.

جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة - منتديات الفكر القومي العربي
  


 الفكر القومي العربي

لسوف يسجل التاريخ لشعـب فلسطين الذى جاهد طويلاً وقاتل بغير هوادة في معارك غير متاكافئة أنه فى الوقت الذى ظن العدو أنه نجح فى تصفية وجوده باحتلال أرضه

فإن هذا الشعب بحيوية أصيلة ، وبإرادة حياة لا تقهر انقض واقفاً يملأ ساحة النضال كلها ببطولة باهـرة ...

جمال عبد الناصر

آخر 5 مشاركات
نبوءة لشاعر مصري عن خراب المدن العراقية (الكاتـب : كاظم الحمامي - )           »          ما كنــــا نخشاه ... (الكاتـب : د. عبدالغني الماني - )           »          الثورة تدشن معركة تحرير الاقصى من صنعاء الى دمشق -- خاص بالجيش المصري (الكاتـب : علي مفلح حسين السدح - )           »          تفجيـــر العزائم من ذكـريات هذا الشهر ... (الكاتـب : د. عبدالغني الماني - )           »          بيان هام من جمعية الوحدويين الناصريين الى أبناء التيار القومي التقدمي في تونس (الكاتـب : صلاح الكافي - )


  
العودة   منتديات الفكر القومي العربي > قضــايا عربيـــة > قضايا عربية > مقالات علي مفلح حسين السدح
 

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  
قديم 07-06-2010, 11:04   #1
علي مفلح حسين السدح
عضو رائد
 
تاريخ التسجيل: Dec 2008
المشاركات: 4,948
علي مفلح حسين السدح is on a distinguished road
افتراضي جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة

قراءة تاريخية في مفهوم الاستبداد وتفسيره وآليات تكريسه
جذور الاستبداد في الحياة السياسية العربية المعاصرة






بقلم/ محمد هلال الخليفي

مقدمة
ما الاستبداد؟
تسويغ الاستبداد
تفسير الاستبداد
تكريس الاستبداد

مقدمة


إذا كانت "الديمقراطية" قد سودت فيها صفحات كثيرة بحثت جذورها وبذورها وشروط قيامها، فإن نقيضها "الاستبداد" لم يلق العناية نفسها، ولا البحث الذي يستحقه. فقد ظل الفكر العربي، عندما عاد إلى الاهتمام بالديمقراطية، يبحث في/عن الغائب! وأهمل الحاضر الجاثم فوق الصدور!، "ومع أن (الخلافة الراشدة) –التي لم تدم إلا نحوا من ثلاثين سنة– قد بقيت تتحدد في ضمير المسلمين، على مر العصور، بكونها (الحكم المبني على الشورى)، فإن (الملك العضوض) –الذي بلغ من العمر الآن 1380 سنة– لم يسبق أن عرف التعريف الذي يعطيه مضمونا يبقى حيا في ضمير الأجيال المتعاقبة".1

الاستبداد ظاهرة نشأت وتراكمت في تاريخنا الممتد قروناً عديدة، ورغم المحاولات التي جرت هنا وهناك تحاول إصلاح نظام الحكم في بعض الأحيان، وتزيينه في معظم الأحيان؛ إلا أن الاستفراد بالحكم والسيطرة عليه وتوظيفه لخدمة مصالح فردية، مازال جاثما وظاهرا للعيان لا تخطئُه العين المجردة.
ظاهرة لا ينفع معها القول "إن الاستبداد لم يكن حكرا على تاريخ المسلمين"، أو "إن تاريخ الإسلام لم يكن سلسلة متوالية من أنظمة الجور"، أو القول "إن أبشع الاستبداد في تاريخنا إنما هو في هذه العصور التي غدت شرعية الحكم في العالم الإسلامي لا تستمد من الإسلام وأمته، بل من الولاء والتبعية للغرب.. "2.




محاولتنا هذه التي تأتي تمهيداً وتشكل مدخلاً وخلفية لموضوع اللقاء السنوي الرابع عشر لمشروع دراسات ديمقراطية في البلدان العربية: الاستبداد والتغلب في نظم الحكم المعاصرة للدول العربية



والاستبداد باعتباره من ظواهر الاجتماع السياسي لا يولد اعتباطا ولا يتراكم جزافا، وإنما تحكمه مجموعة معقدة ومتشابكة من الأسباب والشروط والظروف، يتداخل فيه الذاتي والموضوعي، والداخلي والخارجي، والاقتصادي والثقافي. فهو ثمرة مجموعة مركبة من القوى والبواعث المختلفة في طبيعتها، المتفاوتة في درجة تأثيرها، المتشكلة بظروف المكان والزمان.

والنظر في الاستبداد وبديله "الديمقراطية" في وطننا العربي، لا بد أن يتجاوز التقولب وفق نموذج مطلق، وأن ينظر إليه على أساس النسبية التاريخية؛ فعلى الرغم من الاتجاه العام الناظم لحركته عبر التاريخ، فإن تجلياته التفصيلية المتنوعة مكانا وزمانا في حاجة إلى بحث عميق يحيط بها، ويسبر غورها. ونفس الشيء يقال عن بديله.

إن النموذج الوحيد لم يوجد ولن يوجد، لأن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية تختلف من مكان إلى آخر، وتتبدل من زمان إلى آخر. والمثال والنموذج الإنساني هو دائما أمام الإنسان يتجه صوبه ولا يصل إليه. ونحن إذ نستبعد النموذج المطلق فإننا لا نرفض التجربة الإنسانية المتعددة مكاناً والمتنوعة زماناً، أيا كان مصدرها، فالحكمة ضالة المؤمن، نقتدي بها، ونقتبس منها، ونبدل ونوائم ونعدل، ونضيف إليها.

