عليا من قيم الاجتماع البشري، فأيّما طرفين أراداها بجدّ وإخلاص أمدّهما الله تعالى بمدد منها، وذلك مقتضى قوله تعالى: " إن يُريدَا إصلاحًا يُوفّق الله بينهما إنّ اللهَ كان عليماً خبيرًا " ( النساء/35). * د. عبد المجيد النجار : مفكر تونسي

المصدر: موقع النهضة نت
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 05-03-2012, 06:46   #2
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي

عوائق تكوين المجتمع المدني في الدول العربية


ليث زيدان
الحوار المتمدن - العدد: 1931 - 2007 / 5 / 30 - 11:59
المحور: المجتمع المدني
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع

المقدمة
لو كنت طبيباً سياسياً ، لإستطعت من خلال الكشف الاولي على الدولة العربية ، أن اشخص مرضها ، ديمقراطياً ، بأنه عسر هضم لمفهوم المجتمع المدني ، فالدولة العربية استطاعت أن تدخل في احشائها العديد والعديد من المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المجتمعية والأحزاب السياسية وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني ، بدون أن يسمح نظام الحكم فيها بتغلغل اياً منها في شرايين الدولة والمجتمع ، لتسقط بذلك فائدة وجودها اصلاً ، ففي الدول العربية آلاف المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المجتمعية المختلفة ، فهل بذلك نستطيع القول بأن مفهوم المجتمع المدني قد تحقق بالفعل داخل الدولة العربية ! ، من الواضح أن هناك خللاً ما أدى إلى عسر الهضم هذا ، مما أدى إلى عدم تحقيق المفهوم داخل الدولة العربية .
ولكي نشخص المرض بشكل موضوعي وبدون اتخاذ مواقف مسبقة او إصدار أحكام عشوائية ، لا بد من تحديد الإطار النظري لهذه الدراسة ، فعندما نتحدث عن مجتمع مدني في الدولة العربية ، يجب أن نحدد ماذا نقصد بمفهوم المجتمع المدني .
الإطار النظري للبحث :-
بدايةً أقول انه من الخطأ الاعتقاد بأن هناك ثمة تعريف جامع مانع للمجتمع المدني يظل هو ذاته صالحاً لكل زمان ومكان ، فهو ليس بالحل الناجز لكل المشكلات التي تواجه أي مجتمع بحيث يمكن له استدعائه متى شاء ، وهو ما يثبته نشأة وتطور هذا المفهوم تاريخياً في الغرب ، فمفهوم المجتمع المدني تدرج في مدلولاته ، وتغير في مضمونه عبر التاريخ ، وكانت له تجسيدات وأهداف مختلفة باختلاف السياق التاريخي الذي كان يوجد ويطرح فيه ، حيث كان مرتبطاً بشكل مباشر بالمشكلات التي كانت مطروحة في المجتمعات الغربية في هذه السياقات التاريخية المختلفة وما كان يدور من مناظرات فكرية بين المثقفين لمواجهة هذه المشكلات بدءاً من هوبز وانتهاءً بغرامشي مروراً بـ لوك وتوكفيل ومونتسكيو وروسو وهيجل وماركس ، فالمجتمع المدني في مرحلة معينة كان يقصد به المجتمع الإنساني – السياسي الذي انبثق عن المجتمع الطبيعي وفي مقابلة ، وفي مرحلة آخرى تطور المضمون إلى فصل العلاقة بين الدولة – السلطة والحق الإلهي وبين الدولة – السلطة والمجتمع على قاعدة انتزاع الحقوق المدنية وفي مركزها حق المواطنة ، حيث كان الفرد يتفرد داخل المجتمع ويتواجد فيه بصفته كياناً حراً مستقلاً وذاتاً فاعلة وليس مجرد عضو في عشيرة او أمة او أي تجمع آخر ، وهنا كان المجتمع المدني ( بمفهومة الجوهري ) هو قاعدة المواطنة والفردية والحقوق المصاحبة لها في مقابل الدولة وغيرها أيضا ، وقد تعمق المفهوم وتوسع عبر تقدم التاريخ وإغتنى بمضامين جديده سياسية واجتماعية ، حتى وصل إلى عالم اليوم ( بمفهومة الإجرائي ) متجسداً بآخر تجلياته – التي كان للمفكر غرامشي اكبر الاثر على المفهوم – المتمثله بالمؤسسات المجتمعية او ما يسمى بالمنظمات غير الحكومية او مؤسسات المجتمع المدني (1)
مما تقدم نستطيع القول بان مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم نسبي وتاريخي ، ألا أن ذلك لا يعني انه من غير الممكن استخلاص سمات عامه مشتركه بين المجتمعات يمكن بموجبها تحديد الملامح العريضه لهذا المفهوم.
فالمجتمع المدني هو ذلك الحيز المستقل نسبياً عن الدولة والذي يحتوي على نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين افراده من جهه وبينهم وبين الدولة من جهه آخرى ، وهي علاقات سلمية تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفأهم والاختـلاف والحقـوق والواجبات والمسؤوليات ومحاسبة الدوله في كافة الاوقات التي يستدعى فيها الأمر محاسبتها. ومن جهه إجرائية ، فإن هذا النسيج من العلاقات يستدعي ، لكي يكون ذا جدوى ، أن يتجسد في مؤسسات طوعيه سياسيه واجتماعية واقتصادية وثقافية وحقوقية متعدده ، تشكل في مجموعها القاعدة الاساسية التي ترتكز عليها مشروعيه الدوله من جهه ، ووسيله الضغط عليها ومحاسبتها اذا استدعى الامر ذلك من جهه آخرى . إلا أن هذه المؤسسات تكون خاويه المضمون والفاعليه إن لم تقترن بشروط تحقيقها وتظل شكليه بدونها ، والمتمثلة بتمتع الفرد بحق المواطنه بما تنطوي عليه من حق التعبير والاعتقاد والحياة وكل ما يؤدي إلى تفتح قواه العقليه والمعرفيه والفنيه والعاطفيه ، والارتقاء به بوصفه ذاتاً فرديه انسانيه مستقله ، وحق المواطنه يشمل حق المساواه امام القانون ، وحق الاجتماع والتنظيم في احزاب او اتحادات والمشاركة في الحياة العامة ومراقبة مسيرتها والمسأهمة في تصحيح الخلل الذي قد يحدث فيها ، والأهم من ذلك أن تتفكك الجماعات العضويه القائمة على العرق او العشيرة او المذهب او الطائفه او غيرها ، إلى مواطنين لهم شخصياتهم الحقوقيه والسياسيه والاجتماعية والثقافيه ، بوصفها كائنات انسانيه مستقلة ذات سياده ومتعاضده ، وتنتمي إلى معاييرها الانسانيه وليس إلى معايير تلك الجماعات التي كانوا مندمجين عضوياً فيها .
فالمجتمعات الغربيه لم تصل إلى آخر تجليات المجتمع المدني ( المنظمات غير الحكوميه ) ولم تنجح فيها ، إلا بعد مسيره تاريخية انسانية صعبه العراك ، نضج وترسخ من خلالها حق المواطنه الذي يعتبر أحد أهم أركان المجتمع المدني .
إشكالية البحث :-
لاحظنا مما سبق بإن المؤسسات المجتمعيه او ما يسمى بالمنظمات غير الحكوميه ، هي آخر تجسيدات مفهوم المجتمع المدني غربياً ، ولكن في نفس الوقت ، يلاحظ وجود وتزايد لآلاف المنظمات غير الحكومية في الوطن العربي ، والسؤال المطروح هنا – الذي يمثل إشكالية هذه الدراسه – هو :- لماذا لم يتحقق مفهوم المجتمع المدني عربياً على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من المنظمات غير الحكومية في الدول العربيه ، على افتراض أن المنظمات غير الحكوميه هي آخر ما توصل اليه المفهوم من تجليات ؟ ، او بمعنى آخر ، ما هي العوائق التي منعت تكوين المجتمع المدني عربياً ؟
فرضية البحث :-
تقوم فرضيه هذا البحث ، على أن ما جرى عربياً لم يكن اكثر من مجرد إستدعاء حرفي لآخر ما إنتهى اليه المفهوم في الغرب – المنظمات غير الحكومية – بشكل خاوي المضمون والفاعليه ( كمفهوم اجرائي شكلي ) ، فلم يقترن بتلك الشروط التاريخية لنشوء فكره المجتمع المدني ( التي تشكل جوهر المفهوم ) ، او بمعنى آخر لم يرتكز على خلفية فلسفيه تؤسس نظرياً له ، فلم يكن الاهتمام بتأصيل المفهوم بقدر الاكتفاء بإستدعائه في آخر صيغه له ، فالمجتمع العربي افتقر إلى وجود أهم الاركان التي يقوم عليها المجتمع المدني ، الا وهو المواطنه وما يترتب عليها من حقوق اساسيه ، كالمساواه والحريه والاستقلال الذاتي للفرد وحمايتها من الانتهاك ، وبذلك لم يتحقق المفهوم الجوهري للمجتمع المدني .
صحيح أن هذة المنظمات غير الحكوميه مهمة بحد ذاتها ، وقد تقوم بدور هام جداً ، لكن اذا قصرنا مفهوم المجتمع المدني عليها ، فإننا نكون بذلك قد اخلينا الساحه لنظام الحكم ليفعل بها ما يشاء وفتحنا له الباب على مصراعيه للتفرد في صنع القرارات .
وبالاضافة إلى عدم تحقيق المفهوم الجوهري للمجتمع المدني ،فقد عجزت هذه المنظمات الغير حكومية أيضاً عن تحقيق المفهوم الاجرائي للمجتمع المدني لاسباب تتعلق بالمنظمات نفسها ،ولاسباب تتعلق بطبيعة المجتمعات العربية ولطبيعة النظام السياسي الشمولي فيها ، وهي اسباب ادت إلى إهدار حق المواطنة .
أهمية البحث واسباب اختياره :
تنبع أهمية هذا البحث من الأهمية الخاصة التي يتمتع بها مفهوم المجتمع المدني ،الذي يعتبر شرطاً ضرورياً لتحقيق الديمقراطية ،بل انه - كما يقول عزمي بشاره - " يقود إلى الديمقراطية لانه هو عملية تطور الديمقراطية ذاتها " (2) ،كما انه يعتبر الشرط الجوهري للإرتقاء المعرفي والعقلـي والقيمـي والاجتماعي والثقافي والسياسي للافراد ،كأساس لتمكين المجتمع الذي هم اعضاء فيه من السيطرة على نفسه والتحكم بمقدراته ،وبالتالي فمن المهم بحث هذا الموضوع بتعمق وبتحليل ،لمحاولة معرفة الخلل والمعوقات التي تقف امام المجتمع المدني في دولتنا العربية ،وتقديم الحلول المناسبة لها ، آملاً أن يتم الوصول إلى نتائج جديدة قد تعمم ،وقد تكون ركيزة لبناء ابحاث جديدة عليه .
أما أسباب اختيار هذا البحث ،فيرجع إلى اهتمامي الشخصي بموضوع البحث ، الذي اجد فيه إختصاصاً فى حقل الدراسه فى الديمقراطيه وحقوق الانسان ، هذا بالاضافة إلى تناول الكثير من الادبيات السابقه لموضوع المجتمع المدني في الدول العربيه .
أسلوب البحث وحدوده :
سأعتمد في جمع معلوماتي وتحليلها في بحثي هذا ، على الاسلوب التاريخي ( الاستردادي ) ، لان مفهوم المجتمع المدني هو مفهوم تاريخي مرتبط بتاريخ نشأته وتطورة ، وبالتالي لا يمكن سلخ السياق التاريخي عن المجتمع المدني ، إلا أن هذا البحث سيعتمد ايضاً على الاسلوب العلمي التحليلي وفق منهجيه علميه قائمة على التحليل المنطقي .
أما حدود البحث المكاني فسيكون في إطار الوطن العربي بدون تحديد دوله عربيه بعينها ، فالدول العربية وان كانت تنتمي إلى مجال سياسي وثقافي واحد بصورة عامة ، إلا أن هناك تباين بينها ، من حيث المتغيرات كالبيئة الطبيعية ودرجة تطور الدولة والنظام السياسي والبنية الطبقية والثقافية السياسية ، ومستويات النمو الاجتماعي والاقتصادي والمجتمع المدني ، ولا يمكن لبحث صغير الحجم كهذا ، تناول كل دوله عربيه على حدى – وإن كان من الممكن الحديث عن بعض الدول كأمثله – وبالتالي فسيكون التركيز على القواسم المشتركة الرئيسية لمفهوم المجتمع المدني في كل الدول العربيه ، اما الحدود الزمانيه ، فستكون من تاريخ ظهور هذا المفهوم في الدول العربيه في ثمانينيات القرن العشرين ، حتى آخر تطور وصل اليه هذا المفهوم عربياً ، ومن الممكن تناول فتره تاريخيه سابقه لظهور هذا المفهوم عربياً ، بشكل موجز لأغراض البحث .
تقسيمات البحث : -
مما تقدم فإن هذا البحث سيقسم إلى أربعة عوائق رئيسية تواجة تكوين وتحقيق المجتمع المدني عربياً ، وهي : العائق الأول : مرجعية المجتمع المدني في الفكر العربي المعاصر ، العائق الثاني : الدوله العربية التسلطية ، العائق الثالث : المجتمع العربي التقليدي ، العائق الرابع : المنظمات غير الحكومية بين مطرقه الدوله وسندان المجتمع ، وسيحتوي البحث على خلاصه تتضمن مجموعة من التوصيات .

العائق الأول : مرجعية المجتمع المدني في الفكر العربي المعاصر :
إن مفهوم المجتمع المدني الذي دخل بإسمة الصريح حيز التداول في الوطن العربي متآخراً جداً – بدءاً من ثمانينات القرن العشرين – لم يرتكز على خلفية فلسفية تؤسس نظرياً له فقد جاء التعرف على المفهوم ( عبر الاهتمام المتزايد الذي لاقته مؤلفات غرامشي في العالم العربي بعد السبعينيات ) (3) ، فليس فقط انه لم يكن احد المفاهيم المتداولة في الخطاب النظري السياسي او في الخطاب الايديولوجي العربي سواء الفكر القومي الاشتراكي او الفكر الماركسي – الشيوعي او الفكر الاسلامي ، وليس فقط ان الاسباب الرئيسيه التي ادت إلى ظهوره هي اسباب سياسية واجتماعية اكثر من كونها اسباب فكرية تعود إلى جذور الأمة العربية إستلزمت حضوره في هذا الوقت تحديداً ، وإنما الأهم من ذلك – ومما يدلل على ان الفكر العربي لم تكن لدية الخلفية المذكورة – هو انقسام الفكر العربي إلى تيارات متعدده في التعامل مع هذا المفهوم ، ادت إلى حرب عقيمة بين هذه التيارات الثقافية العربية ،بينما ظل الواقع يرزخ بتخلفة متنظراً فكراً يستجيب لحاجات انتقاله إلى مجتمع مدني حقيقي ،والأبلى من ذلك أن هذا الخلاف الحاد حول المجتمع المدني لم يكن مجرد خلاف حول مضمون المفهوم وتاريخيته او مجرد خلاف حول الصواب والخطأ في حقل الفكر والثقافة ، بل كان في جوهره صراعاً سياسياً ، وهو ما يثبته نتيجة هذا الصراع ، كما سنرى لاحقا.
وقبل الخوض في الحديث عن هذه التيارات الفكرية وموقفها من هذا المفهوم ، لا بد من الحديث عن أسباب ظهور مفهوم المجتمع المدني في الوطن العربي في هذا الوقت تحديداً، وهذا النمو الكمي في عدد المنظمات غير الحكومية العربية في الوطن العربي ،من أقل من 20 ألف في منتصف الستينيات إلى حوالي 70 ألف في اوآخر ثمانينات القرن العشرين (4).
1 –أسباب نشوء وانتشار المفهوم في الوطن العربي على شكل منظمات غير حكومية :-
أ- أسباب سياسية :
انتشر مفهوم المجتمع المدني بوصفة تعبيراً عن ميلٍ معارضٍ لدى البعض للسلطة السياسية في الوطن العربي ، فقد تزامن البحث عن البديل للدولة التسلطية العربية ،مع النقاش الدائر غربياً منذ ثمانينات القرن العشرين ، بدءاً من الأزمة البولندية (حركة التضامن ) (5) ، حول دور المجتمع المدني في مواجهة الدول الشمولية ،فتم إستحضار هذا النقاش إلى الساحة العربية بعد نفاذ صبر فئات واسعة في المجتمعات العربية من تحمل الاوضاع القائمة دون أن يقدم بديلاً سياسياً ديمقراطياً في العمل السياسي ،وذلك بعد الإخفاقات على المستوى القومي العربي ومسلسل الهزائم والإنكسارات العربية في مواجهة الكيان الصهيوني ،وحرب الخليج الثانية ،وتنامي قوه الحركات الأصولية ،بالإضافة إلى التطورات الدولية التي حدثت مع نهاية الثمانينيات واوائل التسعينيات التى شملت إنهيار الإتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية ككتلة وحلف ،وما تبع ذلك من اختلالات في طبيعة وتركيب المجتمع والنظام الدولي وتفكك اوروبا الشرقية إلى دول عديدة بنيت على اسس ديمقراطية (6) ، فكان لهذة الأحداث أكبر الأئر في جلب هذا المفهوم إلى الساحة العربية ،أملاً في أن يكون الحل السحري لمواجهة الدولة العربية التسلطية ،على غرار ما حصل في اوروبا الشرقية .
ب - تراجع دور الدولة في التنمية الوطنية وتلبية احتياجات الأفراد والجماعات المحلية :
لقد أدى خضوع الدولة العربية لسياسات المؤسسات الرأسمالية والدولية ( صندوق النقد والبنك الدولي ) من اجل الحصول على مساعدتها في إعادة جدولة المديونية الخارجية وإخراجها من أزمتها الاقتصادية ، إلى انسحاب الدولة الوطنية من مجالات الانتاج والخدمات وارتفاع أسعار السلع والخدمات وظهور المشكلات الاجتماعية مثل البطالة والفقر، في الوقت الذي كان فيه تزايد للاحتياجات بالنسبه للطبقتين الدنيا والمتوسطة الصغيرة والمتمثلة بالاساس في الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ، فجاءت الجمعيات الاهلية والمنظمات غير الحكومية لتسد الفراغ الذي احدثته الدولة في انسحابها عن تقديم هذه الخدمات (7) ، وبالتأكيد أن الدولة لم يكن لديها ما يمنع من إنشاء هذه المنظمات - ان لم تشجع على إنشائها أصلاً - للتخلص من هذا العبء الذي يقع على عاتقها .
ج- المطالبه بالتعدديه السياسية والثقافية :-
كانت هناك احتياجات متزايده بالنسبه للطبقتين المتوسطة والعليا في المجتمعات العربية ، خصوصاً بعد اتساع نطاق التعليم وازدياد عدد الأكاديميين والمثقفين ، تتمثل في المطالبة بالتعددية السياسية والثقافية وحرية التعبير وحق المواطنين في إقامة تنظيماتهم السياسية والنقابية والاجتماعية والثقافية للدفاع عن مصالحهم وتحسين احوالهم المعيشية (8) ، والدولة ايضاً في هذه المره لم تمانع من إنشاء مثل هذه التنظيمات - طالما انها لا تمس بشرعية وجودها - حيث نظرت إليها كتعويض - قد يكون مرضيا لطبقات المجتمع - عن إنسحابها من دورها السابق في الانتاج والخدمات ، من اجل تلطيف حدة المشاكل الاجتماعية ومحاوله إعاده تعزيز شرعيتها التى باتت على حافة الهاوية .
هذه الأسباب وعلى رأسها مواجهة الدولة التسلطية العربية ، ادت إلى ارتباك وإنقسام وقع فيه الفكر العربي عند تعامله مع مفهوم المجتمع المدني .
2- موقف الإتجاهات الفكرية العربية من مفهوم المجتمع المدني : -
الإتجاه الأول : الإستدعاء الحرفي لآخر ما إنتهى اليه المفهوم في الغرب :
وبسبب عزوف أنصار هذا الاتجاه عن تأصيل المفهوم وإعراضهم عن إستنباته عربياً وإكتفائهم بإستدعائه في آخر صيغه له توصل إليها الغرب (المنظمات غير الحكومية )، فقد أقاموا تعارضاً قاطعاً بين المجتمع المدني والدوله على أساس ان ضعف الثانيه شرط قيام الاول ، وهو ما يتنافى مع نشأه وتطور المجتمع المدني في الغرب الذي كان بموازاة الدوله القويه وبمواجهتها (9 ) ، بمعنى ان المجتمع المدني ليس نتاج هدم او تراجع الدوله او زعزعتها ، وانما هو نتاج تحديد العلاقة بينها وبين المجتمع المفترض فيه ان يكون مصدر شرعيتها ، وإعراض أنصار هذا التيار عن قراءه الواقع واكتفائهم بالرجوع إلى مرجعيتهم وحدها ( استدعاء المنظمات غير الحكومية بالمنظور الشكلاني ) ، ومحاولتهم إدخالها إلى حيز التطبيق ، في ظل مجتمع تشكل الجماعات العضوية القبلية والطائفية والمذهبية وغيرها لحمته وبناءه الاساسي ، ادى ذلك إلى تكريس الطبيعة العضوية لتلك الجماعات ، وتدمير حقوق المواطنة التي تعتبر شرطاً ضرورياً لقيام المجتمع المدني ، وبالتالي فعدم تأصيل المفهوم عربياً ، او بمعنى آخر عدم ربطة بمركباته الآخرى التي تشمل المرور بعمليات كثيرة منها ، تفكيك الجماعات العضوية وتكريس حقوق المواطنة ، وحقوق المشاركة في الشؤون العامة ، وكذلك الحقوق الاجتماعية للمواطنين ، ادى إلى فقدان المنظمات غير الحكومية لمضمونها وفاعليتها في محاولتها لتحقيق المجتمع المدني ، فالخطاب الاسلامي المعتدل حول الديمقراطية مثلاً ، حاول تأصيل مفهوم الديمقراطية اسلامياً بأنها " قيمه اسلاميه بدليل الشورى التي هي جزء من العقيده " (10) ، بغض النظر عما واجهه من انتقادات .
الإتجاه الثاني : الرافض للفكر الغربي :
وأنصار هذا الاتجاه حاولوا إيجاد مفاهيم وتصورات بديلة للمجتمع المدني ، تستمد مشروعيتها في نظرهم من كونها تنتمي إلى تجربة هذه الأمة ، مثل المجتمع الاهلي محل المجتمع المدني، والجماعة بدلاً عن المجتمع ، والمؤمن في مقابل المواطن ، والإجماع بدلاً من الرأي العام . وحقيقة الأمر أن علاقات المجتمع الأهلي تشتمل على السمات التي تميز المجتمعات التقليدية – التي لم تدخل الحداثة الراسمالية الكليه – من طائفيه وقبلية وإثنيه ومذهبية وعائليه وغيرها ، وهي علاقات اجتماعية تراتبيه
قسرية ، حيث لم تتفكك هذه البنى في نطاق دوله قائمة على المواطنيه (11) ، وترتب على ذلك منظومة قيم معينة ، رتبت حقوق وواجبات وامتيازات ومسؤوليات بحسب التقسيمات الاجتماعية الموجودة في المجتمعات الاهليه التاريخية ، التي يقسمها د. صادق العظم إلى اربعة تقسيمات كبرى ( الحر والعبد ، الرجل والمرأه ، المسلم وغير المسلم ، الخاصة والعامة ) (12) ، وهذا يناقض تماماً المجتمع المدني الذي تتمركز العلاقات الحاسمة فيه حول علاقات المواطنة التي تميل لأن تكون مدنية ، طوعية ، تعاقدية ، حقوقية ، مساواتيه ، وبذلك يلغي المجتمع المدني التقسيمات الاربعة التي يختص بها المجتمع الأهلي .
وقد يقول أنصار هذا الإتجاه بأن المجتمع الاهلي كان قد تميز بإستقلال نسبي كبير عن الدولة ومؤسساتها ، وقيامه بأدوار التنظيم الاجتماعي والتعليم وتقديم بعض الخدمات الصحيه والاجتماعية وغيرها عبر مؤسساته المتجذره في التاريخ مثل الوقف والزكاه والجوامع وغيرها ، مما يعني انه وفر نوعاً من الحماية والامن للمواطن الفرد وحماه من تعسف السلطه ومنحه قدراً من الحرية ، إلا أن ذلك يرد عليه بالقول ، من جانب اول ، ان هذه المؤسسات كانت خيريه الطابع وبالتالي فهي تختلف عن العمل غير الحكومي الذي يهدف إلى التأثير على السياسه والتخطيط ، ومن جانب ثاني ، فإن القول بأن المجتمع الاهلي وفر الحريه ، هي مقوله مغلوطة لأن هذه الحرية مورست " بشكل غير واعٍ وخارج الدوله وفي غيابها " ، " أما حيث وجدت الدوله فتتآكل الحريه وممارستها ويزداد الوعي بها " (13) ، وهو ما يتنافى مع المجتمع المدني الذي دخلت الحريه فيه المجال السياسي ، مجال الدوله .
وبالتالي إن ما قام به أنصار هذا الاتجاه هو مجرد تعويض وهمي ، لان المجتمع الاهلي ، من جانب ، يفتقر إلى وجود أهم الاركان التي يقوم عليها المجتمع المدني ، الا وهو المواطنة ، وما يترتب عليها من حقوق اساسيه كالمساواه والحريه والاستقلال الذاتي للفرد ، ومن جانب آخر ، إن ما حصل في إطار المجتمع العربي في القرن الأخير من تغير شامل في نظم الانتاج والاستهلاك وفي طرق التعبير ونظم الاخلاق والمطامح والآمال وغيرها ، يجعل التفكير في المجتمع الاهلي كوعاء لإستيعاب هذا التغير ، تفكيراً لا يمت للواقع بأيه صله .
الإتجاه الثالث : التوفيق بين التراث العربي والمجتمع المدني الحديث :
يذهب أنصار هذا الاتجاه التوفيقي إلى التفتيش في التراث العربي ، علهم يجدون فيه ما يوازي مفهوم المجتمع المدني الحديث (14) ، وقد توقفوا عند بعض البؤر والمؤشرات الجزئيه ، والتي تعتبر " وثيقه المدينه " او " الصحيفة " من اكثرها تعبيراً ، حيث تنطوي على تنظيم للعلاقة التي تجمع كافه الفئات والاديان التي كانت متواجده في المدينه المنورة ، إضافة إلى المهاجرين والانصار الذين شكلوا النواه الاولى للمجتمع العربي في ذلك الوقت .
وتعود أهميه هذه الوثيقة – بنظرهم – إلى ما تحمله من عناصر عامه ، قد يكون في إعادة قراءتها من جديد أن تفصح عن دلالات معاصره ، تصلح لأن تكون إرهاصاً لمجتمع مدني عربي معاصر ، وهذه العناصر الهامة تتمحور في ثلاث نقاط – بحسب رأي د. كريم ابو حلاوه – " 1- الإقرار المتبادل بوجود الآخر وبشرعيته الكامله ، 2- التعـاهد عـلى عـدم الاعتداء من قبل احد الاطراف على الآخر 3- الاتفاق على بناء مجتمع لا يتحدد الإنتماء اليه على أسس دينيه فقط " (15)
أما الدلالات المعاصرة التي قد تفصح عنها هذه العناصر فهي ، قدرة الاسلام على إداره شؤون الحكم والمجتمع ، وإداره التحالف والصراع وفق صيغ وقوانين وضعيه ، وإمكانيه قراءه التجربة الاسلاميه وتاويلها من مواقع فكريه وإجتماعيه متعدده بعيداً عن الإدعاء بإحتكار الحقيقه او أحاديتها .
أما البؤره الأخرى التي أشار إليها أنصار هذا الاتجاه ، فهي التي وجدوها في " السياسه المدنيه" عند ابن خلدون ، بالإضافة إلى فتره الازدهار العربي في عهد المأمون ، وبعض افكار المجتمع المدني التي طرحها مفكروا عصر النهضة من دون استخدام الاسم الصريح له.(16)
اعتقد بأن تبني مثل هذه الطريقة في التوفيق لن يكون ذا فاعليه في تأسيس مجتمع مدني عربي ، لان هذه البؤر والمؤشرات كانت مختلفة الدلالات ، ومتباينه المعاني وتفتقر إلى الترابط الزمني والمكاني وبالتالي لن تتمكن من تشكيل تيار متجذر ومنسجم سياسياً وفكرياً في داخل فكر عربي واحد .
ما أريد التوصل اليه ، أن الوطن العربي يعاني من إشكالية حقيقية في مرجعيته الفكريه العربيه المعاصرة حول مفهوم المجتمع المدني ، هذه الإشكالية التي تعتبر عائقاً اساسياً امام تكوين المجتمع المدني العربي ، فمما تقدم شرحه ، يتضح لنا بأن مجتمعاتنا العربيه في ظل هذه المرجعيه الفكريه ، تواجه خيارين لا ثالث لهما ، إما استدعاء جاهز لنماذج المنظمات او المؤسسات المدنيه في الغرب ، وإما الاعتماد على المؤسسات او البنى التقليدية الموجودة في مجتمعاتنا العربيه ، وبالتأكيد انه في كلا الخيارين لا مجال لتكوين المجتمع المدني ، ففي الخيار الاول ، فكما لا يمكن إستيراد الأمة كذلك لا يمكن استيراد المجتمع المدني ، على إفتراض أن الأمة هي – كما يقول عزمي بشاره – " الوجه الآخر للمجتمع المدني " (17)، وفي الخيار الثاني لا يمكن انشاء مجتمع مدني من خلال مؤسسات وبنى تقليدية ، لانها لم تدخل الحداثة الرأسماليه التي تعتبر من الشروط التاريخيه لعمليه بناء المجتمع المدني في الغرب .

العائق الثاني :- الدولة العربية التسلطية :-
كنت قد أشرت سابقاً الى أن المجتمع المدني الغربي لم ينشأ من ضعف الدولة ، وانما كان وليد قوتها وحداثتها ، فالدولة ظهرت الى الوجود بإزاء مجتمع زراعي تقليدي ، وبعد ذلك تطورت الى دولة حديثة من خلال مرورها بمجموعة من العمليات مثل ، بناء الجيش ، الجهاز الاداري ، نظام التعليم ، الانتاج الحديث ، الخدمات الحديثة ، التحول الرأسمالي ، التصنيع ، البرجوازية ، روابط اجتماعية جديدة ( نقابات ، اتحادات ، منظمات .. الخ ) ، الطبقة الوسطى وغيرها من العمليات ، قادت في النهاية الى خلق المجتمع (18) ، بمعنى ان المجتمع المدني كان بموازاة الدوله الحديثة ، يسيران جنباً الى جنب ، وبالتالي فهناك علاقة جدليه بين المجتمع المدني والدولة لا يجوز التفكير في فك الارتباط فيما بينها ، فنفي المجتمع المدني للدولة وإقصاؤها لا يقل خطورة عن نفي الدولة للمجتمع المدني وتهميشة ، فكلاهما يشكلان معادلة الوجود الاجتماعي ، فالدولة ( المجتمع السياسي ) يوجة قطاعات المجتمع المدني المختلفة عبر الآلية القانونية والقضائية للدولة ، بما يكفل حق افراده وحريتهم في المبادرة والعمل وفقاً للدستور ، وفي نفس الوقت يمنح المجتمع المدني المشروعية للمجتمع السياسي أو السلطة السياسية بما يعني بقائها واستمرارها.
وبالتالي فإن إقصاء أحد اطراف معادلة الوجود الاجتماعي ( المجتمع المدني ،المجتمع السياسي ) للآخر ، يؤدى بالضروره ، إما الى حرب اهليه بوجوهها الطائفيه والعشائريه والقبليه وغيرها فـي حالة إقصاء المجتمع السياسي ، وإما الى الاستبداد المطلق بشؤون المجتمع وبناه ومؤسساته في حاله إقصاء المجتمع المدني ، وهذا يعنى أن المهم هو تنظيم العلاقه بين المجتمع المدنى والمجتمع السياسى بما يخدم ويطور المجتمع ككل (19) .
إن ما حصل عربياً وبكل بساطه ، كان عباره عن عمليه إقصاء وتهميش لاحد اطراف الوجود الاجتماعي ( المجتمع المدني ) من قبل الدوله العربيه التسلطيه من خلال تحكمها بالمجتمع ككل فقد بات من المعروف للجميع بان التركيبه التسلطيه – القمعيه ، هي تركيبه تشترك بها معظم الدول العربيه - إن لم تكن جميعها - ، وما ترتب على ذلك من تقيد لحركه المجتمع وتنظيماته المختلفه - ان سمح بوجودها اصلاً - ، والحد من حريات الافراد المدنيه والسياسيه ، وانتهاك لحقوق المواطنه ، وحقوق الانسان الاساسيه ، وغيرها من الممارسات القمعيه التى كانت تتم بالعاده بإسم القانون والامن والنظام العام والمصلحه الوطنيه والقوميه وغيرها من ألاغطيه الزائفه ، وهكذا كما يقول د .جورج جقمان " تبتلع الدوله المجتمع وتهيمن عليه وتكبح جماحه وتقيد أنفاسه " (20) .
وبهذه التركيبه التسلطيه ، اصبحت الانظمه الحاكمه العربيه تملك (السلطه والثروه ) ، فزادها ذلك - للمحافظه على وجودها الغير شرعي أصلاً - إستبداداً وقمعاً .
لن أخوض فى تفاصيل أصبحت معروفه لكل من يعنيه الواقع العربى - على الرغم من أهميتها - فيما يتعلق بولادة الدول العربيه الجديده - على يد القوى الاستعماريه الغربيه - وما رافقها من مشاكل وتحديات داخليه وخارجيه ، والنمو المشوه للدوله العربيه ، وإدارتها الفاشله للصراعات الداخليه والخارجيه (21 ) ، وإنما الأهم من ذلك وهو ما يعنينا فى هذا المقام - من وجهة نظري - هو معرفة كيف إستطاعت الدوله العربيه التسلطيه أن تكون عائقاً أمام تكوين المجتمع المدنى عربياً ، أعتقد بأن القول أن القوه البوليسيه والإرهاب المباشر الذى مارسته الدوله التسلطيه على المجتمع كان عائقاً أمام تكوين المجتمع المدني ، هى مقوله صحيحه بلا شك إلا أنها غير كافيه لمنع تكوين المجتمع المدني ، فهناك عوائق أساسيه أخري فرضتها ممارسة الدولة لدورها التسلطي تتمثل فيما يلي :
1- فشل الدوله العربيه فى بناء الأمة : -
لابد بدايةً من إعادة التذكير بأن المواطنه كانت الشرط الضروري لبناء المجتمع المدني في الغرب ، على اعتبار " انها الثمن الضروري والحتمي لتكوين ولاء جديد يمحو الولاءات العصبويه السابقه " (22) ، وفى نفس الوقت مثلت المواطنه أساس الفكره القوميه الحديثه (الأمة ) ، وهذا ما يجعلنا دائماً نقول بأن الأمة هي الوجه الآخر للمجتمع المدني ، فمفهوم الأمة غربياً - التي هي تعبير عن أكبر تطور وصلت له الدوله ، أي الدوله القوميه المعبره عن الأمة - لم يكن في الإمكان أن يتبلور إلا بالقضاء على مفهوم السلطه الابويه (اساس الدوله الاقطاعيه ) الذي كان يقوم على اخضاع الافراد لهذه السلطه (كرعايا ) وليس (كمواطنين ) ، على إعتبار أن هذه السلطه هى مصدر السياده وليس الشعب أو الأمة (23) ، وبالفعل تم القضاء على هذه السلطه بفضل البرجوازيه الاوروبيه ، وإرتبطت سيادة الدوله -الأمة ، بسيادة الطبقه البرجوازيه ذات الإحساس بالحريه التي مهدت الطريق امام التعبيرات الاجتماعية المناقضه للدوله ، حيث انتقلت من حرية السوق الي حرية سياسيه وايديولوجيه ، وهذا ادى الى نشوء الاختلافات بداخل الدوله التي استطاعت التحكم بها عبر السماح بتعبيراتها العلنيه أو بمعنى آخر نما على هامش المجتمع السياسي البرجوازي ، التنظيم المدني للمجتمع .
وبالتالي فمفهوم الأمة تحقق من خلال تعميق الولاء للدوله القوميه (المعبره عن الأمة )هذا الولاء القائم على أساس المواطنه وما ترتبه من حقوق ، وليس الولاء للملك أو الكنيسه ، وذلك بعد إعاده رسم العلاقـة بين الدولة والمجتمع والفرد بحيث تصبح " الفرد – المجتمع – الدوله " (24) ، وهو ما أدى الى بناء الدولة الديمقراطية القائمة على " السيادة الشعبية ، التعددية السياسية والمعارضة ، الفصل بين السلطات " (25) .
الدوله العربيه لم تسر وفق النموذج الاوروبي ( الديمقراطي ) في التطور ، فظلت تنتمي الى عالم ما قبل البرجوازية وسيادتها ( السلطة الابوية ) ، وأنشات الدوله الوطنية – الشمولية التي كانت امتداداً سياسياً وواقعياً لـ " الاستبداد الشرقي " ( 26) ، وتحولت الدوله العربيه الي أداه لكبح التعبيرات الاجتماعية المناقضة للدوله ، معتبرهً نفسها الممثل الكلي للمجتمع ، ونظرت إلى كل من يعارضها بأنه يعارض المصالح النهائية للمجتمع ، فعمت ايديولوجيتها الشموليه لتكبح حرية المجتمع وحقه في التعبير عن الاختلاف ، وهكذا وحدت على نحو كلي المجتمع السياسي بالمجتمع المدني ، وذلك بحجة قيامها بدور اجتماعي واقتصادي توسعي ، وتحقيق طموحات قومية ( الوحده العربيه وتحرير فلسطين ) ، فتم إستغلال الايديولوجيات القومية والاشتراكية والوحدويه ( والاسلامية في بعض الاحيان ) للدعاية والتعبئة السياسية تأييداً للنظم الحاكمة (27) ، وكان هذا كله على حساب بناء الأمة وتحقيق المواطنه ، فلا أمة بنيت ولا مواطنة تحققت ، وفي نفس الوقت لم تقم الدوله بدورها الاقتصادي والاجتماعي وفشلت في تحقيق الطموحات القوميه التي كانت تنادي بها ، وانتشر الفساد والتخلف والتجزئه والتبعيه ونزعت السياسيه من المجتمع ( 28 ) ، وكرست الولاءات التقليديه التى وجدت فيها الدوله أفضل من يقدس مبدأ الطاعه والإمتثال ، فأعطتها الحيز الكافي لتكسب ثقتها وتهيمن عليها ، وبالتالي فالولاء لم يكن للأمة لانها لم تبنى اصلاً ، فأساسها المتمثل بالمواطنة لم يتحقق في ظل الدولة التسلطية ، وبالتالي فالنهوض بمشروع الأمة العربيه يمكن الاجابه عليه بكلمه واحدة ( فشل ) ، وهذا ادى الى عبادة وتقديس الدوله او بالأحرى السلطة وايديولوجيتها ، عوضاً عن الولاء للأمة وإرادتها الواحده ، والسبب في ذلك بكل بساطة ، يجيب علية د. برهان غليون في معرض حديثة عن سلوك النخبـة البرجـوازية الجديـدة ( الاشتراكيون والشيوعيون ) التي اعتمدت الثورة مشروعاً للتحديث والنهوض بالأمة ، بقولة أن هذه النخبة " ارادت أن تحقق هذا الولاء (ولاء الافراد والمجتمع للدوله ) من خلال تحويل المجتمع ذاته وتحديثه بما يتفق مع الدوله الحديثه التي أتت بتصورها ومفهومها من خارج المجتمع وفرضتهما عليه " (29) ، وهو ما أدى الي ولادة الدوله الشمولية .
2- تحكم الدوله العربية بالإقتصاد الريعي ( الدوله الريعية ) :-
يعتبر الاقتصاد الريعي ، الذي يعتمد بشكل اساسي على الريع الذي يأتية من الخارج ( تحويلات مـن الاقتصاد الخارجي دون أن يفترض وجود قطاعات انتاجيه محليه مهمه ) ، أحد أهم القواعد الاساسيه التي تستند عليها الدوله العربيه في استبدادها السياسي ، وإحتكارها للإقتصاد ، وهيمنتها على المجتمع ككل ، ومنع تحقيق المجتمع المدني ، لما يعطيه هذا الاقتصاد من قوه ، للدوله الريعيه بحيث يمنحها مجالاً واسعاً للمناوره في علاقتها مع المجتمع ، فالدوله الريعيه التي تتحكم بها فئة محدودة من المجتمع ، تحصل بشكل مباشر على عناصر الثروه ( الريع الخارجي ) وتعيد توزيع او استخدام هذه الثروه الريعيه على الغالبيه من السكان ، بمعنى أن دور الغالبيه العظمى من السكان يقتصر على استخدامات هذه الثروة ، وبالتالي فتركيز هذه القوة الاقتصاديه في يد عدد محدود ( الحكومة ) ، يمكّنها ذلك من الاستحواذ على السيطره السياسه ، وهذا بدوره ينعكس في أنماط خاصة بالسلوك الاقتصادي والاجتماعي لمختلف الفئات الاجتماعيه (30) .
أن الحقبة النفطية في السبعينات ، كان لها دوراً اساسياً في إبراز وتطور الصراع بين المراكز الانتاجيه والمراكز الريعية في المنطقه العربيه ، والتي إنتهت لصالح المراكز الريعية ، مما إنعكس على أنماط السلوك في القطاعات الانتاجية ذاتها ، وهكذا فإن حقبة النفط خلقت اقتصاداً نفطياً ريعياً ، شمل معظم الدول العربيه ، سواء كانت المنتجة للنفط او الغير منتجة له
وبهذا اصبحت الوظيفة الاساسية للدوله العربيه الريعيه هي تقديم الخدمات وتوزيع المزايا والمنافع على افراد المجتمع ، وهذا أثر بدوره على تشكيل علاقات المجتمع على نحو يسمح للمصالح الخاصة والفئات الاجتماعية المختلفة بالحصول على أكبر قدر من إعادة توزيع الريع المتحقق لدى الدولة ، فلم تكن المواطنة هي المعيار الاساسي في تشكيل هذه العلاقات ، كما أثر على نظرة الافراد ( المستهلكين ) لحقوقهم في المشاركه السياسيه حيث اصبحوا أقل تشددأ في المطالبة بهذه المشاركة ، فهي إن وجدت كانت منحة من الحاكم.
أن خصوصية الدولة الريعية تكمن في تضخيم جهاز الدولة ، وتخفيض إعتمادها على المجتمع ، وقد أدى وجود النمط الريعي للدوله إلى " إنشاء حلقات من الشرائح الريعيه " (31) ، التي تتبادل الكسب لمجرد توزيع المزايا ، فلم يكن هناك فصل بين الحيز الخاص لهذه الشرائح ( الحاكم وعائلته واقربائة وكبار الموظفين ….الخ ) والحيز العام للدولة ، وبالتالي كان هناك انعدام العلاقة مجتمع مدني – دوله .
وإمتد تأثير الدولة الريعية ( الدول العربية المنتجة للنفط ) الى الدول العربية الأخرى ، بواسطة الدعم المالي الذي قدمتة الدول الخليجية ، ومن خلال عائدات العمال العاملين في الخليج ، ومن خلال ما عرف بريع المواقع " الأهمية الاستراتيجيه للدول المجاورة للدول النفطيه ودورها في حفظ الاستقرار والامن" (32 ) ، والمعونه الاجنبيه ، وهذا كله أضفى صفة الدوله شبه الريعيه على الدول غير النفطيه ، والتي كان لها نفس آثار الدول الريعية .
إذاً في الدول الريعيه وشبه الريعيه ، كان هناك سيطرة قسرية للمجتمع السياسي على الاقتصاد ، وترتب على ذلك تبعية المجتمع ككل لعلاقات القسر السياسيه التي تملك الدوله جميع خيوطها ، وهو ما يتنافى مع الشروط التاريخيه الخاصة بتكوين المجتمع المدني في الغرب ، الذي يخلق إلا بعد تحرير النشاط الاقتصادي من السياسي ومن التبعية لعلاقات القسر السياسية ، " فأقام شكلاً جديداً للسلطة الاجتماعية نقلت بموجبه العديد من وظائف الدوله الى الخاص أو بمعنى آخر خصخصة السلطــة العـامة ". (33)
3- البيئة القانونية في الدول العربية التسلطية :-
اذا كان المجتمع المدني هو ذلك الحيز المستقل نسبياً عن الدوله والذي يسمح للافراد بممارسة نشاطاتهم ، فإن القوانين هي التي تضمن هذا الاستقلال النسبي وتنظيم العلاقة بين المجتمع المدني والدولة ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية ، فهي التي تضمن وجود هذا الحيز وتوسيعة أو تضييقه ، وبشكـل أكـثر دقـة ، مضمون هذه القوانين من حقوق وحريات ، فهذا المضمون بما يحتوي من حقوق وحريات مستقره يجعل حيز المجتمع المدني مستقراً ، ويساعده في ذلك مبدأ الفصل بين السلطات ، الذي يضمن هذه الحقوق والحريات وإستمرارها الى جانب القضاء المستقل والنزية ، كما أن منظومة الحقوق ( المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ) تعزز وتسهم في تعميق الانتماء الوطني ، هذا الانتماء الذي يؤدي الى تحقيق المواطنة التي تعتبر الشرط الضروري لبناء المجتمع المدني (34) ، وبالتالي فالقوانين مهمة والأهم منها هو مضمونها لان الاعمدة التي يقوم عليها المجتمع المدني هي الحقوق التي تمنح الحريات .
عربياً ، يمكننا توصيف البيئة القانونية فيها بأنها لم توفر شروطاً قانونية كافية لحماية الافراد او الجماعات المختلفة ، اذ تسيطر على الحكم فئات إجتماعيه إنفصلت مصالحها عن مصلحة الشعب ، وباتت تعبيراً صارخاً عن اللاقانونية واللاشرعية ، لذلك نراها تعطل الدساتير وتعلق القوانين ، بالاحكام العرفية وبقوانين الطوارئ وبالاعراف العشائرية(35) ، ونراها تشرع القوانين التي تكرس البنى التقليدية للمجتمع (36) .
لن ادخل في تفاصيل انتهاكات وتقييد الانظمة العربية. للحقوق والحريات ( فهي كثيرة والحمد الله وباتت معروفة للجميع ) ، وإنما سأثير ما قد يكون غائباً عن الاذهان لدى الكثير من المثقفين العرب ، بأن الكثير من هذه القيود والانتهاكات للحقوق والحريات وتجاوز القوانين ، التي تقوم بها هذه الانظمة ، تكون بالاستناد الى القوانين نفسها ، وعلى رأسها الدستور ، فمعظم الدساتير العربية تضم فصولاً خاصة بالحقوق والحريات الاساسية لمواطنيها ، فهل هي بذلك وفرت – على الاقل – الحماية التشريعية لهذه الحقوق ؟ ، لا بد من توضيح ركيزة مهمة ، يؤدي إهمالها الي عدم توفير الحماية التشريعية – وبالتالي عدم توفير الحماية العملية – لحقوق المواطنين وحرياتهم ، حتى لو تم تضمين الحريات والحقوق في الدستور . تتمثل هذه الركيزة بالصياغة الدستورية للضمانات المتعلقة بحقوق الافراد وحرياتهم ، فحتى يضمن الدستور حماية فعلية لهذه الحقوق والحريات ، يجب أن تكون هذه الصياغة بشكل دقيق ، وواضح ، وبشكل قانوني محدد ، تعبر عن مفاهيم يمكن الإستناد إليها أمام القضاء في مواجهة السلطة وتعسفها وانتهاكاتها لحقوق المواطنين وحرياتهم ، فإستخدام لغه ومفردات يسهل تاويلها والتلاعب بها أو وضع شروط تؤدي الى فرض قيود من داخل الضمانات الدستوريه نفسها ، يحول دون تمتع الافراد بحقوقهم وحرياتهم ، لان مثل هذه اللغة او الصياغة – كما هو الحال في الدساتير العربية – تعطي الانظمة الحاكمة وبشكل قانوني ، مجالاً واسعاً من الحرية في التحكم بهذه الحقوق والحريات وانتهاكها (37) .
بقي أن نقول انه في ظل دوله تسلطية استبدادية – وهي حالة الدولة العربية – تمس جوهر وصلاحيات السلطات التشريعية والقضائية ، ينتج عن ذلك تغييب المراجعه القضائية المستقلة لاعمال الادارة وهذا يسأهم بشكل كبير في فقدان الحقوق والحريات ، هذا بالاضافة الى عدم خضوع التشريعات التي تصدرها الدولة ، للرأي العام المتكون عبر النقاش العقلاني الحرالذي يسعى الى تحقيق الموازنة بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة .

العائق الثالث : المجتمع العربي التقليدي :
لست بحاجة الى القول بأن علاقات المجتمع العربي تشتمل على الخصائص التي تميز المجتمعات التقليدية ( ما قبل الحداثة ) من عشائرية وقرابية ودينية وعرقية … ، فهذا القول اصبح من المسلمات ، ولكنني بالتأكيد بحاجة الى القول ، بأنة قد ترتب على ذلك ، أن علاقات المواطنة في داخل هذا المجتمع ، هي علاقات تراحمية ، عضوية ، قرابية ، دينية ، قبلية ، وليست علاقات مدنية ، طوعية ، تعاقدية ، حقوقية ، مساواتية ، لذا فدلالات المواطنة كرابطة لم تزيل روابط الدين والعرق والايديولوجا ، وبالتالي لم تتفكك هذه البنى العضوية الى مواطنين لهم شخصياتهم الحقوقية والسياسية والاجتماعية والثقافية ، بمعنى آخر لم تتحقق المواطنة الضرورية لقيام المجتمع المدني ، في ظل البنى العضوية التقليدية .
فرابطة المواطنة العربية – إن صح التعبير – اصبحت تقوم على منافع وحقوق مادية محدده ، يطالب بها المواطن في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الأخرى ، أي بمعنى انه تم التركيز على الحقوق وليس الواجبات ، وهذا عمق من دور الدولة في التوزيع السلطوي للقيم ( المادية والمعنوية ) ، على افراد المجتمع والجماعات المختلفة فيه (38 ) ، وبذلك اصبحت البنيات الوظيفية للمجتمع تقوم على الطاعة والامتثال والرعاية ، وهي أسس تناقض الحق والديمقراطية والاستقلال الذاتي .
ما اود التركيز عليه في هذا الموضوع ، هو تلك الاسس التي يقوم عليها المجتمع العربي التقليدي ، وما تتضمنه من قيم ومبادئ تتناقض مع القواعد الاساسية التي يقوم عليها المجتمع المدني ، ، فالمجتمع العربي التقليدي يقوم – بتقديري – على ركيزتين اساسيتين ، هما :-
الركيزة الاولى : العقلية البطركية ( الابوية ) :
على الرغم من ان الوطن العربي قد مر بتحولات اجتماعية واقتصادية واسعة خلال العقود الاخيرة ، إلا أن العقلية البطركية لا تزال تتحكم بالكثير من حلقات ودوائر المجتمعات العربية ، فعلى الرغم من التفاوت النسبي في درجة إمساك هذا العقل بالبنية الاجتماعية من بلد عربي الى آخر ، ومن وسط ثقافي معين الى وسط ثقافي مختلف ، إلا أن سمات هذا العقل ما زالت هي الواضحة على اكثر من صعيد اجتماعي وثقافي وتربوي (39) .
وترى د. فهمية شرف الدين ، أن السبب الرئيسي لهذه العقليه الابوية ، هو المنظومة التربوية السائدة في المجتمعات العربية والتي تعني هنا " نظام القيم الذي يخترق العلاقات الاجتماعية وينعكس في نظم التربية والتعليم وقواعد الضبط والسلوك الاجتماعي " (40) ، بمعنى ان العقلية البطركيه تتشكل بالاستناد الى القيم الابوية التي تبدأ جذورها في الاسرة التي لا توافق على الحق المتكافئ لكل اعضائها في التعبير عن الذات ، ففي الاسرة تبنى علاقات ( المراتبية ) بحيث يمارس الذكور والاعضاء الاكبر سناً السلطة على الاناث وصغار السن ، فتغيب المشاركة والتكافؤ في صياغة واتخاذ القرارات ويسود منطق التلقي والتنفيذ ( الطاعة التي ينتج عنها التبعية ) ، فهذه العلاقات داخل الاسرة لا تسمح بإنتاج فرد مستقل قادر على المحاورة والمطالبة ، والأمر لا يتوقف عند حدود الاسرة ، بل تتصاعد وتيرة هذه البنية الابوية وتنتقل الى المدرسة والجامعة ومكان العمل والعشيرة … الخ ، فلا يسمح بحق الاختلاف والمعارضة ويمنع الفرد من التعبير عن نفسة ، وتتشكل النظرة السلبية نحو المرأة في التعامل معها من منطلق ( المقدس والمحرم ) ، وبالتالي فهذه القيم التربوية الابوية ، التي تنطلق من افكار الطاعة والتبعية كأساس للتنشئة الاجتماعية والتي تنبني عليها شبكة العلاقات الاجتماعية والسلطوية ، تلعب دوراً فعالاً في إعاقة بناء المجتمع المدني الذي يقوم على الحوار والاستقلال الذاتي .
الركيزة الثانية : المؤسسة الدينية الرسمية وغير الرسمية :-
بدايةً لا بد من توضيح فارق مهم بين الوظيفة الاخلاقية للدين ، - والتي هي ضرورية لاي مجتمع إنساني - التي تعمل على خلق الحوافز والروادع الذاتية للافراد ، وبين المؤسسه الدينية الرسمية التي هي مجموعة من البشر والقواعد والشعائر والطقوس ، والتي تدعي هي ، أو تسند اليها الدولة ، مهام الحراسة أو الوصاية على تطبيق صحيح الدين ، كما تراه هذه المؤسسة الدينية .
حديثنا سيكون عن هذه المؤسسة الدينية ، التي تعتبر أحد أهم المرجعيات التي يعتمد على رايها افراد المجتمع العربي في علاقاتهم ومصالحهم وفي التعبير عن أراءهم وحرياتهم … الخ ، وهناك تناقض صارخ بين القيم والممارسات التي تعتبرها المؤسسة الدينية من صحيح الدين ، وبين قيم وممارسات المجتمع المدني ( كفضاء للحرية ) ، يجعل من تكوين الأخير في ظل هذه المؤسسة الدينية ، أمراً مستحيلاً ، فمثلاً المجتمع المدني يقوم على التعددية التي تنطوي على القبول بمشروعية إختلاف الآراء والمعتقدات وتنوعها ومشروعية الاطر التي تعبر عنها (41) ، وبالتالي ليس للمجتمع المدني قيم مطلقة – فحتى القيمة الاساسية للمجتمع المدني وهـي الحرية ، لا بد من تقنينها إجرائياً ، حتى لاتكون حرية فرد او افراد على حساب حرية فرد او افراد آخرين في المجتمع نفسة – فالحقيقة في المجتمع المدني هي دائماً نسبية ومتغيره ويتم إكتشافها مرحلياً بالحوار وتبادل المعلومات ، ولأن الحقائق متغيرة ، فإن المجتمع المدني بتنوعة ونسبيتة يعتمد على التسامح الذي يصبح احدى القيم والممارسات الشائعه ، وبعكس ذلك ،نجد أن المؤسسة الدينية حريصة على اعلاء شأن القيم المطلقة ، فالدين – في نظر تلك المؤسسة – هو المطلق الذي يستبعد كل ما هو نسبي وكل ما يختلف عنه او معه ، فكل دين يدعي إحتكار الحقيقة المطلقة ، وبالتالي فهو يستبعد من مجتمع المؤمنين به ، كل من يؤمنون بأديان آخرى ، وبالتأكيد أن هذه النزعة الاستبعادية ليست من صميم أي دين ، ولكنها تفسير المؤسسه لصحيح الدين .
من المهم ان نذكر هنا ، بأن هناك صور من التدين الشعبي مثل الصوفية ، والتي تكون ممارساتها طوعية اختيارية ، وهناك التنظيمات الدينية المسيسه مثل حماس في فلسطين والتي ايضاً عضويتها اختيارية ، متغلغلة في المجتمع العربي – ولكنها لا تنتمي الى المؤسسة الدينية الرسمية – وتتحدث بإسم الدين ، وهناك من يعتبرها من ضمن تنظيمات المجتمع المدني لكونها مكتسبة أي غير إرثيه ، وعضويتها إختيارية ، إلا أنني أخالف هذا الرأي واعتبرها عائقاً أمام تكوين المجتمع المدني لسببين ، الأول : أنها تجنح لإستخدام العنف لتحقيق اهدافها السياسية ، وتلك مخالفة لأحد شروط المجتمع المدني وممارسته ، وهو اداره الصراع بشكل سلمي ، والثاني : إن هذه الفئات تستبعد فئات اجتماعية أخرى من التمتع بالحقوق الكاملة للمواطنة – مثل النساء وغير المسلمين - ، وهو ما يخالف قيم المجتمع المدني وممارساتة والتي تحترم التنوع والاختلاف ولا تجعل التجانس والتطابق من شروط المواطنة الكاملة (42) ما أريد التأكيد علية ، أن الركائز التي يقوم عليها المجتمع العربي وما يترتب عليها من قيم وعلاقات عشائرية ودينية وابوية … الخ ، تؤدي الى التعصب بكافه اشكاله وتجلياته ، وهو ما يتناقض مع مبدأ التسامح الذي ينطوي على فكرة التفأهم والعقلانية وأهمية الحوار والنقاش .
فالتعصب الذي في جوهرة " نفي للآخر وإقصاء لرأية وصوتة ، وتمركز حول العقيدة او الايديولوجيا او الذات " (43) يؤدي فكرياً ، الى حجب حق التفكير ومصادره حرية الاعتقاد والتعبير ، ويسوغ سياسياً ، الانفراد بالحكم ومصادرة الرأي المختلف ، ويعني دينياً ، منع الاجتهاد وتحريم أي رأي مختلف .

العائق الرابع : المنظمات غير الحكومية بين مطرقة الدولة وسندان المجتمع :-
اذا كانت الوظيفة الاساسية للمنظمات غير الحكومية ( تنظيمات المجتمع المدني ) ، هي الضغط على الحكومة للمسأهمة في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية ، أو إذا كان الهدف الاساسي لها – كما يقول د . جورج جقمان –يكمن في " العلاقة بين تنظيمات المجتمع المدني وبين العمل على الحد من السلطة القسرية للدولة ، وتقييدها وإخضاعها للمساءله " (44) ، فإن المنظمات غير الحكومية العربية ( التي من المفترض أنها تشكل المجتمع المدني ) – والتي لم تحد من السلطة القسرية للدولة ولم تقيدها ولم تستطيع اخضاعها للمساءلة - ، قد عجزت عن تحقيق وظيفتها ، وبالتالي فشلت في أن تكون أو تمثل المجتمع المدني العربي ، فهي لم تستطيع أن تحقق مبدأ المواطنة أو بمعنى آخر لم تستطع أن تتعامل مع الفرد بصفته وحده حقوقية حره مستقلة امام الدولة ، ففقدت بذلك قيمتها وفاعليتها المنشودة ، ولا استطيع أن أجد وصـف لهذه المنظمات غير الحكومية ، افضل من ذلك الوصف الذي تحدث عنه د. عزمي بشارة بانها " الشرط الكافي لوجوده ( أي وجود المجتمع المدني ) الذي يكمل الشرط الضروري وهو وجود الفرد كذات حقوقية أمام الدولة " (45) ، وبما أنها فشلت في تحقيق هذا الشرط الضروري فلا يمكن القول بأننا امام مجتمع مدني عربي .
ولكن السؤال المطروح هنا ، لماذا فشلت هذه المنظمات في تحقيق هذا الشروط الضروري ؟ أعتقد بأن هذه المنظمات غير الحكومية قد وقعت في صراع مرير بين الدولة العربية التسلطية من جهة ، وبين المجتمع العربي التقليدي الذي تمثلة الجماعات القرابية ( مثل الاسرة والعشيرة ) من جهه آخرى .
ان المنظمات غير الحكومية ، متنوعة وليست على درجة واحدة من التبلور او القوة او الاستمرار او الأهمية ، لذلك فعندما تتساهل الدولة والجماعات القرابية مع بعض المنظمات ، فإنهما يفعلان ذلك ليس حباً بهذه المنظمات أو لكونها تشكل المجتمع المدني ، بل لان نشاطها الاهلي من المسموح به من وجهة نظرهم ، فلو كانت من تلك المنظمات – ذات النشاط السياسي الغير مسموح به – التي تحدث عنها د. جورج جقمان " الاحزاب والتنظيمات والاطر واللجان التي لها امتداد جماهيري وقاعدة تنظيمية تمنحها قوة كافية للوقوف امام السلطة " (46) لما تساهلت معها لا الدولة ولا الجماعات القرابية في المجتمع .
وللتوضيح أكثر أقول ، مثلما أن الفرد لا رأي له في عضويتة لأسرته وعشيرته التي يولد فيها ، بل ولا رأي له في ما تورثة له الاسرة مثل ديانته ولغته وطبقته وتعليمة ، في المراحل الاولى ، فإنه كذلك لا رأي له في إختيار الدولة التي ستكون مسؤوله عن مواطنتة – طبعاً نحن لا نتحدث عن اكتساب مواطنة دولة أخرى - ، فهو ايضاً يولد فيها او تفرض عليه فرضاً بحكم مواطنة والديه ، فإذا كان هذا هو الحال ، فإن العلاقة بين الدولة والجماعات القرابية ، هي علاقة تقوم على اقتسام ولاء الفرد ، وهنا يدخل المجتمع المدني بمنظماتة المختلفة ليكون الفضاء الحر بين الجماعات القرابية والدولة ، والذي يدخلة الفرد ويخرج منه بملء ارادتة وحريتة ، ويمكن للدولة او للجماعات القرابية او لكليهما معاً ، أن يقوما بضغط هذا الفضاء او المجال الى أضيق الحدود ، من خلال مثلاً الاستحواذ على وقت الفرد او تحجيم حريته ، ولكن في نفس الوقت ، لا يمكن الغاؤة تماماً ، فيظل هناك هامش للحرية ، مهما كان ضئيلاً ، أمام الفرد يمكن له أن يفكر وان يشعر وأن يتحرك فيه .
إذاً فضاء أو مجال الحرية حول الفرد ، هو ساحة للتنافس بين الدولة والمجتمع التقليدي الذي تمثلة الجماعات القرابية ( تحديداً الاسره والعشيرة ) والمنظمات غير الحكومية ، وهنا يبدأ الصراع بين هذا المثلث ، الذي يحاول كل ضلع فيه التأثير على الفرد لإجتذابة نحوة لكسب ولائة ، فالاسرة والعشيـرة تشكل للفرد رمز الحب والحنان ، وهي الأقرب الى قلبة ووجدانه بحكم النشأة والرعاية والذكريات المبكرة ، والدولة بالنسبة للفرد هي رمز السلطة ، وتوحي له بالحماية والامان ، وبالتالي فمن مصلحتة أن يحترمها أو يخافها وأن يلتزم بقوانينها ، أما المنظمات غير الحكومية او منظمات المجتمع المدني ، ففيها شيء من الاسرة ، وشيء من الدولة ، فيها من الاسرة بقدر ما تقدم للفرد من الالفة والرعاية ، وفيها من الدولة بقدر ما تقدم للفرد من المصلحة والحماية والخدمات ، والاهم من ذلك أنها الوحيدة التي توفر فضاء للحرية والجماعات القرابية ( الاسرة والعشيرة ) والدولة ، لا تمانعان من وجود مثل هذه المنظمات ، بل على العكس تشجعان على قيامها (طالما انها تحت رقابة الاسرة والدولة ) ، بشرط أن يكون نشاطها اهلي مسموح به ( أي المنظمات ذات الطبيعة الثقافيـة والرياضيـة والخدماتية والخيرية والتطوعية … ) ، ولكن يبدأ الشعور بالمنافسة والصراع مع نوع آخر من منظمات المجتمع المدني ( مثل احزاب سياسية ، نقابات مهنية ، حركات عمالية ) ، الاقرب الى المنطقة الحيوية لنشاط الدولة أو بمعنى آخر تلك التي تمارس نشاطاً سياسياً – غير مسموح به من جانب الدولة التسلطية طبعاً – بهدف الضغط على الدولة والحد من سلطتها ونقدها ومراقبتها ومساءلتها ، وهنا تحديداً تقع هذه المنظمات ، " التي تقوم بوظيفة العمود الفقري للمجتمع المدني " (47) ، بين مطرقة الدولة التسلطية وبين سندان المجتمع التقليدي ( الاسرة والعشيرة ) ، فتقوم الدولة بممارسة الضغوط على هذا النوع من منظمات المجتمع المدني ( تقيدها بالانظمة والقوانين ، إغلاق مكاتبها ، مصادرة املاكها ، … الخ ) ، وعلى اعضائها ( بالتهديد والوعيد ، والاعتقال والسجن ، والاعتداء الجسدي والاغتيال … الخ ) ، وهنا تدخل الجماعات القرابية أيضاً في ممارسة الضغوط على أبنائها المنتمين الى هذا النوع من المنظمات ، لينسحبوا منها ، ليس حباً في الدولة او دعماً لسياستها بالضرورة ، ولكن حرصاً على سلامة أو حياة ابنائها بالدرجة الاولى ، وفي المقابل ، هؤلاء الافراد اذا لم يجدوا في هذه المنظمات حامياً ونصيراً لهم يحميهم من تعسف وبطش الدولة ، فسيضطروا الى اللجوء لجماعاتهم القرابية ، وانا بتقديري أن الدولة في هذه الحالة ستمنح هذه الجماعات القرابية حيزاً واسعاً لإستيعاب وحماية افرادها ، لتقنعهم بأن لا سبيل امامهم إلا الولاء لمجتمعهم التقليدي ، العشائري ، العائلي … ، هذا المجتمع المبتلع أصلاً من قبل الدولة .
في ظل هذا الصراع بين اضلاع المثلث ( المجتمع المدني ، الدولة التسلطية ، المجتمع التقليدي ) ، تصبح المنظمات غير الحكومية غير قادرة على إعادة انتاج ذاتها ، لا اجتماعياً " أي عدم تعبيرها عن قوى اجتماعية حقيقية " (48) ، ولا مادياً كإحدى مظاهر السوق المحلية ، وتصبح غير قادرة على تقديم الحماية للأفراد أمام تعسف الدولة ، وهي بذلك لا تستطيع تحقيق الشرط الضروري لقيام المجتمع المدني – الذي بينته سابقاً – والمتمثل بالمواطنة ، وبالتالي فطبيعه الوظائف والأدوار التي تقوم بها المنظمات غير الحكومية – بحسب وجهة نظر الدولة – هي خيرية الطابع ، وبحجة هذا الطابع الخيري ، فقد أخضعت هذه المنظمات غير الحكومية العربية ، قانونياً ، لإشراف وزارات الشؤون الاجتماعية في الدول العربيه (49) ، بمعنى أن الدولة العربية إستطاعت إختراق هذه المنظمات .
ولا أعرف والحال هذه ، ماذا بقي من هذه المنظمات لنقول انها تشكل المجتمع المدني العربي!