ومحاولتنا هذه التي تأتي تمهيداً وتشكل مدخلاً وخلفية لموضوع اللقاء السنوي الرابع عشر لمشروع دراسات ديمقراطية في البلدان العربية "الاستبداد والتغلب في نظم الحكم المعاصرة للدول العربية"، تكون قد أدت غرضها لو تمكنت من التنبيه إلى بعض الإجابة عن السؤال الكبير: ما العوامل التي ساعدت ومكنت الاستبداد من أن يكون هو النظام السائد لإدارة العلاقة بين الحكام والمحكومين في تاريخنا العربي الممتد إلى الآن؟ وذلك من أجل تنمية فهم مشترك أفضل يساعد العرب والمسلمين على تفكيك الاستبداد وإزالته.

ونحن في سعينا هذا سوف نقوم في هذه الورقة التمهيدية بعرض مختصر لأهم المفاهيم التي ارتبطت بالاستبداد وصولاً إلى تحديد مفهوم له كما استخدمناه في هذه الورقة، ثم بيان أهم أشكال ترويجه وتسويغه، ونختم الورقة بعرض مختصر لبعض محاولات تفسيره، وأهم وسائل تكريسه، قاصدين بذلك ضرب المثال وليس الإحاطة، فهذه تتجاوز حدود الورقة، منبهين من خلال هذا العرض إلى تعقد ظاهرة الاستبداد وتاريخيتها.

1 - ما الاستبداد؟

1 – 1: الاستبداد وأشباهه



الاستبداد يحول العلاقات بين أفراد المجتمع من علاقات تحكمها وتنظمها قوة الحق إلى علاقات يضبطها محض القوة



لقد عُرِِف الاستفراد بالسلطة والتحكم في رقاب الناس والاستئثار بخيرات مجتمعهم، في تاريخه الطويل بأسماء مختلفة ليس الاستبداد3 إلا واحدا منها. وربما عُد مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت4 بمفهوم الاستبداد، حيث استُخدما للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة، والسيطرة السياسية التامة بواسطة حاكم فرد، أو باعتبارهما "مترادفين غامضين للحكم القسري التحكمي المتعارضين مع الحرية السياسية والحكومة الدستورية وحكم القانون"5، وإلى أرسطو يعود التمييز بين هذين المفهومين6، حيث اعتبر الطغيان حالة مرضية بالنسبة للشعب اليوناني، أما الاستبداد فهو حالة طبيعية للآسيويين. لقد استخدم أرسطو مفهوم الطغيان ليدل به على الوجه الفاسد للحكم الملكي "فالطغيان ملوكية لا موضوع لها إلا المنفعة الشخصية للملك"7 و"هو حكومة فرد يلي على وجه السيادة أمر الجماعة السياسية"8. أو بعبارة أخرى "الطغيان ليس شيئا آخر إلا الملوكية المطلقة التي تحكم، وهي بمعزل عن كل مسؤولية وفي منفعة السيد وحده، رعاياه يساوونه وأحسن منه، دون أن يعنى شيئا ما بمنافعهم الشخصية. من أجل ذلك كان حكومة عنف لأنه لا يوجد قلب حر يحتمل بصبر مثل هذا السلطان."9 فالحكم الطغياني -بحسب أرسطو- هو حكم فردي يقوم على العنف ويستهدف مصلحة الطاغية الخاصة.

وقد ظل مفهوم الطغيان هو السائد في الفكر السياسي الغربي حتى جاء مونتسكيو10 وأبرز مفهوم الاستبداد، "ولكن الشائع استعمال اللفظين كمترادفين لتلك الصورة القاسية من الحكم الفردي.. ويطلق اصطلاح الطغيان ومقابله على الدول البوليسية برغم وجود قانون فيها، لأن السيادة ليست للقانون بل لإرادة الحاكم.."11. بالإضافة إلى ذلك، يميز البعض بين مفهوم الاستبداد ومفهوم الطغيان من زاوية صفتي "القهر والجبر" اللتين يشتمل عليهما مفهوم الطغيان، في حين أن الاستبداد لا يتضمنهما في معناه بالضرورة، "فالاستبداد من حيث هو تصرف غير مقيد وتحكمي في شؤون الجماعة السياسية، يبرز إرادة الحاكم وهواه، ولا يعني بالضرورة أن تصرف الحاكم ضاغط بعنف على المحكومين، غير مبال بقواعد العدل والإنصاف"12، كما يفرق آخر بينهما بالقول إن المستبد "من تفرد برأيه واستقل به، فقد يكون مصلحا يريد الخير ويأتيه، أما الطاغية فيستبد طبعا مسرفا في المعاصي والظلم، وقد يلجأ في طغيانه إلى اتخاذ القوانين والشرائع ستراً يتستر به، فيتمكن مما يطمح إليه من الجور، والظلم، والفتك برعيته، وهضم حقوقها. وقد يكيف فظائعه بالعدل فيكون أشر الطغاة، وأشدهم بطشاً بمن تناولتهم سلطته.."13.

وفي العصر الحديث أُستخدم مفهوم الدكتاتورية ليدل "على حالة سياسية معينة، تصبح فيها جميع السلطات بيد شخص واحد، يمارسها حسب مشيئته"14، وهناك من عبر عن الاستبداد بمفهوم التسلطية الذي هو مفهوم حديث نشأ مع الدولة الحديثة وامتداداتها البيروقراطية "بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتداداً لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعّال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع"15. ومن المفاهيم الحديثة التي تفيد معنى الاستبداد مفهوم الشمولية16، وهو يتفق مع المفاهيم السابقة في سيطرة فرد أو مجموعة أفراد على الحكم، ويختلف عنها في أنه يسعى إلى صهر أفراد المجتمع في بوتقة أيديولوجية واحدة.

1–2: مفهوم الاستبداد


الفعل المؤسس للاستبداد هو فعل الاستيلاء، أي انتزاع الحكم والقبض عليه من دون تفويض من المجتمع أو ضد إرادته


إن التتبع التاريخي لمفهوم الاستبداد وأمثاله، لا تعنينا كثيراً بقدر ما يهمنا تحديد هذ المفهوم كما نستخدمه في هذه الورقة؛ فالاستبداد كما تشير معاجم اللغة17 هو الانفراد. استبد به: انفرد به. واستبد الأمر بفلان: غلبه فلم يقدر على ضبطه. واستبد بأميره: غلب على أمره فلا يسمع إلا منه. استبد فلان بكذا: أي انفرد به. وفي حديث علي رضوان الله عليه: كنا نرى في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا. يقال استبد بالأمر، يستبد به استبداداً، إذا انفرد به دون غيره. واستبد برأيه: انفرد به. "واستبد الأمير بالسلطة أخذها لنفسه ولم يشارك فيها أحداً، ولم يستشر، فهو مستبد" 18.

وعندما نصف الاستبداد بـ "السياسي"، فإننا نعني به الانفراد بإدارة شؤون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين. ويكتسب الاستبداد معناه السيئ في النفس ليس من صفة الانفراد وحدها، ذلك أن جذر الكلمة لا يفيد أي معنى سلبي أو غير سلبي، بل يستفيده من كونه اغتصابا 19 واحتكاراً لحق مشترك مع آخرين. فالاستبداد السياسي يفترض ابتداء وجود علاقة بين طرفين متساوين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما (بالحقوق المشتركة= إدارة شؤون المجتمع السياسي) دون الآخر. فهو فعل يقوم على الاستحواذ والاستيلاء والسيطرة على "شيء" هو حق مشترك مع الغير؛ فالمستبد يستولي على "الشيء" دون وجه حق. فالسمة الجوهرية في الاستبداد هي "الانفراد دون وجه حق".20

ونحن لا نربط بين الاستبداد وبين ذلك الضرب من الحكم الذي لا يخضع الحاكم فيه للقانون، بحيث يصبح القانون هو المعيار الذي يُعتمد عليه للتمييز بين أنظمة الحكم الاستبدادية وغيرها من نظم الحكم؛ "فإذا كان الحاكم لا يلتزم بقانون، وإنما قوله وفعله هما بمثابة القانون فهو حكم استبدادي"21. بل نرى أن صفة الاستبداد غير مرتبطة فقط بقانونية الفعل، أي بكون الفعل يسير وفقاً للقانون أو يمضي مخالفاً له، ذلك أن تمييز فعل الاستبداد من غيره لا يكفي فيه مجرد النظر فيما إذا كانت تصرفات الحاكم تسير على مقتضى القانون أم لا، فنقول إن الحاكم المستبد هو الذي لا يلتزم بالقانون؛ إن الالتزام بالقانون لا يكفي وحده لنفي صفة الاستبداد عن الحكم، فأغلب "المستبدين اليوم يقهرون الناس ويستعبدونهم استعبادا قانونيا، تنفيذاً لحكم أصدره قضاة، وتطبيقاً لقانون وضعه مشرعون، في نطاق دستور موضوع" 22. إن نظرتنا لفعل الاستبداد يجب أن لا تتوقف عند قانونية فعل الحاكم رغم الأهمية الكبيرة للقانون وسيادته، بل لا بد لها أن تفحص بصورة أعمق في القانون ذاته، فالنظام القانوني الذي يسمح لفرد أو لمجموعة من الأفراد أن ينفردوا بإدارة شؤون المجتمع –بأي وسيلة– دون بقية المواطنين هو حكم استبدادي، ولو جاء هذا الانفراد باستفتاء شعبي.

بعبارة أخرى، يجب أن ينصب تفكيرنا على ما هو جوهري في فعل الاستبداد. فإذا كان الاستبداد –كما سبقت الإشارة- يفيد معنى الانفراد، فإنه يتضمن بدون شك معنى نفي الآخر، وعدم الاعتراف به مشاركا في الحق العام، فهو اعتداء واغتصاب وطغيان. فالاستبداد السياسي في المقام الأول تقويض لمبدأ المساواة التي لا تقوم حياة اجتماعية سياسية سليمة بدونه. فعندما يستبد فرد أو مجموعة أفراد بالحكم دون بقية أفراد الشعب، فإن فعلهم هذا عبارة عن استبعاد الشعب من أن يكون مشاركا في الحكم الذي هو حقه المستمد من مبدأ المساواة.

وما ينبغي أن نلاحظه هو إن الطغيان محايث لفعل الاستبداد، فهو ليس شيئا آخرا منفصلا عنه، ذلك أن معنى الطغيان هو مجاوزة القَدْر أو الحد، والاستبداد السياسي ابتداء هو تجاوز للحد -الحد الفاصل بين الخاص والعام- فهو طغيان. قد نميز بين فعل استبدادي وآخر، لكننا لا يمكن أن ننفي عنه صفة الطغيان؛ فليس العنف أو القهر أو عدمهما هما اللذان يعبران عن طبيعة الاستبداد فيجعلان من فعل ما طغيانا، وانعدامها يجعلان منه استبدادا. العنف فيما نرى لا يغير جوهر الاستبداد السياسي، أي كونه طغيانا، فهذه الصفة -الطغيان- ملازمة لفعل الاستبداد سواء تم بالترغيب أو بالترهيب، واستخدام الجزرة أم العصا. فالعنف أو القهر والجبر لا يعبر عن طبيعة فعل الاستبداد، بل يشير إلى الوسيلة التي ينشئ بها المستبد فعله، والعنف أيضاً أشكال ودرجات؛ فأيها نعده طغياناً وأيها لا نعده؟