الخلاصة والتوصيات
تبدو الصوره مظلمة بعض الشيء ، والحقيقة انها كذلك في ظل هذه العوائق ، المستحيل معها تكوين المجتمع المدني عربياً ، وهذا ما دفعني الى الشعور بإشكالية البحث التي صغتها على شكل سؤال ( لماذا لم يتحقق مفهوم المجتمع المدني عربياً على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من المنظمات غير الحكومية في الدول العربية ، على إفتراض أن المنظمات غير الحكومية هي آخر ما توصل اليه المفهوم من تجليات ؟ ) .
وقد جاءت فرضيتي كحل مؤقت لهذه الاشكاليه ، حيث إفترضت أن ما جرى عربياً لم يكن اكثر من مجرد استدعاء حرفي لآخر ما توصل اليه المفهوم في الغرب ( المنظمات غير الحكومية ) بشكل خاوي المضمون والفاعلية ، فلم يرتكز المفهوم – عربياً – على خلفية فلسفية تؤسس نظرياً له ، وبالتالي إفتقر الى وجود أهم أركان المجتمع المدني ، ألا وهو المواطنة وما يترتب عليها من حقوق اساسية ، كالمساواه والحرية والاستقلال الذاتي للفرد ، هذا بالاضافة الى عوائق تتعلق بطبيعة الدولة العربية التسلطية ، والمجتمع العربي التقليدي ، والمنظمات غير الحكومية ، وهي عوائق أدت ايضاً الى إهدار مبدأ المواطنة. وقد جعلت فرضيتي قابلة للفحص – من خلال الربط بين المعلومات وتحليلها – في العائق الاول من هذا البحث الذي تناولت فيه مرجعية المجتمع المدني في الفكر العربي المعاصر والذي وضحت فيه إنقسام الفكر العربي الى ثلاث اتجاهات ، الاول : الإستدعاء الحرفي لآخر ما توصل اليه المفهوم في الغرب ، دون الاهتمام بتأصيل المفهوم عربياً ، مما ادى الى فقدانه لمضمونة وفاعليته ، وبالتالي عدم مقدرتة على تحقيق مبدأ المواطنة ، الثاني : الرافض للفكر الغربي ، ومحاولة تعويضة بالعودة الى مجتمع ما قبل الحداثة الذي يفتقر اصلاً لمبدأ المواطنة ، والثالث : التوفيقي ما بين التقليدي والحديث ، من خلال التفتيش في التراث العربي عن عناصر يمكن أن تفصح عن دلالات معاصره لمجتمع مدني عربي ، بعد إعادة قراءة هذه العناصر من جديد ، وقد رأينا عجز هذا الاتجاه عن تشكيل تيار فكري عربي واحد .
وقد بينت في العائق الثاني – والمتمثل في الدولة العربية التسلطية – كيف استطاعت هذه الدولة بتسلطها وقوتها وتحكمها بالمجتمع ككل ، أن تقوم بإقصاء وتهميش المجتمع المدني وفشلها الذريع في بناء الأمة ، لان الولاء لم يكن على أساس المواطنة وما ترتبه من حقوق ، وانما كان للحاكم وسلطتة ، وبالتالي حلت عبادة الدولة مكان الولاء للأمة ، وقد رأينا كيف استطاعت هذه الدولة أن تعزز من سلطتها وجبروتها وأن تفرض تبعية المجتمع ككل لها ، من خلال تحكمها بالاقتصاد الريعي ، والقوانين المفرغة من الحقوق والحريات .
وقد حاولت توضيح أن علاقات المواطنة في المجتمع العربي التقليدي ، قائمة على التراحمية والعضوية والقرابية والدينية والقبلية ، وليست علاقات قائمة على المدنية والطوعية والتعاقدية والحقوقية والمساواتية ، من خلال شرحي للعائق الثالث المتمثل بالمجتمع العربي التقليدي القائم على أساسين هما ، العقلية الابوية ، والمؤسسة الدينية ، الذين أديا الى التعصب بكافة أصنافة .
ومن خلال شرحي للعائق الرابع والمتمثل بالمنظمات غير الحكومية ، حاولت أن أبين كيف استطاعت الدوله العربيه التسلطية والمجتمع العربي التقليدي ، أن يجعلا من المنظمات غير الحكومية ، مجرد شكل بلا مضمون ، وكيف أدى ذلك الى فشل هذه المنظمات في التعامل مع الفرد كذات حقوقية مستقلة ، وعدم مقدرتها على توفير الحماية له من تعسف الدولة وبطشها .
ومن خلال ما تقدم شرحة في هذا البحث ، يمكنني الوصول الى نتيجة مفادها ، أن هذه العوائق الرئيسيه الاربعة – التي تشترك بها معظم الدول العربيه – كانت ولا زالت هي السبب الرئيسي في إفشال تكوين المجتمع المدني في الدول العربيه ، على الرغم من وجود هذا العدد الكبير من المنظمات غير الحكومية في العالم العربي ، وأستطيع من خلال تحليلي لهذه النتيجة ، أن أخرج بإستنتاج يقوم على أن ، العنصر المفقود في هذه العوائق الاربعة ، يتمثل في إفتقارها وإهدارها لمبدأ المواطنة ، الذي طالما قلنا انه الشرط الضروري لتكوين المجتمع المدني ، هذا الشرط ، الذي يكملة وجود المنظمات غير الحكومية ، وبالتالي إذا ما اردنا البدء في عملية بناء لمجتمع مدني عربي – في أي دوله عربية - ، علينا أولاً أن نحقق هذا المبدأ من خلال القيام بمجموعة من الخطوات الهامة وهي :-
اولاً : تجديد الفكر العربي في التعامل مع مفهوم المجتمع المدني ، بحيث يتم ربطه بأهم مركباته الاساسية ( المواطنة ) وما يتبع ذلك من التعامل مع الفرد بصفته كياناً حراً مستقلاً ، وذاتاً فاعلة ، وتكريس حقوقة بأجيالها الثلاثة وبخاصة الحقوق السياسية .
ثانياً : إن المجتمع المدني المطلوب في الدول العربية لا يستهدف حذف الدولة ، بل الفصل بينها وبين السلطة من جهة ، وبينها وبين المجتمع من جهة أخرى ، وإعادة تحديد بنية السلطة ودورها وموقعها في المجتمع ، بحيث لا يشكل الاخير – كما هو حاصل في الدولة العربية التسلطية – مجرد لاحقة ذيليه للسلطة ، وبهذا الترتيب الجديد يتم تعميق الولاء للدولة القومية ( المعبره عن الأمه ) والقائم على أساس المواطنة وما ترتبة من حقوق ، وليس الولاء للسلطة أو الحاكم .
ثالثاً : تحرير النشاط الاقتصادي من تبعيته لعلاقات القسر السياسية المفروضة من قبل الدولة التسلطية ، وإعتماد مبادئ الاقتصاد الحر والخصخصة ، لمنع السيطرة القسرية للمجتمع السياسي على الاقتصاد وبالتالي على المجتمع ككل .
رابعاً : توفير الضمانات القانونية المتعلقة بحقوق الافراد وحرياتهم ، من خلال قوانين – وعلى رأسها الدستور - حديثة ودقيقة وواضحة المضمون وتعبر عن إرادة الشعب ، ومن خلال قضاء مستقل وعادل ونزيه ، ومن خلال إقرار مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ، ومركزية السلطة التشريعية ورقابتها على السلطتين التنفيذية والقضائية .
خامساً : إعادة النظر بدور المؤسسات التقليدية والتربوية الموجودة في المجتمع العربي التقليدي ، وإعادة بنائها على أسس علمانية وديمقراطية ، لتحقيق التسامح والسلام الاجتماعي الديني والمذهبي والطائفي في المجتمع ، وتفكيك الجماعات العضوية القائمة على العرق او العشيرة أو الدين او المذهب او غيرها ، الى مواطنين لهم شخصياتهم الحقوقية المستقلة .
سادساً : إستقلالية منظمات المجتمع المدني عن هيمنة السلطة ، ولا سيما تلك التي تمارس نشاطاتها بهدف الضغط على الدولة والحد من سلطتها ومراقبتها ومساءلتها ، مثل الأحزاب السياسية ، والنقابات المهنية ، والحركات العمالية ، والصحافة ، ولجان حقوق الانسان وغيرها .
فبهذه الخطوات وتحقيقها على أرض الواقع ، يمكننا القول بأننا وضعنا الأساسات الاوليـه لعملية بناء المجتمع المدني في الدول العربيه ، ولكن يبقى السؤال مفتوحاً ، هل واقعنا العربي يسمح لنا بتحقيق هذه الخطوات الضرورية لتحقيق المواطنة العربية ؟! .


قائمة الهوامش :-
1- برهان غليون ، نشأة مفهوم المجتمع المدني وتطورة ، ( 2001 ) شبكة الانترنت موقع www . mafhoum . com : ، ص 1 – 6
2- عزمي بشارة وآخرون ، إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي، ( 1997 ) ، ص393
3- كريم ابو حلاوة ، إشكالية مفهوم المجتمع المدني ، ( 1998 ) ، ص99
4- سعد الدين إبراهيم ، " المجتمع المدني ومستقبل التحول الديمقراطي في الوطن العربي " في صامويل هانتنجتون ، الموجة الثالثة ، ( 1993 ) ، ص26 .
5- أنشأ عمال بولندا نقابتهم المستقلة ( تضامن ) عام 1980 ، وبعد عشر سنوات نجحت هذه النقابة في اسقاط النظام الشمولي بقيادة الحزب الشيوعي البولندي ، واستطاعت أن تصل الى السلطة سلمياً وبإنتخابات حره محل الحزب الشيوعي ، وهذه التجربة شجعت مبادرات مماثلة في بقية بلدان الكتلة الشرقية مثل تشيكوسلوفاكيا . انظر في ذلك ، سعد الدين ابراهيم ، المثقفون العرب والتخريب الحالي لمصطلح المجتمع المدني ، شبكة الانترنت موقع : www . democracy – egypt . org
6- متروك الفالح ، المجتمع والديمقراطية والدولة في البلدان العربية ، ( 2002 ) ، ص21
7- عبد الغفار شكر ، اختراق المجتمع المدني في الوطن العربي ، مجلة الطريق ، ( 2001 ) ، ص19
8- سعد الدين إبراهيم ، " المجتمع المدني ومستقبل التحول الديمقراطي في الوطن العربي " مرجع سابق ، ص26
9- برهان غليون ، مرجع سابق ، ص2
10- برهان غليون وسمير امين ، ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ، ( 1999 ) ، ص122
11- وجية كوثراني وآخرون ، المجتمع المدني في البلدان العربية ، مجلة شؤون الاوسط ، ( 2001 ) ، ص11
12- صادق العظم ، العلمانية والمجتمع المدني ، ( 1998 ) ، ص13
13- عزمي بشاره وآخرون ، حول الخيار الديمقراطي : دراسات نقدية ، ( 1993 ) ، ص88 – 89
14- تبدو صورة المجتمع الاهلي العربي متوغلة في التاريخ ، حيث كتب بعض الباحثين ، عن ظهورها في اولى التنظيمات المدينية ، كالمجالس السومرية ، وشريعة حمورابي ، وبعض التنظيمات المصرية والتدمرية وغيرها . انظر في ذلك ، اسد عبيد ، المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي ، مجلة الفكر السياسي ، ( 1998 ) ، ص279 –282
15- كريم ابو حلاوه ، مرجع سابق ، ص106
16- كريم ابو حلاوة ، مرجع سابق ، ص108
17- عزمي بشارة وآخرون ، إشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص402
18- فالح عبد الجبار ، الدولة والمجتمع المدني ، مجلة النهج ، ( 1994 ) ، ص222
19- كريم ابو حلاوة ، مرجع سابق ، ص114
20- جورج جقمان وآخرون ، الديمقراطية الفلسطينية : اوراق نقدية ، ( 1995 )، ص105
21- انظر في ذلك ، سعد الدين ابراهيم ، مرجع سابق ، ص16 – 22 .
22- برهان غليون ، نشأه مفهوم المجتمع المدني وتطورة ، مرجع سابق ، ص8 .
23- سعيد بنسعيد وآخرون ، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي ، الجزء الاول ، (1989 ) ، ص141
24- عزمي بشارة وآخرون ، اشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص400
25- برهان غليون ، نفس المرجع ، ص7 – 8 .
26- محمد شكري سلام ، بعض معوقات " المجتمع المدني " في التجربة العربية ، مجلة ابواب ، ( 1998 ) ، ص76 .
27- سعد الدين ابراهيم ، نفس المرجع ، ص22- 23 .
28- توفيق المديني ، المجتمع المدني والدولة السياسية في الوطن العربي ، ( 1997 ) ، ص814 .
29- برهان غليون ، نفس المرجع ، ص9
30- حازم الببلاوي وآخرون ، الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي ، الجزء الاول ، ( 1989 ) ، ص283 .
31- حازم الببلاوي وآخرون ، مرجع سابق ، ص287 .
32- عزمي بشارة وآخرون ، نفس المرجع ، ص416 .
33- الين مكسينزوود وآخرون ، المجتمع المدني والصراع الاجتماعي ، (1997 ) ، ص35 .
34- فهمية شرف الدين ، الواقع العربي وعوائق تكوين المجتمع المدني ، مجلة المستقبل العربي ، (2002 ) ، ص43 .
35- توفيق المديني ، مرجع سابق ، ص829 .
36- فمثلاً نجد قانون الانتخاب الاردني المؤقت لعام 1993 – والذي وضعته الحكومة الاردنية بدون العودة الى مجلس الأمة – يقر بمبدأ " الصوت الواحد للناخب الواحد " وهو مبدأ يكرس العشائرية والبنى العضوية التقليدية في مجتمع تقليدي مثل المجتمع الاردني ، فهذا المبدأ يمكن أن يطبق في الدول التي استقرت فيها الحياة الحزبية ، فالناخب فيها يتقدم لإنتخاب البرامج الحزبية وليس الاشخاص . انظر في ذلك ، طالب عوض ، التحولات الديمقراطية في الاردن( 1989-1999) ، ( 2000 ) ، ص39 – 45
37- أنظر في ذلك ، فاتح عزام ، ضمانات الحقوق المدنية والسياسية في الدساتير العربية : دراسة مقارنة ، ( 1995 ) ، ص30 – 62
38- هبة عزت ، المواطنة … بين مثاليات الجماعة واساطير الفردانية ، ( 2002 ) ، شبكة الانترنت ، موقع : www .islamonline . net / arabic / mafaheem ص2
39- احمد الامين ، إعادة بناء العقلية العربية ، مجلة دراسات عربية ، ( 1998 ) ، ص11
40- فهمية شرف الدين ، مرجع سابق ، ص46
41- عزمي بشارة وآخرون ، حول الخيار الديمقراطي : دراسات نقدية ، مرجع سابق ، ص89
42- سعد الدين ابراهيم ، المجتمع المدني والمؤسسه الدينية والمطلقات في العالم العربي ، شبكة الانترنت ، موقع : http://www. Democracy - egypt . org
43 – كريم ابو حلاوة ، مرجع سابق ، ص115
44 – جورج جقمان ، مرجع سابق ، ص112
45- عزمي بشارة وآخرون ، حول الخيار الديمقراطي : دراسات نقدية ، مرجع سابق ، ص90
46 – جورج جقمان ، مرجع سابق ، ص112
47 – جورج جقمان ، مرجع سابق ، ص112
48 – عزمي بشارة وآخرون ، اشكاليات تعثر التحول الديمقراطي في الوطن العربي ، مرجع سابق ، ص397
49 – عزمي بشارة وآخرون ، نفس المرجع ، ص398


علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 05-03-2012, 06:49   #3
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي

إشكالية الديمقراطية في المجتمع والدولة..! (العالم العربي)

♦ دهام حسن    

تقييمك لهذه لمقالة VN:F [1.9.15_1155]






please wait...