بعبارة أخرى، إذا كانت السلطة -ونعني هنا السلطة السياسية- تفيد "الحق في الأمر"23، وهذا الحق نابع ومؤسس على علاقة تراض وقبول بين طرفي الأمر، أي بين الآمر والمأمور، فإن الاستبداد هو تجريد الأمر من الحق الذي يؤسسه ومن ثم تحويل السلطة إلى سيطرة، وعلاقة الأمر والطاعة، إلى علاقة إكراه وإذعان. فالاستبداد يحول العلاقات بين أفراد المجتمع من علاقات تحكمها وتنظمها قوة الحق إلى علاقات يضبطها محض القوة. والاستبداد باعتباره علاقة قوة مجردة من كل حق يقوم في مبدئه على الغلبة والاستيلاء. فالفعل المؤسس للاستبداد هو فعل الاستيلاء، أي "انتزاع الحكم والقبض عليه من دون تفويض من المجتمع أو ضد إرادته"24 .

2 - تسويغ الاستبداد

إذا كان الاستيلاء هو المنشئ الأول لنظام الاستبداد، فإن أي نظام سياسي لا يعيش بدون "شرعية" حقيقية أو مصطنعة تسنده وتمده بالحياة وتضمن له القبول بين أفراد المجتمع، فالحكم الاستبدادي لا يمكنه الاستمرار في الحياة بمجرد الاعتماد على محض القوة والجبروت؛ ذلك أنه إذا كانت القوة لازمة في كل الأحيان لممارسة السلطة، إلا أنها وحدها لا تكفي لديمومة هذه الممارسة. إن إقامة نظام يعتمد على الإكراه لإدامة السيطرة عملية لا يحتملها أي نظام سياسي مهما كانت الوسائل التي يمتلكها؛ لذا أصبح الاستبداد في حاجة إلى تسويغ يمنحه الشرعية أي قبول ورضا الناس. فمن النادر أن يقدم الطغاة والمستبدون أنفسهم عارية من كل صفة يسوقون بها طغيانهم ويسوغون بها استبدادهم، ولو وصل بهم الأمر إلى ادعاء الربوبية، والقول: "أنا ربكم الأعلى".

وإذا كان بعض المستبدين قد لجؤوا إلى "الدين" لتسويغ استبدادهم، فإن البعض الآخر قد راغ إلى ميدان (الفضيلة: العدل– الرشد- الاستنارة- العلم) يستمد منه العون. في حين اتجه بعض آخر إلى حاجة الناس إلى الأمن يؤسسون عليه سلطتهم المطلقة؛ كما لجأ آخرون إلى الظروف يتذرعون بها، ذلك أن الاستبداد لا يمكن "أن يظهر عاريا وأن يبرز نفسه بطبيعة الحال من حيث هو، أي من حيث هو استبداد فحسب، ومن غير استنارة وعدل وعقلانية، وهو لذلك، وربما لهذا السبب بالذات، لا بد له من مشروع يزوده بأسباب الجاذبية وبسحر التسويغ. وهو في الحقيقة مشروع غالبا ما يظهر (ولا نريد أن نقول دائما) على أنه عقلاني، وضروري، بل المشروع الممكن الوحيد" 25.

2–1: الدين

يعتبر اادين الالتجاء إلى قوة فوق طبيعية لإضفاء الشرعية على سلطة الحكم، محاولة تضرب بجذورها في عمق التاريخ الإنساني، ذلك أن "الدين" يحتل مكانة جوهرية في شخصية كل إنسان، فهو مكون أساسي محايث لوجوده. والدين منظورا له من زاوية: (المقدس) و(الغيبي) و(الفوق طبيعي) يحمل شحنة انفعالية كبيرة تؤثر في، وتوجه وتضبط سلوك الأفراد في المجتمع، مما يجعله أداة مناسبة -وأحياناً الأداة- استخدم ولم يزل، في صوغ تفكير وسلوك الأفراد وتوجيههم نحو طاعة قوى السيطرة والاستبداد. بل لقد "كانت العلاقة المتميزة بين السلطة والدين.. العنصر الرئيسي بل الوحيد في إضفاء الشرعية على القوة القهرية التي كانت تقوم عليها الدولة كعلاقة مضافة ومفروضة على الجماعات الأهلية المشتتة والمتنوعة. وكانت كذلك العنصر الحاسم في توليد الاحترام والتقديس للقانون، الذي يفترض استخدام القوة"26. ومن الأقوال البليغة لأهمية "الدين" للسلطة السياسية ما ورد في عهد أردشير27، قوله:

"واعلموا أن الملك والدين أخوان توأمان، لا قوام لأحدهما إلا بصاحبه، لأن الدين أس الملك وعماده، ثم صار الملك بعدُ حارس الدين، فلا بد للملك من أسه ولا بد للدين من حارسه، لأن ما لا حارس له ضائع وما لا أس له مهدوم، وإن رأس ما أخافه عليكم مبادرة السفلة إياكم أي دراسة الدين وتلاوته والتفقه فيه، فتحملكم الثقة بقوة السلطان على التهاون به، فتحدث رياسات مُستسرات في من قد وترتم وجفوتم، وحرمتم وأخفتم وصغرتم، من سفلة الناس والرعية وحشو العامة. واعلموا أنه لا يجتمع رئيس في الدين مُسِر ورئيس في الملك مُعلَن، في مملكة واحدة قط، إلا انتزع الرئيس في الدين ما في يد الرئيس في الملك، لأن الدين أس والملك عماد، وصاحب الأس أولى بجميع البنيان من صاحب العماد".


ونحن في عرضنا لمسوغات الاستبداد يكفينا مثلاً أن نشير إلى تجربتين استخدمتا "الدين" مسوغاً للاستئثار بالسلطة والاستبداد بها: التجربة الغربية كما بدت في تطور العلاقة بين الكنيسة وبين الإمبراطورية الرومانية في مرحلة أولى، وبينها وبين الملوك في مرحلة ثانية. والتجربة العربية الإسلامية.

2–1–1: التجربة الغربية المسيحية:
على الرغم من قول (المسيح) :"ردوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، إلا أن الصراع بين الكنيسة والإمبراطوريات والممالك الغربية دار حول "مملكة الأرض". وفي الوقت الذي تم فيه اللجوء –نظرياً وفكريا- إلى "الله كمفهوم مقدس" طالبين منه العون والمدد، كانت السيادة على مملكة الأرض تحكمها موازين القوة، وهي التي كان لها القول الفصل. إن أحداث هذا الصراع امتدت قروناً طويلة سالت فيها دماء غزيرة، اندثرت فيها إمبراطوريات، ونشأت فيها ممالك. ونحن في هذا المدخل التمهيدي لا يعنينا كثيرا أن نؤرخ لهذا الصراع، بقدر ما يعنينا أن نبرز ما استعان به المتصارعون، أي "المقدس" لتسويغ سيطرتهم واستبدادهم بالسلطة، أو سعيهم نحو ذلك، أو لتسويغ طاعة السلطة. ويعتبر قول القديس بولس 28 من أهم الأقوال المرجعية في الفكر الكنسي الذي يُرجع فيها السلطة إلى الله:

"ليخضع كل واحد للسلطات المُنَصَّبة، فإنه لا سلطان إلا من الله. والسلطات الكائنة إنما رتبها الله. ومن يقاوم السلطان إذن إنما يعاند ترتيب الله. والمعاندون يجلبون الدينونة على أنفسهم؛ لأن الخوف من الحكام لا يكون عن العمل الصالح بل عن الشرير. أفتبتغي أن لا تخاف من السلطان؟ فافعل الخير فتكون لديه ممدوحاً؛ لأنه خادم الله لك للخير. وأما إن فعلت الشر فخف؛ لأنه لا يتقلد السيف عبثا؛ فإنه خادم الله، الذي ينتقم وينفذ الغضب على من يفعل الشر، فلذلك يلزم الخضوع لا خوفاً من الغضب فقط، بل من أجل الضمير أيضا. ومن أجل هذا أيضاً توفون الجزية، لأن [الحكام] هم خدام الله الذين همهم المواظبة على الخدمة. فأدوا إذن للجميع حقوقهم: الجزية لمن له الجزية، والجباية لمن له الجباية، والمهابة لمن له المهابة، والكرامة لمن له الكرامة."


هكذا عندما أراد القديس بولص أن يوجه أتباع الدين المسيحي إلى طاعة السلطات الإمبراطورية في دفع الجزية، لم يبحث عن مصدر إنساني (اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي أو أخلاقي) يسوغ به دعوته تلك، بل اتجه إلى "الله" مصدر كل سلطة. وعليه أصبحت مقاومة السلطان مقاومة لله، وأضحى الخير والشر يتحددان على هذا الأساس، طاعة السلطان أو مخالفته.

ولكن بعد أن تمت السيادة للكنيسة وأصبح السلطان هو البابا، وبعد أن كانت كل سلطة تمجد حتى من قبل من هم أفضل منها على حد تعبير أغسطين، أضحت هذه السلطة (سلطة الملوك) موضع تساؤل: "هل من الممكن أن لا يخضع المقام الذي اخترعه البشر، حتى البشر الذين يجهلون الله، للمقام الذي أسسته عناية الله القوي من أجل عزتها؟ من يستطيع أن ينكر بأن كهان المسيح ليسوا آباء وأسياد الملوك والأمراء وكل المؤمنين؟.. يكفي ولو قليل من العلم لإدراك أن الكهان هم أعلى من الملوك.. 29.

وأصبح البابا قادراً على أن ينادي:
"أيها السعيد بطرس، يا أمير الرسل.. إني بقوة ثقتك.. وبسلطتك ونفوذك، أمنع الملك هنري.. الذي وقف بغرور أحمق ضد كنيستك، من حكم مملكة ألمانيا وإيطاليا. وأُحل كل المسيحيين من اليمين الذي أدوه له، وأمنع أي شخص كان من الاعتراف به كملك. إن من المناسب بالفعل أن يفقد، ذاك الذي يريد أن ينقص من شرف كنيستك، الشرف الذي يبدو أنه يمتلكه"30.

ويتبع هذا أن السلطة الدنيوية ليس لها إلا مصدر واحد هو الكنيسة. تقيمها بناء على أمر الله، ولا تستمد شرعيتها إلا منها. "إن السلطة الروحية يجب أن تؤسس السلطة الزمنية لكي توجد، وأن تحاكمها إن أساءت السلوك".31