Rating: 5.0/5 (1 vote cast)



إطبع هذه المقالة
أرسل هذه المقالة

عندما تطرح مسألة الديمقراطية على بساط الجدل في المداولات السياسية بين فرقاء عددين ومن مشارب سياسية مختلفة، لاشك أنك سوف تصطدم بإشكالات عديدة، تتمثل برؤى مختلفة بحيث ترى أن موقف أي فريق يتأسس وفقا لموقعه السياسي أو الأيديولوجي وحتى الاجتماعي والاقتصادي، بالمقابل فقد يتناول بعض رجالات الفكر المسألة – ربما – بمنطق معرفي وبالتالي بمعالجة موضوعية، ومن غير ريب سوف تختلف النظرة والقراءة للديمقراطية بين مجتمع تقليدي كالمجتمعات العربية، ومجتمع منتج للحداثة، كالمجتمع الغربي، فالديمقراطية هي نتاج وحصيلة المجتمع في درجة من تطوّره، وهي تأخذ شكلا يتناسب مع هذه الدرجة من التطور، وهي ليست كيانا خاصا منفصلا عن جسم الدولة ولا عن كيان المجتمع.
إن الديمقراطية بغض النظر عن أصلها اليوناني، هي اليوم بصيغتها المتبلورة جاءت مع الحداثة، وهي عنت فيما عنته التمثيل السياسي في تسيير شؤون الدولة، ومن الطبيعي أن تقضي الحالة بالتعددية السياسية، وكان الحامل الاجتماعي للديمقراطية، هو الطبقة البرجوازية، فقد كانت غداة الاستقلال لم تزل تتمتع بتأثير واضح في حركة المجتمع، رغم أنها كانت في بداية تحوّلها وتكوّنها، لكن هذه الفاعلية أو التأثير جاء وأده مبكرا من خلال الحركات الراديكالية من قوميين ويساريين الذين قادوا الثورات الوطنية حتى تم التحرير، ومن ثمّ قاموا بانقلابات عسكرية فيما بينهم، وسعوا لإلغاء دور البرجوازية في حلبة الصراع الدائر واتهامها كمطية للمستعمر الأجنبي في سياق نضالهم (الاشتراكي) الموهوم، وأيضا من خلال مناداتهم بشعار الوحدة العربية الشعار الوجداني الأثير الذي استحوذ على أفئدة ملايين العرب من المحيط إلى الخليج، ومازال إلى اليوم من يمشي في مناكب هذا الشعار العاطفي لكن في ظروف جديدة ووعي جديد لحقيقة المناداة والمتاجرة بهكذا شعارات، وفي المحصلة كانت النتيجة أو الغاية هي القضاء على حيوية البرجوازية، وإلغاء دورها، وبالتالي تغييب الديمقراطية، والحيلولة دون قيم الحداثة، وكل هذا بالنتيجة يمهد الطريق أمام القوى الأصولية الإسلامية التي يمهد سبيلها دعم الدولار النفطي، وبالتالي خلق هوّة بين المجتمع والدولة وتحكم الدولة بمصير الشعب، دولة من فريق صغير مستبد طاغ يتفرد بالسلطة، دولة ديكتاتورية بما للكلمة من معنى، وبالمقابل كنت تجد المجتمع المدني في حالة ضعف غير متماسك وفراغ سياسي وفي حال تبعية لرموز السلطة أكثر من تمتعها بالاستقلالية مع هشاشة القوى السياسية داخل المجتمع حيث لا تتمتع بفاعلية تذكر، في حين أن غرامشي كان يعتبر مؤسسات المجتمع المدني بمثابة (الأداة الأساسية لإصلاح فساد المجتمع السياسي وإعادة بنائه على أسس أخلاقية وإنسانية..) لكن كثير من قوى المجتمع المدني غالبا ما تكون مقصية في الدول القمعية عن الحيز العام.
إن الديمقراطية كمفهوم ينبغي أن تتجذر في المجتمع البشري أولا كشكل من العلاقات البينية بين الشرائح الاجتماعية المختلفة، قبل أن تتمثل بالعلاقة بين الدولة والمجتمع، كونها بالأساس نبتة اجتماعية تجود بها عقول الناس في حالة من استعصاء العلاقات بين الكيانات الاجتماعية، من جانب آخر فالديمقراطية (هي الشكل الطبيعي لممارسة الطبقة البرجوازية لهيمنتها الطبقية حسب تعبير مهدي عامل)، أي أن الإدارة السياسية للدولة التي تشغلها البرجوازية تعود لهيمنة البرجوازية في مجال التنمية والإنتاج، والاقتصاد عموما، فبالهيمنة الاقتصادية تأتي الهيمنة الطبقية، ومن هذا الوضع تتولد الديمقراطية كحالة من العلاقات الطبيعية، فإذا ما انتفت هذه الهيمنة، تنتفي الديمقراطية أيضا لأن المجتمع البرجوازي برأي ماركس هو الذي يحافظ على تماسك الدولة، وبالمقابل فإن أحزاب البرجوازية الصغيرة عندما تتمثل بالسلطة تنتهي بالتحنط في أجهزة تابعة للدولة تفقد دورها النضالي الذي عرف به في يوم من الأيام، حينما تخطف البرجوازية الصغيرة دفة السلطة في غفلة من الزمن، كما أن الانقلابات العسكرية التي قام بها بعض الضباط ظهرت لنا فيما بعد أنها كانت تجارب فاشلة، وما رفعت حينها من شعارات فضفاضة كانت للاستهلاك والتعمية، فمضمون تلك الشعارات كانت بحاجة إلى كفاءات فكرية، وللأسف كثير من رواد النهضة راحوا خلف الخطاب القومي والشعارات القومية، وراحوا يكبلون أجهزة الدولة بعقيدة سياسية أو دينية، فقطعوا بالتالي الطريق أمام نهوض البرجوازية الديمقراطية كشكل طبيعي للتقدم الاجتماعي، كونها أيضا الحامل الأكيد للديمقراطية، فالثورة البرجوازية في مرحلة ما ضرورية ومهمة لكي يتسنى لها كنس كل بقايا الماضي المتخلف.
المصيبة تكمن في أن الأنظمة العربية تحول دون ترسيخ الديمقراطية كمبادئ أولية في الواقع السياسي العربي بالاحتكام مثلا لصناديق الاقتراع في حال اختيار الحاكمين. لكن المصيبة الكبرى في هذا السياق أن مجتمعاتنا العربية أيضا لا تتقبل الرأي الحر أو الديمقراطية في تناولنا لتراثنا الديني مثلا بالنقد والتحليل، والدولة ربما لضعفها تبدي شيئا من التراجع الخجول أمام المد الديني الأصولي، فلا تظهر كحاضنة لجميع فئات المجتمع بغض النظر عن الدين الذي يعتقد به هذا الفرد أو ذاك، مثلا لا تجد قبطيا واحدا في البرلمان المصري، والدولة المصرية لم تحل دون محاكمة الدكتور نصر حامد أبو زيد، ولا حتى مواجهة التهديد، فهاجر مضطرا ليموت في بلاد الاغتراب مأسوفا عليه، وكان الأولى بالمختلفين معه فكريا أن يواجهوا الفكر بالفكر، لا الفكر بالمدفع، وكان على الدولة أيضا لا التغاضي، بل كان عليها ردع المعتدي.
لإرساء أسس الديمقراطية في أي نظام، لا بد من تفعيل مؤسسات الدولة، والفصل بين السلطات المختلفة، وترسيخ شأن القوانين واحترامها، من هنا يمكن أن نمضي نحو التحول الديمقراطي بثقة، مع وجوب إيلاء جانب التنمية البشرية والاقتصادية الأهمية الأولى، فضلا عن ترسيخ مبدأ المساواة واحترام حرية الفرد وحقوقه على أساس المواطنة بصرف النظر عن انتماءاته السياسية أو العرقية أو الدينية أو المذهبية، وأي نظام في أية دولة ينشد الديمقراطية كمبدأ لا بد أن تكون الحكومة فيها حكومة الشعب حسب تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق حيث يقول : (إن الحكومة الديمقراطية حكومة الشعب، من الشعب، لمصلحة الشعب).
علينا أيضا التنبه هنا من أن ترسيخ الديمقراطية في الدول والمجتمعات يتطلب بداية درجة من تطور المجتمع، وجود قيادة مخلصة ومؤمنة بالديمقراطية كحالة بديلة لما هو متداخل من الأطروحات الأخرى، ولا بد من توسيع مجال مشاركة سائر التنظيمات السياسية المختلفة، والقبول بحكم الأكثرية، لا بد من انتشار التعليم وإشاعة ثقافة الديمقراطية وبانتشار الثقافة الديمقراطية سوف تنتشر العلمانية على نطاق واسع، لأنها تقوم على المحاكمة العقلية، والثقافة الديمقراطية تبيح لها هذا المحظور، أو هذه اللفظة الرجيمة بلغة الأصوليين الإسلاميين.
وثمة من يقول أن الديمقراطية لاتناسب هذا الواقع أو ذاك، ربما جرّاء زعزعة كراسيهم أو عروشهم، إذا كانوا من المتنفذين وأصحاب امتيازات تدرّ عليهم ما تدرّ. إن أية إشكالية في الديمقراطية يمكن أن تعالج من خلال مزيد من الديمقراطية وليس بنفيها.
إن الديمقراطية هي الإكسير الناجع لكثير من الأدواء في المجتمع والدولة، كما قلت في مقالة سابقة، وإن أية ذريعة أخرى تناقض مبادئ الديمقراطية إنما الغاية منها هي إدامة الاستبداد والتسلط إلى أبد الآبدين.
© منبر الحرية،22 غشت/آب 2010
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 05-03-2012, 06:52   #4
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي


يقسم الريع بشكل عام إلى قسمين رئيسين هما:
أ – الريع الطبيعي :وهو الريع الناتج من المصادر الطبيعية المتوفرة في أنحاء مختلفة من العالم ،ومن تلك الموارد الطبيعية الذهب إذ أطلق مصطلح الريع على ما تجنيه اسبانيا من الذهب الأميركي في القرون الوسطى، وكذلك الماس والغابات والمحاصيل الاستوائية و النفط الخام الذي يعد من أهم أنواع الريع الطبيعي في العالم وأكثرها شيوعا.
وعلى هذا الأساس عرف الريع بأنه: مردود ملكية الموارد الطبيعية غير المرتبطة بصنع الإنسان ، و بمعنى آخر هو الريع المتأتي من هبات الطبيعة وبشكل أدق هو الفرق بين السعر السوقي للسلعة أو عوامل إنتاجها وكلفة الفرصة البديلة.

ب-الريع الإستراتيجي :ويقصد به الريع الذي تحصل عليه الدولة التي تتمتع بموقع استراتيجي، نتيجة لاستخدام دول أخرى لهذا الموقع الاستراتيجي ، وتاريخيا يعود مصطلح الريع الاستراتيجي إلى ما تجنيه الدول التي تملك موانئ بحرية أو قنوات مائية حيوية جيو سياسية أو تجارية ، مثل قناة السويس وقناة بنما.
وقد يمثل الريع الذي تحصل عليه الدول التي تمثل حليفا عسكريا أو سياسيا مع دولة أخرى ، كالأردن وقطر ، اللتين تعدان حليفتين عسكريين للولايات المتحدة الأميركية بسبب موقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط . وقد يمثل الريع الاستراتيجي ما تحصل عليه دولة معينة من خلال موقعها بجوار دولة أخرى ذات مجال حيوي للمصالح الاقتصادية والسياسية لدول أخرى وان هذا الموقع يفرض عليها توفير الأمن والاستقرار الاقتصادي والسياسي ، كموقع اليمن مثلا بجانب دول الخليج النفطية فضلاً عن موقعها البحري ونقديا يعني الريع الاستراتيجي الريع الذي يأخذ شكل المعونات والمساعدات التي تصل أحيانا إلى نصف الميزانية لبعض الدول الفقيرة ، و يأخذ الريع الاستراتيجي شكلاً آخر من أشكال الدعم،كالدعم اللوجستي والمعلوماتي والذي يحافظ على إبقاء النظام واستمراره. و قد يأخذ الريع شكلاً آخر يعرف بالريع العقاري وهو الريع المتأتي من تأجير العقار التابع للأفراد أو الدولة إلى طرف فردي أو حكومي ، و تطرق الاقتصاد الإسلامي إلى مفهوم الريع فعرفه بأنه الثمن الذي يحصل عليه مالك الأرض لقاء مساهمة أرضه في العملية الإنتاجية ويكون هذا الريع إيجارا نقديا أو إيجاراً عينيا ،محدداً بنسبة معينة من الربح أو الإنتاج ، وقد يكون الريع في نظر الإسلام هو الثمن المدفوع لشخص معين لقاء استخدام الأشجار التابعة له من قبل شخص آخر على أن يتعهد الشخص الثاني برعايتها والحفاظ عليها . في حين عرف الاقتصاد الوضعي الريع على انه مقدار النقود التي تدفع لقاء استعمال الشيء مدة زمنية معينة،وهذا الشيء قد يكون أرضا زراعية أو أرضا خالية أو مباني أو مساكن أو مخازن أو آلات ومعدات.2 أما الطبيعـيون فقد بيـنوا إن الريع يأتي عن طريق الزراعة فقط بوصفها الحرفة المنتجة الوحيدة وباقي الأنشطة الاقتصادية عقيمة لا تولد ريعا، إذ بينوا إن ما يســتهلكه الفـلاح من غذاء ومستلزمات زراعية كالبذور مثلاً يقل عما تنتجه الأرض من ناتج وهذا الفرق بينها هو الريع، أما الأنشطة الاقتصادية الأخرى كالصناعة والتجارة فإنها غير منتجه لأن عملها يقتصر على التجديد و التبادل وبهذا عدوا الريع هو هبة الطبيعة .
ذهب الكلاسيك وفي مقدمتهم آدم سميث إلى وجهة نظر أخرى لتفسير الريع إذ بينوا إن الريع هو منتج للعمل وليس هبة الطبيعة أي أن الريع هو القيمة التي يضيفها العامل إلى المواد . و عد الريع عنصراً من العناصر التي يتكون منها ثمن السلعة شانه شان الربح والأجر . أما ديفيد ريكاردو فقد اعتقد أن الريع هو الفائض الذي يستولي عليه الرأسمالي إذا كان مقدار العمل الذي يشتريه أكبر من مقدار العمل المتجسد بالأجور المدفوعة للعامل ،كما بين ريكاردو في نظريته الموسومة بـ ( الريع التفاضلي ) إن الريع الذي يحصل عليه مالك الأرض يزداد بزيادة خصوبتها وموقعها الأفضل من السوق ، اذ بين حالات لا وجود للريع فيها وذلك عندما تكون كلفة إنتاج المنتج الزراعي مسأوية إلى ثمن ذلك المنتج بالسوق ويحدث ذلك في أسوأ الأرضي التي اسماها الأرض (الحدية) ، و بناءً على ذلك عرف ريكاردو الريع بأنه ذلك الجزء من ناتج الأرض التي يدفع لمالكها مقابل استخدام قواها الطبيعية التي لا تفنى ، و هو بذلك ميز بين الريع الاقتصادي والريع الاعتيادي الذي يشمل الفائدة على رأس المال المستثمر في الأرض لأغراض تحسينها ، إذن الفوارق الطبيعية في الكفاءة الإنتاجية المستخدمة بالإنتاج لها الدور الأساسي في تحديد مستويات الريع ، و بين ريكاردو أن الريع يختلف عن الأجر و الربح كون الريع لا يدخل في تحديد الثمن إطلاقا فهو ليس سببا له بل نتيجة مترتبة عليه في حين يدخل الأجر و الربح في تحديد الثمن. في حين أن كارل ماركس بين أن الريع ينشأ – على وفق نظريته (الاحتكار) - من الثمن الاحتكاري للمنتجات الزراعية حيث إن العرض دائما أقل من الطلب عليها .وذلك بسبب انخفاض خصوبة الأرض باستمرار ، و أنه يرفض أن يكون الريع هو فائدة على رأس المال المستثمر في تحسين الأرض لأنها لم تفسر ريع الأرض التي لم يستثمر بها رأسمال ، حيث بين أن الريع هو واحد في الزراعة والصناعة والتجارة مستنداً بذلك إلى أن النقود كسلعة تنحصر قيمتها الاستعمالية بقدرتها على تحقيق قيمة تبادلية في حين أنها سوف تعود للمقرض وهي محققة لزيادة ، فالنقود تقرض كرأس مال شأنها شأن السلع المعروفة بقوة العمل . أما كينز فقد عرف الريع على انه العائد الصافي الذي يحصل عليه الرأسمالي نتيجة استثماره لرأسماله من خلال سلسلة من العوائد الصافية المتوقع الحصول عليها وعلاقته بكلفة الإنتاج للوحدة المنتجة1.وان حجم هذا المال المستثمر يزيد بزيادة مقداره نتيجة لانخفاض تكاليف الإنتاج (حسب قانون تناقص الغلة).
عرف الريع الخارجي أيضاً بأنه: ((الريع الذي يتم دفعه من أفراد أو شركات أو حكومات أجنبية إلى أفراد أو شركات أو حكومات البلد المعني )) وبهذا يمكن القول إن الريع الخارجي هو الدخل المتأتي من الخارج ومن عملية غير إنتاجية بالمعنى الحقيقي للإنتاج . وبناء على ذلك يمكن عد رسوم قناة السويس وكذلك رسوم بناء واستخدام أنابيب النفط المارة في أراضي بلد معين ، والعائدات الناجمة عن نفقات السياحة الخارجية الوافدة إلى البلدان كافة ، وتحويلات الأيدي العاملة في الدول النفطية إلى الدول غير النفطية كافة ، وأيضا العائدات النفطية التي تحصل عليها الدول النفطية ( المصدرة للنفط) ريعا خارجيا .في الحقيقة إن ما يهمنا هو الريع النفطي لأهميته للاقتصاد والمجتمع العراقي بشكل خاص و الدول النفطية بشكل عام. و يعرف الريع النفطي بأنه : الفرق بين التكلفة الكلية (استكشاف و إنتاج و خزن ونقل وتكرير وتسويق) و سعر المنتجات المكررة في أسواق المستهلك النهائي ، بعد طرح تكاليف وأرباح الشركات الوسيطة بين الدول المصدرة للنفط ، ومعبراً عن نصيبها بالفرق بين تكلفة الإنتاج وسعر النفط الخام ، وحكومات الدول المستوردة معبراً عنه بما تحصل عليه في صورة ضرائب تفرضها على المنتجات النفطية .
وهنا تجدر الإشارة إلى كيفية توزيع الريع النفطي بين الدول المصدرة والدول المستوردة للنفط فالعلاقة تكون طردية بين أسعار النفط الخام والريع الذي تحصل عليه الدول المصدرة له ، فإذا ارتفع سعر النفط الخام زاد تبعا له الريع الذي تجنيه الدول المنتجة للنفط الخام ، وفي حالة انخفاض سعر النفط الخام ينخفض مقدار الريع الذي تحصل عليه تلك الدول . وبالمقابل فان العلاقة ستكون عكسية بين سعر النفط الخام ومقدار الريع الذي تحصل عليه الدول المستوردة( المستهلكة)للنفط الخام ، فإذا ارتفع سعر النفط الخام انخفض مقدار الريع الذي تحصل عليه تلك الدول ،أما إذا انخفض سعر النفط الخام زاد مقدار الريع المتأتي من النفط المستورد ، و تكتسب الدول المصدرة للنفط الشرعية في حصولها على الريع النفطي من كون النفط الخام هو مورد طبيعي ناضب وان ما تحصل عليه هذه الدول من ريع يعوضها جزئيا عن نضوب هذه الثروة الطبيعية ويمكن عده ثمنا له.
أما بالنسبة للدول المستوردة للنفط الخام فتحصل على الريع النفطي من خلال فرض الرسوم الجمركية على المنتجات النفطية المكررة ،مما يتيح لها التمييز بين مستويات الضريبة المختلفة المفروضة على المنتجات المكررة.
إذن يمكن القول إن توزيع الريع النفطي يختلف بين الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط الخام إذ كلما زادت حصة الدول المصدرة انخفضت حصة الدول المستوردة من ذلك الريع ،والعكس صحيح ، وقد أدى ارتفاع أسعار النفط في عقد السبعينات مثلا إلى ارتفاع مقدار الريع الذي حصلت عليه الدول المصدرة ، وذلك يعزى إلى عدم التناسق بين كلفة إنتاج (استخراج ونقل وتسويق ) وسعر البيع للنفط . علما ان الفرق ليس بسبب زيادة الاستثمار أو تحسين الكفاءة بل السبب هو الموقع الاستراتيجي لمصادر النفط وزيادة الطلب عليه عالميا. وعلى خلاف ما ذهب إليه ابن خلدون في أن الدخل من الموارد الطبيعية يجعل الدول تتمتع بمرونة في العمل تفوق إلى حد بعيد ما تحصل عليه الدول الأخرى من مرونة في دخلها والناتجة عن الضرائب أو العملية الإنتاجية ، إذ يلاحظ إن الريع في الدول غير النفطية ضئيل جدا كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلا انه يشكل جزءا كبيرا من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النفطية . وهناك نوع آخر من أنواع الريع وهو( الريع الداخلي ) الذي له دور مهم وان كان اقل في تكوين الريع ويمكن تعريفه على انه :الريع الذي تحصل عليه الفئات المقربة من السـلطة الحاكمـة مـقابل تقديـم الولاء للحـاكم ، أي المـبالغ أو المـنافع المـدفوعة لفئة معينه بهدف إرضائهم وكسب ولائهم لديمومة السلطة الحاكمة واستمرارها ،ولهذا أطلق عليها ( تجارة النقود ) بين السلطة الحاكمة والمقربين منها ، وفي الحقيقة ان هذه الفئات لا تسهم بشكل فعال في العملية الإنتاجية وان ما يحصلون عليه من ريع يفوق حصتهم المشروعة ،وقد يأخذ الريع الداخلي شكل النفقات العامة لكسب رضا المواطنين، و يأخذ أشكالاً أخرى كإعطاء امتيازات معينة لفئة دون أخرى مثل إعطاء تصاريح المرور الجمركية والإعفاءات الضريبية وغيرها.وتعد أيضا الاحتكارات الداخلية شكلا آخر للريع الداخلي فضلاً عن المضاربة – لان العائد الحاصل من هذه العملية غير متأتي من جهد أو إنتاج حقيقي . وبناء على ما سبق يمكن القول إن الريع هو : المبالغ أو المنافع التي تتلقاها الدولة أو الفرد خارج العملية الإنتاجية الحقيقية ، و بعبارة أدق هي المنافع التي تفوق الجهد العضلي أو الفكري المبذول فيها ، و بهذا تعد الإيرادات النفطية الصافية ريعا خارجيا

ثانيا : مفهوم الدولة الريعية:

تعرف الدولة بصورة عامة على أنها ( السلطة المتبلورة على رقعة محدودة من الأرض وتأكيد سيادتها اتجاه السلطات المركزية المجأورة مما يفتح المجال لقيام كيان سياسي مستقل وقائم بذاته يضم :الشعب ،الأرض ،الإدارة المركزية في منظومة واحدة).وبناء على هذا التعريف فان الدولة تتكون من العناصر التالية.:
1- الأرض 2- الشعب 3- السلطة المركزية والمتمثلة بالسيادة الوطنية.
حيث إن الأرض محددة ضمن تطور تاريخي وتنظيم سياسي وتضم مجموعة من الناس يدينون لهذه الأرض والسلطة الحاكمة بولائهم، في حين أن السلطة الحاكمة تعمل على تنظيم العلاقات بين العناصر المختلفة للدولة . و بمعنى آخر إن الدولة هي كيان سياسي وإطار تنظيمي يوحد المجتمع ويصدر القوانين المنظمة ويؤمن السلم والدفاع الخارجي والأمن الداخلي. و هنا لا بد من الإشارة إلى أن النظم الاقتصادية والدساتيرالسياسـية