ويحدثنا التاريخ أنه عندما حاول فريدريك الثاني المطالبة لنفسه بالسلطة التامة، أجابه البابا إينوسان الرابع (1243–1254) بما يعرف بالبراءة البابوية المأثورة التي تنص على أن نائب المسيح المؤسس على الأرض يتولى مثل موكله الكلي كامل السلطة من أجل ربط وحل ليس فقط أي شخص كان وإنما أي شيء كان. وإنه ليس هناك شيء يمكنه أن يحد من هذا الكمال، وأن سلطة الحكومة الزمنية لا يمكن أن تمارس خارج الكنيسة "لأنه ليس هناك من سلطة أسسها الله خارجها". "إن نائب المسيح تلقى سلطة ممارسة قضائه، بواسطة المفتاح الأول على الأرض بالنسبة للأمور الزمنية، وبواسطة المفتاح الثاني في السماء بالنسبة للأمور الروحية.32
وتدور الدوائر على الكنيسة وتفقد قدرتها على الربط والحل، فيعلن فيليب الجميل33 أن الحكم في مملكته من اختصاصه وحده فقط، ولا علاقة لأي شخص آخر به أو بها، ولا يعترف بأي أحد أعلى منه في هذا المضمار. ولن يجد فيليب الجميل أسهل من أن يؤسس شرعية حكمه، من نفس الأساس البابوي، من الله وحده، وهو بذلك يرد على الحق الإلهي البابوي، حقاً إلهياً ملكياً.34 إن الملك يستمد سلطته مباشرة من الله. وهكذا على أساس هذا الحق المزعوم قامت الملكية المطلقة، واستبعدت كأساس لشرعية الحكم، ليس الكنيسة، بل والشعب.

2–1– 2: التجربة العربية الإسلامية

ولو تركنا أوروبا وعدنا إلى الشرق العربي مكانا، والعصر الأموي زمانا، فسوف نلتقي بأول حكام بني أمية معاوية بن أبي سفيان. هذا الأخير على الرغم من استيلائه على السلطة بالقوة، أو بحسب عبارته ".. فإني والله ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة.. "35، إلا أنه وجد أن السيف وحده لا يكفي لضمان استمرار الطاعة، بل لابد له من غطاء يضفي شرعية على النظام، ويوفر له القوة والسند، ذلك أن الاعتماد على محض السيف لا يجدي في صراع ليس من أدواته السيف بل يشهر سلاح "الفكر"؛ عندما تكون قوى المعارضة لا ترفع السيف، وإنما تحارب بواسطة "الكلام"؛ لهذا عندما أصبح إيمان بني أمية موضع سؤال، كان جوابهم -بني أمية- من نفس الجنس، وأول جواب قدموه هو "الجبر"36. فلقد لجأت الدولة الأموية إلى "سيف الكلام" إلى "أيديولوجيا الجبر" تسوغ بها استبدادها بالسلطة.

ويقدم لنا كتاب الوليد إلى الأمصار الذي يعلن فيه عقد البيعة لابنيه عثمان والحكم سنة 125 هـ نصاً نموذجيا من نصوص الأيديولوجيا الجبرية الأموية ينطلق فيه من أن الله

اختار الإسلام ديناً لنفسه.. واصطفى الملائكة رسلاً.. وانتهت كرامة الله في نبوته إلى محمد (ص).. ثم استخلف خلفاءه على منهاج نبوته.. فتتابع خلفاء الله على ما أورثهم الله عليه من أمر أنبيائه واستخلفهم عليه منه لا يتعرض لحقهم أحد إلا صرعه ولا يفارق جماعتهم أحد إلا أهلكه، ولا يستخف بولايتهم ويتهم قضاء الله فيهم أحد إلا أمكنهم منه وسلطهم عليه وجعله موعظة ونكالاً لغيره.37



وقبل ذلك نجد في الرسالة38 التي بعثها الخليفة عبد الملك بن مروان (65–86 هـ) إلى الحسن البصري، وفي الرسالة التي رد بها الحسن البصري عليه، تعبيراً واضحاً عن "الحرب بالكلام" بين الدولة الأموية التي تتبنى "الجبر" وقوى المعارضة التي تتبنى "القدر".
وقد أفصح أبو جعفر المنصور عن هذه الدعوة بعبارات صريحة في خطبة له يوم عرفات قال فيها39:

أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته وأقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه. وقد جعلني الله عليه قفلاً إذا شاء أن يفتحني لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحني، وإذا شاء أن يقفلني أقفلني. فارغبوا إلى الله أيها الناس وسلوه في هذا اليوم الشريف.. أن يوفقني للصواب ويسددني للرشاد ويلهمني الرأفة بكم والإحسان إليكم ويفتحني لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم إنه سميع مجيب.


2 – 2: الأمن


الاحتكام إلى القوة المجردة من كل معيار أخلاقي أو قانوني تمنع كل سلام وتهدم كل استقرار إنها حالة حرب، الكل في حرب مع الكل


بالإضافة إلى الدين أو بدونه، وجد المستبدون في الحاجة إلى الأمن ما يسوغون به استبدادهم، فالأمن والسلام والاستقرار حاجات أساسية للإنسان وشروط أولية لقيام الحياة الاجتماعية واستمرارها. وربما عدت من العلامات البارزة في تاريخنا السياسي. "فسلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، ويعد الفيلسوف الإنجليزي هوبز هو المنظر للملكية المطلقة انطلاقاً من الحاجة إلى الأمن.

ينطلق هوبز من أن الإنسان منظوراً إليه في حالته الفردية الخالصة ذو حق طبيعي في أن يستخدم قواه الطبيعية من أجل إشباع رغباته الطبيعية. وحيث أن الإنسان الفرد الوحيد غير موجود، لذا وجد الإنسان أن ممارسته لقدراته وقواه الطبيعية تُقابل وتُواجه برغبات أفراد آخرين يمارسون نفس القوى والقدرات. إن حقه الطبيعي يقابله ويواجهه حق طبيعي آخر. إن كل فرد –هكذا يقرر هوبز– يواجه في كل فرد منافسا وعدواً له، والكل في حالة حرب مع الكل. والقانون السائد في هذه الحالة هو قانون القوة والحيلة. القوة المحض هي التي تحكم علاقات الأفراد بعضهم ببعض، والحق –إذا جاز أن نستخدم هذه الكلمة– هو حق الأقوى. الأقوى بقواه المادية أو الأقوى بمكره ودهائه وحيلته.
وواضح أن الاحتكام إلى القوة المجردة من كل معيار أخلاقي أو قانوني تمنع كل سلام وتهدم كل استقرار. إنها حالة حرب، الكل في حرب مع الكل. حرب تزرع الخوف، وتجتث كل استقرار، وتعصف بكل أمن، وتحول بين الناس وبين "إشباع رغباتهم الطبيعية"؛ حرب" تمنع كل زراعة، وكل صناعة، وكل ملاحة، وكل أدب، وكل فن وكل مجتمع: إن ما يسود في هذه الحالة، وهذا هو الأسوأ في كل شيء هو الخوف والخطر الدائم بحدوث موت عنيف. ولهذا فإن حياة الإنسان تتميز بالعزلة والكد والتعب، وتكون شبه حيوانية وقصيرة".40

إن "حالة الطبيعة" تلك لا يمكن أن تستمر، ذلك أنه بالإضافة إلى ما لدى كل إنسان
من قوى وغرائز تدفعه إلى إشباع رغباته الطبيعية، فإن لديه غريزة أعظم من تلك أعني غريزة الحياة والخوف من الموت تكبح جماحه وتحضه على إيثار السلام، وكل إنسان فوق ذلك أو مع ذلك لديه قوة العقل التي تجعله يوازن ويقارن ويحسب مصالحه، وتدفعه إلى تحقيق رغباته تلك بوسائل وطرق أقل عنفاً.

وقد تمخضت عقولهم عن خلق شخص ثالث به وحده يمكنهم الانتقال من حال الحرب إلى حال السلام، من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع، "إنه عبارة عن جمهورهم المتحد في شخص واحد يمثلهم جميعاً. لقد أجاز كل واحد منهم له استعمال قوة وثروات الجميع (بالشكل الذي سيراه ملائماً) من أجل تأمين سلامهم في الداخل والدفاع المشترك عنهم ضد أعداء الخارج"41، فرد "يمتلك هو فقط من الآن فصاعداً، إرادة مطلقة"42 بواسطتها يستتب الأمن ويتحقق النظام، ويكف الإنسان أن يكون ذئبا.
السلطة المطلقة في كل شأن هي التي تمنح المجتمع مقومات الحياة، لذا "فإن السيد هو الذي يعود له، من الآن فصاعداً، أن يقرر قطعاً ما هو الخير والشر، والعدل والظلم، ومالك ومالي، وكذلك أن يقوم بدور الشرطة الفكرية أي المتعلقة بالآراء والمذاهب وكذلك بدور الشرطة المسماة بالروحية، وذلك بالقدر الذي تتطلب فيه حاجات السلام أن يمتلك كل هذه الحقوق. وباختصار فإن السيد بهذا المقدار هو سيد القانون والملكية والآراء والمذاهب والدين أيضا".43

2 – 3: المستبد العالم


من النادر أن يقدم الطغاة والمستبدون أنفسهم عارية من كل صفة يسوقون بها طغيانهم ويسوغون بها استبدادهم. وتعتبر ثنائية علم الحاكم/ جهل المحكوم من أهم الأقنعة التي استخدمت لتغطية الاستبداد.

وتتلخص فكرة "المستبد العالم" في أن أفراد المجتمع العاديين "يفتقرون الشروط والمواصفات الضرورية لممارسة الحكم"44 إنهم ليس فقط لا يعرفون مصالحهم، وإنما غير قادرين على معرفتها، والنتيجة هي أن هؤلاء الناس لا يستطيعون حكم أنفسهم، لذا وجب أن يقوم بالحكم من يملك العلم والمعرفة المناسبة لتولي الحكم؛ ومن يملك ذلك قلة من أفراد المجتمع. وتُسَوَّق هذه الفكرة من خلال عملية الحجاج التالية -التي صاغها روبرت دال على لسان أرستقراطي في حوار افتراضي بينه وبين ديمقراطي-: فتبدأ بطرح الفكرة الأساسية التي تستند إليها حجة المستبد العالم وهي "أن عملية ممارسة الحكم في دولة معينة يجب أن تقتصر على المؤهلين للقيام بالحكم فقط"45 وليس أدل على أن الحكم يجب أن يعهد به إلى القادرين عليه المؤهلين له من أن جميع دول العالم بما فيها الدول الديمقراطية تحرم الأطفال" من حق التمتع بالمواطنة التامة"46 استناداً إلى كونهم غير قادرين على معرفة مصالحهم دع عنك مصالح الغير؛ أي غير مؤهلين. "إن استثناءهم يثبت بشكل لا يقبل الشك.. أن الحكم يجب أن يكون مقصوراً على المؤهلين لممارسته فقط"47 وبنفس المنطق إذا كان أفراد المجتمع العاديين لا يمتلكون المؤهلات التي تمكنهم من ممارسة الحكم، وجب استبعادهم من ممارسة ذلك، شأنهم في ذلك شأن الأطفال.