تتغير بمرور الزمن وذلك طبقا لما ينسجم مع الظروف القائمة و أحيانا المصلحة العامة .وعليه يمكن القول ان الدولة تقسم إلى قسمين رئيسين هما :
1 - النظم الإدارية البحتة وهي المجالس النيابية و الوزارات و المصالح العامة كوزارة
التعليم و الصحة ... الخ .
2- القطاع العام الذي يتكون من قطاع الاعمال العام و يضم الشركات القابضه و التابعه للأحكام النافذه و الشركات العامه الأخرى . و تجدر الاشاره إلى ما تطرق إليه أرسطو في كتابه(السياسة) إذ بين إن الأنماط المتعاقبة والمختلفة في المجال السياسي لكل منها نظام اقتصادي مختلف فذكر النظام الأوتوقراطي الملكي والنظام الاليغارشي والنظام الديمقراطي . وقد أثنى عليه ابن خلدون في مقدمته الشهيرة إذ قال((ان أساس نشوء الدولة من تعصب وانغلاق ثم استقرار ثم انفتاح ثم انحلال)) 2 في حين ماركس يرى إن الدولة والمجتمع شيء واحد أي إن الدولة هي تعبير سياسي لسيطرة طبقة اجتماعية معينة.أما المفهوم الحديث للدولة فهو إن الدولة مفهوم مجرد – غير شخصي – يضم أطياف المجتمع كافة وتعد الانتخابات هي الصلة بين المجتمع والدولة و ان كانت الدولة ترتفع فوق المجتمع على أساس القانون المتصف بالشرعية والعقلانية والمركزية وتوزيع الاختصاصات .
لقد تطرق العديد من الباحثين الاقتصاديين وعلى رأسهم الاقتصادي الإيراني حسين مهدأوي إلى الدولة الريعية ،إذ بين إن الدولة الريعية تعني الدولة التي تتلقى موارد كبيرة من الريع الخارجي بشكل منتظم ،وهذا يعني إن الدولة الريعية تستلم دخلها من مصادر خارجية وهي بدورها تقوم بإنفاقه على مواطنيها من خلال توفير الخدمات الأمنية والإدارية وتامين الوظائف من أنشطتها الاقتصادية المختلفة ،فهي تقوم بالدفع لمواطنيها بدلا من استحصال الضرائب منهم ، مقابل كسب ولائهم وبالتالي تضمن استمرارها بالسلطة دون منازع ، وبعبارة أخرى إن الدولة الريعية تعقد اتفاقا مع مواطنيها فهي تؤمن الوظائف لهم وتقدم الخدمات العامة مقابل تقديم الولاء للسلطة الحاكمة مما يتيح المجال للأخيره لتتصرف كما تشاء .وهذا ما أكده بعض الاقتصاديين بما أسموه (شراء الشرعية) من خلال عدد من الأمثلة كالعطاءات المالية بمختلف أنواعها من تقديم مبالغ مالية بصورة مباشرة أو غير مباشرة كإقدام الدولة على شراء الأراضي من الأفراد بأسعار عالية ،وكذلك تقديم الخدمات المختلفة مثل الصحة والتعليم والنقل والكهرباء ...الخ بصورة شبه مجانية وتوفير القروض المالية والدعم والتسهيلات لإنجاح الأنشطة الاقتصادية الشخصية
.
وقد بين اقتصاديون آخرون إن الدولة الريعية هي الدولة التي تعتمد على الريع الخارجي في تحقيق دخلها فهي لا تقوم باستخراجه من مواطنيها ،ويكون دور الدولة دوراً توزيعياً أي تقوم بإعادة توزيع ذلك الريع الخارجي بالشكل الذي تراه يتناسب ومصلحتها السياسية ويضمن ديمومتها ،فلا حاجة لتطوير أي نظام إنتاجي أو مؤسسي داخلي أو تنويع مصادر الدخل الأخرى مثل الضرائب فالدخل يتراكم من مصادر طبيعية وما على الدولة إلا إعادة توزيعه وتدويره ، و هذا ما نراه على العكس في الدول غير النفطية التي تسعى إلى توسيع مصادر الدخل من خلال تطوير المؤسسات و الأنظمة الإنتاجية فيها وتنويعها وفرض ضرائب متنوعة .
إن الدولة غالباً لا تنعت بالريعية إلا إذا أصبحت دولة رفاه تقدم الخدمات للمواطنين بلا مقابل وان المواطنين يعتمدون على هذه الخدمات بشكل أساسي وهذا الاعتماد الكبير يؤثر سلباً على الاقتصاد والمجتمع من خلال انخفاض إنتاجية المجتمع. أي إن الدولة الريعية هي دوله تعتاش على دخل غير مكتسب بالعمل أو التي تمول ماليا بأقل جهد سياسي وتنظيمي في علاقتها مع الأفراد. و تجدر الإشارة إلى أن الدول المتقدمة تعتمد على الدول الريعية في الحصول على المواد الخام (لاسيما النفط) وتعدها سوقاً لتصريف سلعها المصنعة ، و بالمقابل فان الدولة الريعية تعمل على ذلك لحاجتها المستمرة في الحصول على دخل متزايد لمواجهة التزاماتها المالية وتحقيق الازدهار الاقتصادي . إن الدولة الريعية دولة تعتمد في نشاطها الاقتصادي على مورد طبيعي أحادي الجانب لتوليد الدخل وهذا النشاط غالبا ما يكون خارج العملية الإنتاجية الحقيقية .
و إن الاعتماد على مصدر الدخل الخارجي يجـعل اقتصـادها عرضـة للتـقلبات في الأسواق الخارجية فمثلا اعتماد الدول النفطية على عائدات النفط وهي بالدولار الأمريكي والذي تتحدد قيمته في الخارج فان أي تذبذب في سعره سيؤدي إلى تذبذب العوائد النفطية.
إن امتلاك الدولة لمورد طبيعي ذي عوائد كبيره قد يدفعها إلى الاستبداد والدكتاتورية .معتمدا ذلك على كيفية إدارة الدولة لهذه العوائد ، فقد يفضي ذلك إلى قيام اقتصادات مشوهة مبنية على الإسراف بالاستهلاك وضعف القاعدة الإنتاجية بسبب اعتمادها على هذه الموارد الطبيعية وكذلك يسودها نوع من الغموض وغياب الشفافية فيما يتعلق بالإيرادات الخارجية ، وليس بها مقياس للكفاءة، وهي بذلك تصبح دولة دكتاتورية وبعيدة عن معايير الديمقراطية. فالدولة الريعية تضمن بقاءها واستمرارها عن طريق جمع الريع المتأتي من الخارج ومن ثم إعادة توزيعه وهذا يتطلب جهازاً أمنياً وقوة عسكرية قادرة على حماية مصادر الريع والسلطة الحاكمة من جهة وإعادة توزيع ذلك الريع من جهة أخرى .إن الدولة الريعية تعتمد على مقدار الريع المتحصل والعمر الإنتاجي له وهذا يجعل الدولة مقيدة به فقد ينتهي الولاء الذي تشتريه الدولة من المواطنين بنهاية ذلك الريع ونضوبه ذلك لان الولاء المبني على المقايضة لا بد أن يخلق بيئة ينتشر فيها الفساد بشتى أنواعه المالي والإداري والاقتصادي 3. إن سهولة الحصول على الإيرادات يؤدي إلى إنفاقها بإفراط في مشاريع غير إنتاجية تزيد من تشوهات الاقتصاد وانحرافه بعيدا عن تحقيق تطور اقتصادي حقيقي مبني على تطوير المشاريع الإنتاجية للبلد وهذا يدل على تخلف السلطة الحاكمة التي تسعى لتحقيق تفضيلاتها السياسية على حساب النمو الاقتصادي الحقيقي ،وهنا تتبنى السلطة الريعية(التسلط الأبوي) الذي يقود إلى نشوء التفأوت الطبقي والتكتل القبلي وأحيانا يصل إلى التفكك الاجتماعي وضعف ولاء فئات دون أخرى وبمستويات مختلفة ، كما هي الحال في الدول النفطية التي تعمل على توسيع الإنفاق العام دون فرض ضرائب على مواطنيها من خلال توفير الخدمات الاجتماعية وفرص العمل للراغبين فيه، وان كان هذا التوســع بالإنفاق علـى حسـاب القطاعات الإنتاجية فبدلا من توجيه هذه الإيرادات لتطوير مشاريع إنتاجية تذهب إلى أغراض استهلاكية .
وهنا يمكن القول إن الدولة الريعية يكون لها الدور الأكبر في إدارة تلك العوائد النفطية وإعادة توزيعها متحكمة بذلك إلى حد بعيد بالحياة الاجتماعية والسياسية للبلد ،فالدولة الريعية لا تسمى ريعية بسبب اعتمادها على ريع النفط فقط بل لانها هي المسيطرة على عملية بيع النفط وإنفاق ريوعه وحدها.وذلك من خلال احتكارها لتلك العوائد النفطية وبالتالي تراكم رأس المال لديها على أن يكون إنفاقه بمرونة تمكنها من تحقيق الرفاهية من دون قيود السوق الحر .
إذن النفط هو المصدر الرئيس للثروة في البلدان النفطية والمحور الأساسي للأنشطة الاقتصادية فيها والذي تعتمد عليه الغالبية العظمى من السكان ، و هذا يؤدي إلى تدني المستوى الإنتاجي لتلك الشعوب بسبب هيمنة الدولة على العوائد النفطية مما يجعلها المنفق العام , و نظرا لتخلف السلطة الحاكمة وعدم مراعاة أوجه الإنفاق الاقتصادي ومحأولة تدوير هذه العوائد بما يخدم مصالحها واستمرارها من خلال إعطاء انطباع بالرفاهية والازدهار الاقتصادي ،وكل هذا على حساب بناء قاعدة إنتاجية حقيقية أو إحداث أي تقدم إنتاجي ،ذلك بسبب تراكم الفوائض المالية المتأتية من الخارج وهذا يترتب عليه نتائج عكسية تعوق تقدم النظام الاقتصادي وتطوره إذ أن التطور والرخاء والازدهار المتحقق ليس دليلا على كفاءة الأداء الاقتصادي ومدى تطوره ،بل على العكس من ذلك فانه يعوق التنمية ويخدر الناس من خلال اكتفائهم باقتسام المنافع التي تقدمها الدولة والمتأتية من الريع النفطي ، و إن ضعف القاعدة الإنتاجية و ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي في الدول الريعية يشجع على زيادة الاستيراد من السلع والخدمات بدلا من إنتاجها محلياً .
وبناءً على ما سبق فإن الدولة المصدرة للنفط الخام هي دولة ريعية وذلك لاعتماد اقتصادها على إيرادات النفط وهي إيرادات متأتية من الخارج ومن مصدر طبيعي أحادي الجانب، وتستخدم هذه الإيرادات في تمويل الموازنات والمشاريع المختلفة، وبالمقابل فان الأنشطة الاقتصادية الأخرى تكون مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي وتمويل الموازنات العامة للدولة ضئيلة .
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 05-03-2012, 06:55   #5
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي

أزمة الدولة في الوطن العربي
عرض/ حسين عبد العزيز

يهدف الكتاب إلى تشخيص أزمة الدولة في الوطن العربي من جميع جوانبها وأبعادها التاريخية. وقد ركز الباحثون في توصيف هذه الأزمة على ثلاثة مستويات: السياسي حيث جرى الحديث عن تسلط الدولة واستبدادها واستنزاف ثرواتها، والاقتصادي حيث فشلت سياساتها التنموية التي أدت إلى مزيد من الإفقار وغياب العدالة، والاجتماعي حيث هيمنت سيادة الطائفية والإثنية والقبلية على سلوك الدولة.

تشريح أزمة الدولة في الوطن العربي
يمكن تحديد ثلاث مجموعات متمايزة من الأزمات التي تواجه الدولة العربية:
تتمحور المجموعة الأولى، الأكثر إلحاحا وخطورة حول احتمالية انهيار الدولة أو فشلها، وبحسب دوائر محللي وصانعي السياسة في الغرب تسير اليمن على درب الفشل في ظل تراجع قدرة السلطة المركزية على السيطرة الأمنية على أراضيها وإدارتها.


-الكتاب: أزمة الدولة في الوطن العربي
-المؤلف: مجموعة باحثين
-عدد الصفحات: 575
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2011


ومع تنامي حضور ووزن طيف واسع من القوى اللادولتية القبلية والمذهبية والجهادية التي تصارع السلطة وتتصارع مع بعضها بعضا على نحو متفاقم، يذهب صناع السياسة في الغرب إلى أن بقاء الدولة اليمنية بكيانها الراهن، أي كما تبلور منذ الوحدة لم يعد يبدو محصلة حتمية.

أما السودان فقد انفصل الجنوب عن الشمال في وقت تواصل الخرطوم -بحسب الباحثين- إساءة إدارة أزمة دارفور إلى الحد الذي أضحت معه مؤسسات الدولة غير قادرة على القيام بوظيفتي الأمن وتخصيص الموارد لسكان المنطقة.

ومع أن مؤسسات الدولة العراقية قد تبدو أكثر تماسكا وأقل عرضة لخطر الانهيار الآن عما كان عليه الحال في عامي 2005 و 2006، إلا أنها ما زالت تعاني تصارع قوى سياسية ومجتمعية على النفوذ بداخلها وتهافتها على السيطرة عليها، انطلاقا من رؤية متناقضة للدولة ووظائفها، ففي حين يدفع الأكراد باتجاه إقامة نظام فيدرالي بالغ اللامركزية وأقلمة توزيع الثروة، يخشى السنة وأخيرا بعض الجماعات الشيعية أن فهم الأكراد للفيدرالية يوازي تفكيك الدولة.

ثم إن التحديات التي تواجه الدولة تتصاعد نظرا إلى تضارب أجندات القوى السياسية المؤثرة، وهو ما رتب منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة حالة من الشلل لمؤسسات الدولة، ويضيف الباحثون إلى هذه الدول الثلاث، الصومال المهددة بالانهيار.

أما المجموعة الثانية، فترتبط بالحالات التي تنتزع بها القوى اللادولتية بعض الأدوار والوظائف التي عادة ما تضلع بها مؤسسات الدولة، ولا شك أن لبنان يمثل هنا الحالة الأكثر وضوحا، فالدولة تخلت تدريجيا عن دورها في الإدارة الأمنية والخدمات للضاحية الجنوبية من بيروت وللجزء الجنوبي من البلاد، بحيث باتت الضاحية والجنوب تحت حكم حزب الله الذي أصبح مسؤولا عن كل شيء.

ولا ينبغي بحسب المؤلفين حصر صعود القوى اللادولتية ومنازعتها الدولة اللبنانية بمسألة قوة حزب الله، إذ إن الدولة -منذ الحرب الأهلية- نقلت عمليا الإدارة الأمنية والوظائف المتعلقة بالتمثيل السياسي وتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية إلى منظمات ومجموعات مذهبية تعتني بفئات محددة من اللبنانيين.

ومع ذلك يرى المؤلفون أن لبنان ليس بالدولة المتداعية، إذ إن ما يميزه هو أن تقاسم السلطة وتوزيع الوظائف قد صار منهجا مقبولا، ومكن لبنان كدولة من الاستمرار.

أخيرا تتلخص المجموعة الثالثة من التحديات التي تواجه الدولة العربية في التفاوت البادي في الكثير من البلدان العربية، بين حداثة التركيب والبنى الاجتماعية والاقتصادية وتقليدية الأنظمة والمؤسسات المتوقع منها أن تدير الدولة وتضطلع بوظائفها.


وقد أفرز هذا التفاوت معضلة الحوكمة، ليس فقط بمعنى غياب الحكم الرشيد، بل أيضا تراجع القدرة الأساسية للحكم على صناعة وتطبيق السياسات العامة.


"
في بعض دول الخليج، تغير المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع في مجالي التعقد المؤسسي والتعددية الوظيفية من أنظمة ومؤسسات الحكم، ما دفعها إلى تأسيس ترتيبات جديدة "
ففي بعض دول الخليج، تغير المجتمع والاقتصاد على نحو أعمق وأسرع في مجالي التعقد المؤسسي والتعددية الوظيفية من أنظمة ومؤسسات الحكم، مما دفع الأخيرة إلى تأسيس ترتيبات جديدة قادرة على إدارة الطبيعة المتغيرة للمجتمعات.

وفي مجموعة أخرى من البلدان كالمغرب والجزائر ومصر، تبلورت في لحظات مؤسسات حكم قوية صنعت السياسات العامة بانفرادية، وتميزت بقدرتها على ممارسة درجة معتبرة من السيطرة على المجتمع، وتمكنت بالتبعية من إقامة أنظمة أوتوقراطية والحفاظ عليها، بيد أن هذه المؤسسات تعاني اليوم تراجعا حادا في دورها، وتواجه ممانعة شعبية متنامية.

أزمة الدولة في علاقتها بالمجتمع
- لبنان:
يعالج هذا الفصل إشكالية تتعدى إطار البحث في الطائفية السياسية كنظام وقوانين، فالإشكالية المركزية في هذا الفصل، كيف توظف الطائفة في العمل السياسي كرافعة للسلطة؟ وكيف أمكن القضاء على التعدد الثقافي والسياسي الذي اشتهرت به الصيغة اللبنانية قديما؟ لتصبح الطائفة مشروع وحدة سياسية مغلقة، بل مشروع حزب سياسي واحد أحادي.

صحيح أن جانبا في الدستور اللبناني يسمح بذلك، وصحيح أيضا أن قانون الانتخاب يشجع، وصحيح أن أنظمة الأحوال الشخصية تهيئ المناخ والمزاج، ولكن ثمة ممارسة سياسية، وعملا سياسيا، بل وثقافة سياسية، أضحت جميعها عوامل تجمع بين الإرادة والبنية معا، إرادات تخطط وترسم وتثقف وتعبئ الطوائف من أجل خوض الانتخابات، أو تشكيل حكومة أو الحصول على الوظائف والمناصب.

أما بنية الطائفة فهي مجال استثمار وحقل عمل سياسي، يوظف عبرها الدين والمذهب في نظام مصالح، وشبكات ولاء، ومنظومة زعامات تلعب فيها الزبائنية والمحسوبية الدور الأساسي في إعادة إنتاج الولاء والانتماء إلى الطائفة/الحزب.

- السعودية:

وعلى عكس ما تذهب إليه مقولة إن الطائفة في لبنان وسيط بين المواطنة والدولة، من خلال تحولها إلى حقل اجتماعي وثقافي وسياسي قابل لتوليد نزعة الطائفية السياسية، وكقاعدة لنظام سياسي كأيديولوجيا لحزب أو حركة، يذهب مؤلف هذا الفصل إلى عدم التسليم بالتصور الشائع بفرضية اضطلاع القبيلة بدور الوسيط بين الدولة والمجتمع على الأقل في هذه المرحلة، لكن في الوقت ذاته، تعتبر العلاقة بين الدولة باعتبارها بناء فوقيا ومجتمع الجزيرة علاقة مأزومة، بسبب افتقار العلاقة بين الحكام والمحكومين إلى المؤسسات العصرية.

إن السعودية تقوم على نظام قبلي يعتمد بشكل أساسي طريقة في الحكم تقوم على ذوي القربى الأقارب والأباعد، وهذا يعود إلى مرحلة تأسيس المملكة حيث غاب عنها مفهوم الوطن، فالحروب التي خاضها ابن سعود هي حروب فتح في بيئة قبلية رعوية مفتوحة الآفاق، جمعت بين الجهاد والغنيمة.


"
أزمة الدولة السعودية ستستمر في حال لم يجر إحداث عملية جراحية في بنية النظام، ينتج عنها إحداث تبدلات رئيسة في البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية
"
وعليه فإن الدولة السعودية حملت مأزمها خلال عملية الانتقال من البداوة إلى "العصرنة"، ولا سيما بعد اكتشاف النفط، فتشكل نظام ريعي هو مزيج من تركيبة ثيوقراطية وأوتوقراطية، لا مؤسسات تشريعية فيها ولا دستور، وفي ظل تشكل الدولة الريعية، اعتمد الناس في قوتهم ومعاشهم على ما تجود به أريحية الحاكم، وإذ تتحكم الأسرة الحاكمة بعملية توزيع الريع، إلا أن تضعضعا حصل في دور القبيلة واختزل حضورها في الجوانب الاعتبارية.

وبناء على ذلك، يمكن الوصول إلى نتيجة أن قبائل السعودية أضحت قبائل مستتبعة لمركز السلطة، تسعى إلى استرضاء صاحب القرار المتحكم في توزيع الريوع، كما أضحت ملجأ انتماء اعتباري للمواطن، في ظل غياب المؤسسات والأحزاب، ومن دون أن يكون لهذا الانتماء تأثير يذكر في ميزان القوة.

وبطبيعة الحال، فإن أزمة الدولة ستستمر في حال لم يجر إحداث عملية جراحية في بنية النظام ينتج عنها إحداث تبدلات رئيسة في البنية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية السعودية.

أزمة غياب العدالة الاجتماعية
يحاول هذا الفصل دراسة درجات انتشار الفقر والتفاوت المعيشي في بعض البلدان العربية، ويحاول التعرف على درجة الترابط بين تزايد الفقر وتفاوت الدخل من جهة، والسياسات التنموية التي اتبعتها هذه الدول من جهة ثانية.

يعتبر النمو الاقتصادي المحرك الأول للتنمية، وهو أهم وسيلة لعلاج الفقر، وبحسب بيانات البنك الدولي، فإن زيادة قدرها 1% في متوسط دخل دولة ما، ينتج عنها انخفاض قدره 2.4 % في مستوى الفقر.

ويرتبط الفقر كذلك بعلاقة طردية مع مستويات التفاوت في الدخل، لأنه كلما كان توزيع الدخل أكثر عدالة، زاد نصيب الفقراء، وانخفضت نسبة الفقر، وكان أثر النمو الاقتصادي في تقليل الفقر أكبر.

إن متوسط دخل الفرد في الأغلبية العظمى من البلدان العربية ذات الكثافة السكانية لا يزيد على 5000 دولار سنويا، وهذا يعني أن غالبية العرب يعيشون على دخل منخفض، وإن كانت آلية الإعلام الغربي تخلط بين هذه الحقيقة ومتوسط الدخل في الدول النفطية، التي لا تمثل شيئا من إجمالي سكان الدول العربية.

ويعطي كاتب هذا الفصل مثالا على ذلك، ففي عام 2008 بلغ متوسط دخل الفرد في موريتانيا 1128 دولارا، في حين بلغ في قطر 70651 دولارا.

إن النمو الاقتصادي المعتمد على مصدر وحيد للدخل، مثل النفط أو تحويلات العمالة المرتبطة به، أو المساعدات الأجنبية أو مداخيل السياحة، هو نمو متذبذب وغير مستقر، فلا بد من وجود هياكل اقتصادية متنوعة، وهذا التنوع ليس ممكنا في ظل غياب التكامل الاقتصادي العربي.


"
الفقر مرتبط بعلاقة طردية مع مستويات الفساد والهدر، والنمو الاقتصادي شرط ضروري ولكنه غير كاف لتحقيق العدالة واستئصال الفقر
"
ويؤكد المؤلف هنا أن الفقر مرتبط بعلاقة طردية مع مستويات الفساد والهدر، وأن النمو الاقتصادي شرط ضروري لكنه غير كاف لتحقيق العدالة واستئصال الفقر.

ولهذا عندما عجزت سياسات النمو الاقتصادي عن تحقيق أهدافها، بدأ الحديث عن ضرورات توفير أساسيات الحياة، مثل الصحة والتعليم والسكن، ثم بدأ الحديث في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم الحديث عن تنمية العنصر البشري، قبل أن يتطور الحديث عن ضرورة وجود حكومات رشيدة.

أثر المحيط الإقليمي والدولي في أزمة الدولة

أدى الاختراق الأجنبي للنظم السياسية العربية إلى التأثير سلبا في أداء المنظومة الجامعة وإلى عملية تقويض المقومات الضامة للنسيج الاجتماعي، كما أدى إلى القضاء على إمكان توليد آليات مناسبة لمعالجة النزاعات العربية المتبادلة.

ومن أوجه هذا التقويض، نمط المعالجة الأميركي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لم يخرج عن أسلوب الوسيط غير النزيه، فعزز بذلك الوجود الإسرائيلي، وشجع إسرائيل على الاعتداء على العرب.

كما أن نمط المعالجة الأميركية للأزمة النووية الإيرانية، أدى -في ضوء الخصائص الراهنة للنظام الإيراني- إلى استعار أوار النزاعات الطائفية المذهبية على ساحل الخليج العربي، وإلى تحويل المناخ السياسي العربي العام إلى جو من التشاحن بين من هم مع إيران أو ضدها.

لقد فوتت العوامل الدولية والإقليمية فرص التنمية على دول عربية محورية مشرقا ومغربا، مقارنة بمنطقتي شرق آسيا وأميركا اللاتينية، إذ يذهب جزء كبير من موازنات الدول العربية إلى التسليح، ومن أوجه ذلك التغذية الغربية وخاصة الأميركية للنزاع العربي الإيراني، حيث يصبح ذريعة لبناء نزعة عسكرية وشراء أسلحة لدول الخليج، وكل هذا في ظل غياب جهد خلاق من الجانبين العربي والإيراني لبناء قاعدة للتوافق حول المصالح المشتركة.


"
الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة العربية لا يعبر عن سمة أصلية وطبيعية في البنية الاجتماعية العربية، بل هو ظاهرة محدودة ناجمة عن عوامل دولية وإقليمية
"
وفيما يتعلق بما يسمى الاستعصاء الديمقراطي في المنطقة العربية الذي يروج له في الغرب، فإن مؤلف هذا الفصل يرى أن هذا الاستعصاء لا يعبر عن سمة أصلية وطبيعية في البنية الاجتماعية العربية، إنها ظاهرة محدودة ناجمة عن عوامل دولية وإقليمية من شأنها تغذية النزعة الاستئثارية للعصب المسيطرة، وعسكرة الدول واستئساد النظم الحاكمة، وطغيان أجهزتها الأمنية على العملية السياسية.

وكل هذا يلقى تشجيعا من الغرب والولايات المتحدة، أو غض طرف عنه ما دامت الأنظمة تؤدي دورها المرسوم في إمدادات الطاقة وتأمين العلاقة مع إسرائيل ومجابهة الإرهاب.
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
  
قديم 05-03-2012, 06:58   #6
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 5,026
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي

أزمة الدولة في الوطن العربي

Birgitta Holst Al Aani, Wahid Abdel Majid, Faleh Abdul Jabbar, Abdel Wahhab Al Afandi, Al Mawludi Al Ahmar, Abdel Karim Al Aryani, Yehya Al Jamal, Ahmad Al Kabsi, Ibtisam Al Katbi, Baqer Al Najjar, Mustafa Kamel Al Sayed, Youssef Khalifeh Al Youssef, Abdel Ilah Belkaziz, Hilmi Chaarawi, Adel Al Charjabi, Youssef Choueiri, Kamal Hamdan, عمرو حمزاوي, Kheireddine Haseeb, Adnan Al Sayed Hussein, Mohamad Abdel Chafii Issa, Wajih Kawtharani, Fadia Kiwan, Youssef Makki, Hussam Al Dine Ali Mujid, Abdel Jalil Marhoun, Gamil Mattar, Khima Martine Mouniyouth, Marwan Muasher, Sahar Muhieddine, Issam Neaman, Marina Ottaway 10 كانون الثاني/يناير 2011 – 11 كانون الثاني/يناير 2011 – بيروت
More Email






الموارد
اليوم الأول

أقام مركز دراسات الوحدة العربية حفل استقبال للمشاركين والباحثين في ندوة "أزمة الدولة في الوطن العربي" مساء يوم الأحد 9/1/2011. حضر الحفل وزير الدولة عدنان السيد حسين، والوزير السابق عبد الرحيم مراد، ورئيس تحرير جريدة "السفير" طلال سلمان، ورئيس مجلس أمناء المركز خير الدين حسيب، ومدير عام المركز يوسف الشويري، ونائب رئيس مركز كارنيغي للشرق الأوسط بول سالم، وزير الخارجية الأردني السابق مروان المعشر، ورئيس اللجنة التنفيذية للجمعية العربية للعلوم السياسية أحمد الكبسي، وحشد من الشخصيات والحضور.

دعا إلى الندوة مركز دراسات الوحدة العربية ومركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية. افتتحت الندوة صباح الإثنين 10/1/2011 وشارك في الجلسة الإفتتاحية الوزير عدنان السيد حسين والدكتور خير الدين حسيب ومدير الأبحاث في مؤسسة كارنيغي الدكتور عمرو حمزاوي ورئيس اللجنة التنفيذية في الجمعية العربية للعلوم السياسية الدكتور أحمد الكبسي، وحشد من الباحثين والمشاركين من مختلف الدول العربية.

ترأس جلسة الدكتور خير الدين حسيب، فأشار إلى أهمية موضوع هذه الندوة وحساسيته وراهنيته مع الحياة العربية اليوم، فقد تكون مسألة الدولة في الوطن العربي المعاصر أم المسائل التي يتوقف بناء المستقبل على حلّها حلاً تاريخياً صحيحاً تنتقل به الأمة من لحظة التأزم والغموض والانسداد السياسي التي ترزح تحت أحكامها اليوم، بل منذ عقود خلت إلى لحظة النهوض والصعود وإقامة شروط الاستقرار التي لا سبيل إلى الإجابة عن معضلات البناء التنموي والنهضوي والوحدوي من دون توفيرها".

وتحدث حسيب عن "رسوخ المضمون التسلطي للدولة وتجذره وتمدده السرطاني في كامل الجسم الاجتماعي" للبلدان العربية.

فالدولة في الوطن العربي "تحصد اليوم الثمار المرة لثلاثة أطراف عربية محلية؛ النخب الحاكمة، والنخب المعارضة من الأطياف السياسية كافة، والعصبيات المحلية والطائفية والمذهبية والعشائرية".

الدكتور عمرو حمزاوي أشار إلى أزمة أن الدولة في البلدان العربية لا تقتصر أسبابها على "غياب مسألتين رئيسيتين: غياب الديمقراطية وما يسمى "أزمة الحكم الرشيد، بل هي تعبر عن مشكلات عميقة في علاقة السلطة مع جميع فئات المجتمع، والمسؤولية ليست محصورة في السلطة بل إن جميع قوى المجتمع تتحمل المسؤولية"، وهذا ما يحتاج إلى البحث والدراسة العميقين.

الدكتور أحمد الكبسي ركز على "الضعف النظري والفكري المتلازم مع حال التراجع في الواقع السياسي للنظام العربي". ودعا إلى "صياغة المداخل الصحيحة لبناء ثقافة سياسية وأكاديمية مقاومة لهذا الواقع المؤسف الذي نعيشه نتيجة إخفاق الدولة الوطنية".
الجلسة الأولى: تاريخية الدولة العربية وظروف نشأتها

بعد الجلسة الإفتتاحية بدأت أعمال الندوة حول تاريخية الدولة العربية وظروف نشأتها. فعرض الدكتور عصام نعمان إشكالية وجود الدولة في الوطن العربي معتبراً أنه "ليس هناك دولة بل سلطة تمارس سلطتها الأمنية على الواقع الاجتماعي، ولا تقوم بدور الدولة الحقيقي، فلا دولة في لبنان أو العراق أو اليمن أو بقية الأقطار العربية".

ثم تحدث الوزير الدكتور عدنان السيد حسين فأشار إلى انشغال "الفكر الإسلامي في العصور الوسطى بالدولة الشرعية، أو الخلافة، وركز على الأمة الإسلامية أكثر من تركيزه على الدولة. وانشغل هذا الفكر، بمصطلحي الخلافة والإمامة، وهناك من رفض فكرة الدولة الدينية في الإسلام، كتيار الجامعة الإسلامية في القرن التاسع عشر".

أما مفهوم الدولة القومية القائمة على "فكرة السيادة في إطار تعظيم قوة الدولة، تنشأ وتطور مع قيام الثورة الفرنسية العام 1789". وقد تطور هذا المفهوم وصولا إلى "فكرة السيادة الشعبية".

وعرف السيد حسين فكرة الدولة المدنية بأنها "الحامية المدافعة عن أمن المواطن الفرد والرعاية لمقوّمات العيش في إطار الانتظام العام". أما الدولة القائمة في البلدان العربية، فهي "مجرد سلطة لا دولة. والسلطة مختصرة بسلطة الحاكم الفرد، أو ذاك الذي يمثّل أسرة تتوارث الحكم". لذا يتغطل قيام الدولة المدنية بسبب غياب مقوماتها الأساسية:
  • المساواة بين المواطنين.
  • المشاركة السياسية.
  • وجود مجتمع مدني فاعل من خارج أجهزة السلطة.
  • عدم إضفاء طابع مقدس على الحاكم.
في حديثه عن "أخلاقيات الإسلام التي لم تتحول بعد إلى قوانين ونظم ومسلك، يرى السيد حسين أن "الحركات العربية والإسلامية تجيب على الأسئلة المتعلقة بالموارد والثروات والبيئة ومخاطر القلق على المصير ومن طغيان الماديات". لكن "يصعب على هذه الحركات القيام بالمهمات المذكورة، لأنها أسيرة سلبيات ماضوية كالتكفير والتناحر الداخلي". وهي أيضا "لا تملك تصوراً حول بنية الدولة ومؤسساتها وأنظمتها في السياسة والإدارة والاقتصاد والإعلام والثقافة والتقنية الحديثة، لأن الدولة الحديثة هي في أصلها وفصلها دولة مدنية".

لذا يدعو السيد حسين الحركات العربية والإسلامية إلى حسم "حواراتها الطويلة حول جدليات العلاقة بين الدين والوطنية والقومية والعالمية". وهو يرى أيضا أن "لا مشاركة سياسية في الشأن العام مع الفوضى، والحروب الأهلية. إن الأمن الوطني، أو الاستقرار العام، يحتاج إلى سلطة الدولة من خلال قواتها المسلحة، أو قواها الأمنية. شرط ألا تتحول إلى القمع والتسلط. لذلك تبقى المشاركة السياسية معلماً هاماً من معالم دولة المواطنين، لا دولة الرعايا.

والمشكلة في رأي السيد حسن تكمن في "هزال فكرة المواطنة في الدولة الوطنية. لذا يسأل عن كيفية تأصيل فكرة المواطنة العربية في دول الرعايا، وهي دول "تعيش تنازعا قطريا أو إقليميا." وهو يرى أيضا أننا، نحن العرب، على اختلاف وطنياتنا، نعيش في مجتمع تقليدي، ولم نصل إلى مجتمع المواطنة، رغم محاولات جديرة بالدراسة، من بينها تجربة مجلس التعاون الخليجي وطرح فكرة المواطنة الخليجية".

تعقيب الدكتور المولدي الأحمر
في تعقيبه على ورقة الدكتور عدنان السيد حسين يرى الدكتور المولدي الأحمر أن مسألة الدولة في العصر الحديث أصبحت أكثر تعقيداً. ذلك أن الدولة القطرية العربية والتي قامت كتتويج لحركات التحرير ضد الاستعمار أو كنتيجة لاتفاقيات دولية، لم تستطع أن تكسب شرعية تضاهي مشروعية الدولة القومية الجامعة ويسأل الدكتور الأحمر إلى أي مدى نكون قد كشفنا عن أسس الاستبداد في تجربتنا العربية الإسلامية عندما نبني فكرتنا على أساس أن الشريعة الإسلامية براء في "الأصل" من ظاهرة تقديس الدولة والحكام؟ أما في ما يتعلق بالأسس القانونية التي ينبغي أن تُبنى عليها الدولة العربية الحديثة، فأشار إلى فصل الدين عن السياسة الذي رافق تأسيس الدولة الحديثة في أوروبا، يكاد يكون من دون موضوع في التجربة الإسلامية".
الجلسة الثانية

ترأسها الوزير عدنان السيد حسين، وتحدث فيها الدكتور عمرو حمزاوي حول تشريح أزمات الدولة في الوطن العربي. اعتبر حمزاوي أن تعثر التحوّل الديمقراطي كان بفعل هيمنة مؤسسات الحكم وغياب إرادتها الإصلاحية وتهافت المعارضات، وأن الدولة الوطنية بات وجودها مهدداً في السودان واليمن، وكاد أن يفقد معناه في لبنان والعراق، بينما توارى مشروعها التحديثي في المغرب والجزائر ومصر أو تم اختطافه وتعطيله إلى حد بعيد من قبل مصالح قبلية وعشائرية في الأردن وغيرها.

وعرض حمزاوي لأوضاع بعض الدول العربية، كالدولة السودانية غير القادرة على القيام بوظيفتها.

أما مؤسسات الدولة العراقية فتبدو أكثر تماسكاً وأقل عرضة لخطر الانهيار، إلا أنها ما زالت تعاني من تصارع قوى سياسية ومجتمعية على النفوذ في داخلها تتهافت على السيطرة انطلاقاً من رؤى متناقضة للدولة ووظائفها ووفقاً لأجندات سياسية متباينة.

والصومال على لائحة الدول العربية المهددة بالانهيار أو الفشل، ما دام لم يعد في محيطها الإقليمي ولا في المجتمع الدولي، من يسعى إلى إعادة كيانها إلى ما كان عليه قبل الحرب الأهلية. وعن لبنان قال حمزاوي إنه ليس بالدولة المتداعية، إذ أن ما يميزه، هو تقاسم السلطة وتوزيع الوظائف والأدوار فيما ما بين القوى اللادولتية.

وجاء في تعقيب الدكتور مصطفى كامل السيد على ورقة حمزاوي أن عهد الاستعمار في بصورته العسكرية قد انحسر في معظم الدول العربية، إلا أن آثاره ما تزال قائمة في كثير من هذه البلاد.

لذلك، فإن معظم الدول العربية تنتمي إلى الخانة المسماة دول صلدة، أي تجمع بين الاستقلال النسبي في مواجهة المجتمع، ولكنها تفتقد الشرعية ورضى المواطنين.
وعن التنمية كبعد اقتصادي وعنصر مأزوم في الدولة العربية عقّب حمزاوي بأن إخفاق تجارب التنمية المستقلة أعقبه تخلي جهاز الدولة عن مشروعه التحرري، وبدلاً من تقرير سلطته واكتساب الشرعية، أصبح يعتمد على القهر وعلى التحالف مع طبقات رأسمالية صاعدة، في إطار التبعية للسوق العالمية.
الجلسة الثالثة

ترأسها الدكتور عبد الملك المخلافي، حاضر فيها الدكتور عادل الشرجبي حول أزمة عجز الدولة وخطر انهيارها – حالة اليمن. وانطلاقاً من حرب الكل ضد الواحد والواحد ضد الكل، اعتبر الشرجبي أن الأزمة السياسية في اليمن وعندما تحوّلت إلى مواجهة عسكرية سعى طرفا الحرب (الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام) إلى السيطرة على السلطة كاملة في الجمهورية اليمنية. وبعد انتصار الحزب الحاكم في الحرب تنكّر المؤتمر الشعبي لحلفائه السياسيين والعسكريين والدينيين، وعمل على إقصاء حلفائه من السلطة التشريعية وتحقيق الأغلبية المطلقة.

ويضيف قائلاً: وعندما وصل بعض السكان في المحافظات الجنوبية إلى قناعة سلبية تجاه الأحزاب السياسية، تحرك المواطنون للتعبير عن أصواتهم خارج المؤسسات الرسمية، عبر حركة اجتماعية أطلقوا عليها الحراك الجنوبي السلمي. وقد استغلت النخب التقليدية هذا الحراك وعملت على الحشد على أساس الهوية وخلقت شعوراً لدى المواطنين الجنوبيين بأنهم مستهدفون، الأمر الذي أدى إلى تحول الحركة الجنوبية إلى حركة انفصالية تنكر شرعية الدولة والنخبة الحاكمة، وتتناغم من حيث الشكل مع المتمردين الحوثيين.

لهذا اقترح الدكتور الشرجبي اعتراف الدولة بوجود الأزمة لأن إنكارها لمطالب القوى السياسية ورفض الحوار معها قد يؤدي إلى ارتفاع سقف مطالبها وإلى تحالفها مع القوى غير النظامية والمتمردة.

عقب على ورقة الدكتور عادل الشرجبي الدكتور أحمد الكبسي قائلاً: إنه لا يوجد إصلاح بدون مصداقية، ولا مصداقية بدون مشروعية، وأن الحوار مطلوب أيضاً داخل المؤتمر الشعبي العام حول الإصلاح السياسي كي يدفع باتجاه مقنع للمعارضة السياسية، على أن يعطي الحزب الاشتراكي بعض المكاسب التي تشجعه على قبول الحوار.
الجلسة الرابعة: أزمة عجز الدولة وخطر انهيارها- حالة السودان

تحدث فيها الدكتور عبد الوهاب الأفندي الذي اعتبر أن وصف الدولة السودانية بأنها دولة فاشلة هو وصف تنقصه الدقة. فالدولة أظهرت صلابة كبيرة وقوة وقدرة على مواجهة الحصار الدولي والمشاكل الداخلية المتعددة. وكان للعامل الديني دوراً في صلابة الدولة، كما عزز النفط من قوة النظام وأسبغت اتفاقات "نيفاشا" على الحكم مشروعية دولية وشعبية جديدة. ورغم ذلك يبقى السودان دولة مأزومة بسبب اعتماد نموذج "دولة الثقب الأسود"، والتي تتلخص بوجود منطق سلطوي لا يتمتع بثقة الداخل والخارج.

ويرى الأفندي أن من طبائع هذا النموذج الانكماش على النفس باستمرار، زاعما الاستناد إلى عصبية معينة سرعان ما تصير عصبة صغيرة ترتهن للحاكم الأوحد الذي ينصّب أجهزة أمنية متنافسة مع بعضها البعض.

وللخروج من الأزمة يقترح الدكتور الأفندي على الدولة السودانية اعتماد طريق التوافق بين النخب السياسية على مسار انتقال ديمقراطي يستفيد من عناصر قوة الدولة السودانية الحالية، ويؤسس عليها وحدته القادرة على معالجة عوامل الضعف.

ويرى الدكتور الأفندي أن الانفصال لن يؤدي إلى حسم المشاكل، لأن الكثير من المراقبين يتخوّف من أن يتحوّل الجنوب المستقل إلى دولة فاشلة أيضاً وبالمعنى الأضيق، بسبب ضعف الدولة المرجوة وعمق الخلافات القبلية والسياسية في الجنوب. ويرى كثيرون أن بؤراً من التوتر والنزاعات ستواجه الشمال، ومن أبرزها النزاع القائم في دارفور.

تعقيب على الدكتور عبد الوهاب الأفندي
عقّبت على بحث الدكتور الأفندي الدكتورة سحر محي الدين، فاعتبرت أن الورقة الأساسية حققت نجاحاً كبيراً في نقد مفهوم الدولة الفاشلة وذلك من الناحيتين المفهومية والتطبيقية. ورأت أن المراقب للعلاقات الدولية يجد صلة بين غياب القطب الثاني من النظام الدولي (الاتحاد السوفيتي) وازدياد اهتمام الغرب عموماً وأميركا على الأخص بظاهرة الدول الفاشلة (يوغسلافيا، العراق، أفغانستان، الصومال). وأضافت أنه "بدل توصيف السودان بأنه دولة فاشلة كان الأفضل اعتباره دولة ضعيفة. لأن هناك رابطاً بين ضعف الدولة وأطماع الدول الخارجية. فجنوب السودان مظهر لضعف الدولة السودانية إلا بسبب التدخلات الخارجية.
الجلسة الخامسة

تناولت أزمة عجز الدولة وخطر انهيارها- حالة الصومال. ألقى البحث الدكتور عبد الجليل مرهون، فتذكر أن الحرب الأهلية في الصومال لا مؤشرات حول نهايتها في المدى المنظور. وقضت هذه الحرب على آمال وطن لم يقدَّر له في الأصل أن ينعم بوحدة ترابه، إذ تمّت تجزئته وإخضاع بعضه قسراً لسلطات الدول المجاورة. ويبقى التاريخ وارثه الثقيل ذا دلالة بالغة على صعيد مقاربة جذور الحرب الأهلية في الصومال. بيد أن ذلك لا يمثل سوى عنصر في منظومة عناصر محفزة تجلت أيضاً في سلطوية النظام السياسي لدولة ما بعد الاستقلال، وتعثّر تجربته التنموية وهيمنة القبيلة على البنى والفضاءات الاجتماعية في البلاد. وقبل عامين ولدت سلطة سياسية جديدة في مقديشو جرى الترحيب بها على الصعيد الشعبي وحظيت بمساندة إقليمية ودولية ولكنها لم تحقق وجوداً فعلياً على معظم التراب الوطني، وواجهت السلطة معارضة مسلحة قوية. وها هو الصومال اليوم نموذج جلي لدولة فاشلة وعاجزة ومهترئة يدفع ثمن فشلها الداخل المغلوب على أمره والخارج المتخبط في مقاربة البحث عن حدود. ويواجه الصومال مشاكل كثيرة تشظي الوحدة الترابية، تآكل السيادة الوطنية، تداعي آليات فرض النظام، ارتفاع مستوى الأخطار التي تعرّض حياة المدنيين، النزوح المستمر للسكان في اتجاه دول الجوار، اضمحلال مؤشرات التنمية، استشراء الفساد، استمرار وضع البلاد باعتبارها مصدر تهديد للأمن الإقليمي والدولي.

تعقيب
عقب على بحث المرهون الأستاذ حلمي شعراوي، فقدم سلسلة ملاحظات، ومنها حول التدخلات الخارجية ودورها في انهيار الدولة الصومالية، مع الإشارة إلى أن انهيار الداخل هو السبب الأساسي وراء التدخلات الخارجية.

وعرض لمسألة أساسية تتناول الوضع في السودان والصومال وهي مسألة العروبة والأفرقة في الواقع العربي، خصوصا في حالة الدول العربية التي هي "عربية أفريقية" في الوقت نفسه. وهذه مشكلة تواجه الفكر العربي منذ مدة طويلة، وقد تكون أحد أسباب انهيار هذه الدول مما يتطلب معالجة هذه المسألة بأساليب جديدة ومنها اعتماد "الفيدرالية" أو التفاوض الاجتماعي، وهذا هو المطلوب اليوم على صعيد الفكر العربي.

تابع مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع مركز كارنيغي للشرق الأوسط والجمعية العربية للعلوم السياسية ندوة "أزمة الدولة في الوطن العربي" لليوم الثاني، وذلك في قاعة المؤتمرات في أوتيل البريستول.
اليوم الثاني

الجلسة الأولى

ترأس الجلسة الأولى الدكتورة ابتسام الكتبي، وتحدث فيها الدكتور فالح عبد الجبار عن أزمة الاندماج والهوية ومشكلة بناء الأمة في المنطقة العربية، على ضوء الانقسامات الإثنية والدينية وضرورة التعاطي مع فرضيات أساسية مستمدة من التجربة العملية والنظرية لبناء الأمم في القرن التاسع عشر والقرن العشرين.

وعن التجربة العربية قال عبد الجبار أن وعي الذات القومية العربية، بدأ في إطار ثقافي، وانتقل إلى إطار سياسي لامركزي – اتحادي، في أوائل القرن العشرين، ثم انتقل إلى إطار سياسي مركزي، واقترن بالبعد الاجتماعي (الاشتراكية) بعد الحرب العالمية الثانية.

أما في النصف الثاني من القرن العشرين، فنشأ نموذج الدولة المركزية التسلطية (العراق – سوريا – مصر – الجزائر – تونس – اليمن)، أو نموذج الدولة المركزية السلطانية (السعودية – المغرب – الأردن). اتسمت عمليات بناء الأمة في هذه الدول الإقليمية على نحو فوقي، معتمدة نموذج الدولة الواحدية بشكله البريطاني أو الفرنسي. وبرزت حال التفكك وأزمتها من خلال تنامي الاحتجاج الفئوي (طائفة – مذهب – منطقة) وصعود الإسلام السياسي الذي عمق الإنقسامات الجزئية، ورسخ تحول الثقافة السياسية في الوطن العربي من الفكر القومي /الاشتراكي إلى الإسلامي.

وقد عقّب الدكتور حسام الدين علي مجيد على ورقة عبد الجبار، فأشار إلى تباين كبير ما بين مشروعي بناء الدولة – الأمة (Nation-State Building) في كل من أوروبا والبلدان النامية. وهذا يعود إلى الطبيعة المتباينية لكن من هاتين التجربتين، فلا العناصر الاجتماعية ولا مستوى التطور الاقتصادي فيما كانت متشابهة. ومع ذلك هناك ما يشبه الاتفاق بين دارسي التنمية السياسية على ان مشروع بناء الدولة – الأمة يدور حول قضية مركزية تتمثل بتحقيق الاندماج بين مكونات الدولة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وهذا يتم عبر مسارين أساسيين: الأول يتعلق بعملية تكوين الدولة، والثاني بعملية دمج الأفراد في إطار بناء الأمة. وهناك فارق بين العمليتين.

وأضاف الدكتور حسام الدين علي مجيد: لماذا تتسم الدولة – الأمة في المغرب بالاستقرار والاستمرارية على خلاف الدول- الأمم في العالم الثالث بما فيها الدول العربية؟

ويمكن القول إن الدولة في العالم الثالث متغربة وتقليدية في آن واحد. فهي استمدت في نموذج أجهزتها الإدارية والأمنية والعسكرية التجربة الغربية، وفي الوقت ذاته استخلصت من موروثها الثقافي فكرة جعل السلطة حكراً على الحاكم وحاشيته. ولا يمكن معالجة أزمتي الدولة والهوية على أساس المقترجات التي قدمها عبد الجبار، لأن مثل هذه الإجراءات ستقود إلى تهميش سلطة المركز لصالح أطراف الدولة الناشئة.
الجلسة الثانية

في الجلسة الثانية وتحت عنوان "الدولة في الوطن العربي وأزمة الشرعية" قدّمت رئيس الجلسة الدكتورة ابتسام الكتبي، الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى، ليلخص ورقة الدكتور عبد الإله بلقزيز المعتذر عن الحضور، والتي أثار فيها صوراً عن فقدان النظام السياسي العربي للشرعية.

جاء في ورقة بلقزيز أن الدولة في مجتمعاتنا العربية مُجَسَّدة في البوليس والجيش والمحاكم والسجون، وعدم احترام القوانين. لذا تمثل عبئاً ثقيلاً على حياة الناس، أو هكذا هي في وعيهم ومخيالهم. ومقابل ضمور فكرة الدولة في وعي الناس، ثمة حضور متضخم لفكرة السلطة. وعليه تُوصف الدولة في البلاد العربية ما قبل الحقبة الكولونيالية في علم الاجتماع السياسي، بالدولة التقليدية، وأحياناً بالدولة السلطانية، إنها الدولة القائمة بسلطتها على الشرعية الدينية. أما الدولة الوطنية التي تعاني أزمة الشرعية فلا أحداً: لا القوميين ولا الماركسيين ولا الإسلاميين ولا الليبراليين، ولا الطوائف ولا المؤسسات الدولية المعمولة. فالدولة الوطنية لم توفر لنفسها الحد الأدنى من الأسباب التي تساعدها على التخفيف من وطأة أزمتها. والأسباب تعني الإنشاء الديمقراطي لكيانها، وهو الشرط التحتي لمعالجة أزمة الشرعية.

تعقيباً على ورقة الدكتور بلقزيز، اعتبر الدكتور وحيد عبد المجيد أن السلطة هي أكثر مما يعرفه العرب عن دولهم المعاصرة، ويختزل الكثير منهم الدولة بسلطتها التنفيذية، وأحياناً بالأجهزة الأمنية المهيمنة على النظام السياسي.

وتعليقاً على سرعة معالجة الورقة للاتجاهات السياسية قال المعقّب الدكتور عبد المجيد إن بلقزيز يأخذنا في جولة سريعة على الاتجاهات السياسية والفكرية الأساسية الأربعة (القومية والإسلامية والليبرالية والماركسية)، وخطاباتها. ولا يمكن لهذه الجولة السريعة أن تغطي الموضوع بتعقيداته وتشابكاته ومتغيراته من فترة إلى أخرى.

قدم رئيس الجلسة الثانية الأستاذ جميل مطر الباحث الدكتور وجيه كوثراني الذي تحدث عن أزمة الدولة في علاقتها بالمجتمع، وقدم النموذج اللبناني كتجربة كاشفة عن هوية الأزمة، فاستعرض صيغ الميليشيات في الحرب الأهلية وكيفية تأسيس الحزب الواحد في الطائفة كظاهرة أخذت مساراً مؤثراً في الحياة السياسية اللبنانية بعد انهيار مؤسسات الدولة وشلل مفاصلها، وتقلّص نفوذ الزعامات التقليدية وتراجع الأحزاب العلمانية لحساب الانتظام في الطائفيات السياسية المليشيوية.

وعن التسويات السياسية أشار الدكتور كوثراني إلى تسوية الطائف كوثيقة استدخلت في التعديل الدستوري كتوجه إصلاحي. إلا أن توزيع الرئاسات الثلاث على طوائف لبنان الكبرى (عددياً) فهم فهماً وظيفياً توزيعيا جديدا، بمعزل عن نصّ الدستور وموجباته التي تشدّد على فصل السلطات. وتحت وطأة النفوذ السوري العسكري والأمني فهم التوزيع فهما طائفياً حصرياً، ومورس ممارسة "رعوية" وكأنه "مجلس رئاسات"، وقد عُرف آنذاك بـ "الترويكا".

وعن المقاومة التي نشأت على ظهر الاجتياح الإسرائيلي للبنان، قال الدكتور كوثراني إن المقاومة كانت وطنية مسلحة، وشاركت فيها فصائل من الحركة الوطنية. ولكن ما لبثت هذه المقاومة أن أضحت "شيعية" وذلك مع صعود حزب الله بدعم إيران، وبتسهيل سوري، مع رفع النظام السوري شعار تلازم المسارين. وهكذا تخصّصت أو خُصّصت الساحة الجنوبية حصراً للمقاومة التي يقودها حزب الله، والذي ابرم اتفاقاً ضمنياً مع الرئيس بري قائماً على توزيع الأدوار في المجتمع الشيعي. فترك أمر تنظيم المجتمع الشيعي لمؤسسات حزب الله إلى جانب الحيّز الأمني المطلق لحركة المقاومة، وترك أمر التوظيف الشيعي في القطاع العام لحركة أمل، أي للرئيس نبيه بري.

الدكتورة فاديا كيوان عقّبت على ورقة الدكتور وجيه كوثراني بتعداد الأسباب والعوامل المؤثرة سلباً في النظام السياسي اللبناني وكيفية انتقاله من أزمة إلى أزمة، وشلل مؤسساته العامة، وتفشي المحسوبية التي أصبحت المدخل الوحيد للمشاركة أو للإفادة من نِعَم الدولة. ودعت إلى استعادة التجربة الشهابية باعتبارها تجربة تكنوقراطية بهدف القيام بإصلاحات هيكلية كبيرة في المؤسسات العامة والاقتصاد وإدارة المال العام وسياسة النقد الدولي.

وختمت الدكتور كيوان معتبرة أن نموذج الدولة الحديثة التي تتعامل مع مواطنين يمكن أن يعود إلى الحياة من خلال قانون انتخابي جديد تحمله القوى التي لا تقبل المساومة عليه، ويفكك أسرّ الدولة والمجتمع المدني والمواطنين في آن واحد.

الأستاذ جميل مطر قدم الدكتور يوسف مكي الذي عالج أزمة الدولة في علاقتها بالمجتمع مشيرا إلى حالة المملكة العربية السعودية التي تعيش أزمة نتيجة لغياب آليات التداول الطبيعي للسلطة، واحتكار مراكز القيادة من قبل نُخب لا تتمتع في أغلب الأحيان بالحدّ الأدنى من النزاهة والكفاءة المهنية. هذا إضافة إلى غياب الحريات العامة، وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان، وفرض المراقبة السياسية والفكرية على الأفراد، والخلط بين الدولة والقبيلة. وأضاف الدكتور مكي بأن النظام الاقتصادي السائد في السعودية بعد اكتشاف النفط، هو نظام ريعي، ومزيج من تركيبة ثيوقراطية وأوثوقراطية، غيّبت فيها المؤسسات التشريعية والدستورية، وهياكل الدولة الحديثة. ولم يصدر دستور للبلاد؛ إلا مع بداية التسعينيات من القرن المنصرم، حينما صدر النظام الأساسي للدولة.

وختم الدكتور مكي بحثه بالحديث عن الثروة النفطية التي لم تؤد إلى إيجاد علاقات إنتاج جديدة، ونمو قوى اجتماعية حقيقية قادرة على إحداث تغيرات هيكلية في بنية المجتمع.
عقّب الدكتور باقر النجار على ورقة الدكتور يوسف مكي، فلم يختلف معه في حقيقة تأسيس الدولة القطرية في المنطقة العربية مع التمدد الغربي والتغلغل الاستعماري. لكنه أضاف أن بناء الدولة حالة سياسية فرضتها طبيعة الأنماط الاقتصادية والسياسية الجديدة التي بات العالم يخضع لها مع تمدد للاقتصاديات الرأسمالية خارج إطار القارة الأوروبية واستبعد النجار مناقشة القول الشائع بأن الدولة السعودية قامت على تحالف البيت السعودي مع العقيدة الوهابية. وذهب إلى القول بأن الدين الإسلامي لم يشكل عنصر الشرعية الأساسي في الدولة السعودية فحسب، بل شمل معظم الدول العربية. فهو، أي الدين الإسلامي، مذكور في دساتير كل الدول العربية بوصفه المصدر الأول للتشريع، باستثناء الدولة اللبنانية.
الجلسة الثالثة: أزمة غياب العدالة الاجتماعية

حول أزمة غياب العدالة الاجتماعية تحدث الباحث يوسف خليفة اليوسف بعد تقديم من رئيس الجلسة الدكتور بول سالم، عن أسوأ مظاهر التخلّف في الوطن العربي، والمتجلي بغياب العدالة الاجتماعية وما يمثله من توزيع غير عادل للثروات في كل دولة.

استشهد الدكتور اليوسف بتقارير للبنك الدولي التي تشير إلى أن ست دول عربية، هي مصر والجزائر والأردن والمغرب وتونس واليمن، كانت قد حققت مستويات منخفضة من الفقر في منتصف الثمانينيات وأواخرها. وتؤكد بيانات مماثلة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كانت أقلّ مناطق العالم النامي فقراً.

وعن السؤال المتعلق بإخفاق الدول العربية في تحقيق ما يخفف من معدلات الفقر، أجاب اليوسف بأن معدل الفقر يرتبط بعلاقة عكسية مع معدل النمو الاقتصادي، لأن زيادة النمو الاقتصادي تنتفع منها جميع شرائح المجتمع، بمن فيها الفقراء، وإن تفاوتت درجة هذه الاستفادة.

ختم الدكتور اليوسف بالبحث عن سبل لعلاج ظاهرتي الفقر وتفاوت الدخل. فاقترح تحقيق نمو اقتصادي ذاتي ودائم يتحقق بتكامل اقتصادي عربي تكون باكورته منطقة التجارة العربية الكبرى التي تم الاتفاق عليها عام 1998. هذا إضافة إلى الارتقاء بمستوى الخدمات التعليمية والصحية، وإيجاد صمامات أمان للتعامل مع الفقر وتفاوت الدخل مثل زيادة الدعم ، وتمويل المشروعات الصغيرة، وإصلاح نظم التقاعد.

عقّب الدكتور كمال حمدان على ورقة الدكتور اليوسف، بوصف العالم العربي بالعالم الأقرب إلى "عوالم" عدة، تفصل بينها فروقات بنيوية كبيرة على غير صعيد تبعاً للتفاوت الحاد في مستوى امتلاك هذه "العوالم" للموارد الطبيعية، وللتباين الواسع في خصائصها الديمغرافية، حتى تكاد "المؤشرات الإحصائية الوسطية العربية" تفقد دلالاتها لدى مقارنتها بمئيلاتها على الصعيد الدولي.

وحول صمامات الأمان للتعامل مع الفقر من وجهة نظر اليوسف، دعا كمال حمدان ضم عناصر هذه الصمامات إلى جهود الدولة للإسهام في إحراز مزيد من التقدم على طريق العدالة.
الجلسة الأخيرة

الجلسة الأخيرة ترأسها وزير الخارجية الأردني السابق الأستاذ مروان المعشر، وقد تناولت الجلسة "أثر المحيط الإقليمي والدولي في أزمة الدولة في الوطن العربي". فتحدث بداية الدكتور محمد عبد الشفيع عيسى عن معالم وخصائص البيئة السياسية للدولة الراهنة والتي يمكن تلخيصها بالأوضاع التالية:

1 – بيئة دولية متحولة من نظام دولي تتحكم به القوى العظمى الوحيدة حالياً (أمريكا)، إلى هيكل مستقبلي يتسم بالتعددية القطبية أو اللاقطبية. وقد برزت قوى دولية جديدة (الاتحاد الأوروبي، الصين، الهند).

2 – بيئة دولية متجددة من خلال بروز ارهاصات حركة التحرر الوطني العالمي ووجود قيود على استخدام القوة العسكرية (العراق، لبنان) وبدء التحول في المجموعات الدولية المختلفة من سياسات "الليبرالية الجديدة" "المسماة الرأسمالية المتوحشة" إلى سياسات التدخل النشط للدولة في الميدان الاقتصادي والاجتماعي.
ثم عرض الباحث لتحديات العولمة الجديدة والخصائص الحاكمة للبيئة الدولية والإقليمية، حييث يجري التركيز الدولي على ما يسمى "الإرهاب الإسلامي".

وقدَّم ترتيباً للقوى العالمية من زاوية الاقتصاد السياسي مشيراً إلى بروز قوى جديدة، وخصوصاً في منطقة آسيا. واختتم بحثه بعرض بعض انعكاسات المحيط الدولي على البيئة الإقليمية والنظام الإقليمي العربي. وأشار إلى عدم إغفال الأثر المركب للعوامل الداخلية والخارجية في ما آل إليه النظام الرسمي العربي. كان الاختراق الأجنبي ممثلاً بالمسعى الغربي والاميركي طوال العشريتين الأخيرتين من أجل تعبئة الحلفاء وتحييد الشركاء. وأدى هذا إلى تغلغل خارجي غير مسبوق في الأنظمة السياسية العربية المحلية، وتراجع دور النظام الإقليمي العربي وازداد دور العوامل الخارجية في الوطن العربي. وهذا وجه من وجوه أزمات التي تنتشر في اليمن ولبنان والسودان والعراق، من دون أن ننسى مفاعيل الدور الإسرائيلي السلبي في فلسطين المحتلة.

عقّب على البحث الأستاذ جميل مطر معتبرا أن اتساع الموضوع يستحق ان تفرد له جلسات أو ندوة كاملة، لا جلسة واحدة. إذ تشهد أدبيات التاريخ السياسي المعاصر في المنطقة العربية خصوصاً، والشرق الأوسط عموماً على ان الدور الخارجي في نشأة الدولة العربية والإسلامية وتطورها، يفوق في تأثيره على نشأة الدولة في أي مكان آخر من العالم، ربما باستثناء أفريقيا.

وبعد ان عرض لتطور التدخلات الخارجية في الوطن العربي سواء على الصعيد الاستعماري الدولي أو إنشاء الكيان الصهيوني، تحدث عن أزمات الدولة في الوطن العربي اليوم. فالأحداث التي شهدتها هذه الدول أثرت مباشرة مكانة الدولة وقوتها في المجتمع، مما أدى إلى دخول عدد كبير من الدول العربية في دائرة مفرغة من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ومن بروز التنظيمات التي تميل إلى العنف والخروج على القانون.

وختم مداخلته عن محاولات عديدة للولايات المتحدة الأميركية للتدخل في الوطن العربي بأساليب مختلفة، إما لغرض الاستقرار أو لإثارة الفوضى والتدخل العسكري الصريح وفرض الحصار الاقتصادي والسياسي وإصدار التهديدات. وهذا أدى في الغالب إلى توتير الأجواء الإقليمية، وإضافة مشاكل جديدة إلى التعقيدات التي تواجهها الدولة العربية، خصوصا الصومال والسودان ولبنان واليمن والعراق.
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 الفكر القومي العربي

إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.
Free counter and web stats