والثابت –هكذا تبنى الحجة– هو أن "الكثيرين من الناس يفتقرون على ما يبدو إلى فهم الكثير من احتياجاتهم ومصالحهم الأساسية" والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى "لننظر إلى ما يلي: على مدى ثلاثة قرون تعاون الأميركيون بشكل فاعل وجاد في تدمير بيئتهم الطبيعية، غير آبهين بشكل عام بأهميتها لخيرهم ورفاهيتهم.. [إن هذا دليل قاطع على] أن الكثيرين من الأفراد –البالغين لا الأطفال– غير قادرين على اكتساب فهم أولي لاحتياجاتهم ومصالحهم، أو أنهم غير راغبين في ذلك أساسا. فإذا ما عجزوا عن فهم مصالحهم الشخصية ألا يصبحون عاجزين عن حكم أنفسهم شأنهم بذلك شأن الأطفال؟ وإذا كانوا عاجزين عن حكم أنفسهم فإنهم بالتأكيد حتى أقل كفاءة لحكم غيرهم."48 وهكذا نصل إلى نهاية الحجة التي تؤكد أن ممارسة الحكم ليست إلا نشاطا مختصاً مثل غيره من النشاطات المتخصصة في المجتمع. فنحن بحاجة إلى العديد من الاختصاصات المهنية، يقوم بها متخصصون مختلفون، من السباك إلى العالم الفيزيائي. وهي مهن في حاجة إلى تدريب واحتراف بحيث يصعب على الكثير من أفراد المجتمع الحصول على الوقت الكافي "لاكتساب الكفايتين الأخلاقية والوسيلية الكافيتين لتأهيلهم للاضطلاع بالحكم"49.

2 – 4: المستبد المعلم


عندما ينضح فكر الشعب وتتأصل فيه الممارسة الديمقراطية ويصبح راشدا قادراً على المبادرة والدفاع عن مصالحه، إذ ذاك نكون وصلنا إلى غايتنا


ولن يعدم المستبدون مسوغات يغطون بها استبدادهم، فإذا كان "المستبد العالم" احتج بالعلم والتخصص، فإن "المستبد المعلم"50 يحتج بجهل الشعب وتخلفه وأميته، ويستخدمه غربالاً يستر به استبداده. لنستمع إليه يخاطب شعبه:
إن ديمقراطية حقيقية وفق أعرق الديمقراطيات في العالم هي ما نطمح إليه، ونبذل كل طاقتنا من أجله، ورؤيته حقيقة واقعة في مجتمعنا الحديث. لكننا ونحن نضع تلك الغاية العظيمة نصب أعيننا، ندرك الواقع الذي نعيش فيه والإرث الثقيل المرهق الذي نحمله على أكتافنا؛ فنحن نعيش في مجتمع تراكم فيه حكم السلاطين واستبدادهم وطغيانهم، وننظر إلى مواطنينا فنراهم غارقين في سبات عميق من الجهل والتخلف، خاضعين لتحكم الإقطاعيين، وكبار الملاك، والزعماء التقليديين.
إن وضعاً اجتماعياً واقتصادياً مثل الذي نعيشه، لا يمكن أن تثمر فيه نبتة الديمقراطية التي نحلم بغرسها، وقطف ثمارها. إن تعدد الأحزاب وحرية الانتخابات، تلك التي نطمح أن تكون بمثابة الروح في جسدنا السياسي، لو طبقت في واقعنا الذي ينوء بالأحمال الثقال، فإنها لن تكون في أحسن الأحوال أكثر من واجهة يختبئ وراءها كبار الملاك والزعماء التقليديين الذين، كما هو شأنهم، سيوجهون الانتخابات لمصلحتهم وضد مصالح الشعب، ولن يجني شعبنا الذي يرزح تحت نير الأمية، وتكبله أغلال الحاجة، إن تسنى له أن يجني شيئاً، سوى الفتات.

لذلك ومن أجل أن يعيش شعبنا الذي نحبه في ظل ديمقراطية حقيقية، يجب علينا تهيئة التربة الصالحة والشروط الضرورية التي تمكن بذرة الديمقراطية من النمو، وأن نعتني بها ليشتد عودها ويقوى، وتصبح شجرة باسقة وارفة الظلال، يحتمي بها كل الشعب. إن ذلك يقتضي منا أن نؤجل تعدد الأحزاب إلى حين، وأن نشرع في تأسيس حزبنا الوحيد حزب الشعب، مدرسة الشعب، وأن نستقطب النخب المثقفة التي تهتم بمصالح الشعب وتدافع عنها، ونباشر في تربية الشعب سياسياً، ونغرس فيه عادات الحكم الديمقراطي.. وعندما ينضح فكر الشعب، وتتأصل فيه الممارسة الديمقراطية، ويصبح راشدا، قادراً على المبادرة والدفاع عن مصالحه.. إذ ذاك نكون وصلنا إلى غايتنا.

2– 5: بناء الدولة

وإذا تعلم الشعب ونضج، فإن الظروف الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية لم تنضج بعد، لذا لا غرابة في أن يلجأ البعض إلى تسويغ الاستبداد بالتساؤل: هل"مسألة الطبيعة السلطوية أو التسلطية الحادة للأنظمة العربية –من راديكالية وتقليدية على السواء- هي مسألة عطش الحاكم العربي إلى السلطة ليس إلا؟.. أم إن للمسألة وجهها الموضوعي الآخر.. وهو وجه التطور التاريخي بمنطقه الذي يُحَتِّم اكتمال وإنضاج الدولة وسلطاتها وركائزها.. ".51

ويجيب عليه القول: إن "الدولة القُطرية الحالية في معظم بيئاتها وأقطارها مازالت تمثل (مشروع دولة) ولم تصل بعد إجمالاً، إلى مرحلة الدولة المكتملة التكوين والنضج والمؤسسات والتقاليد والنظم.. وإكمال بناء الدولة بطبيعة الحال، عملية نمو تاريخي لا يمكن إنجازه بين عشية وضحاها في ضوء غياب تاريخي للدولة أصلاً."52.

إن "سر (ثبات) و(قوة ) سلطة الدولة القُطرية الراهنة في وجه الثورات وحركات المعارضة والتغيير السياسي"53 لا يعود للاستبداد وللقهر والطغيان الذي تمارسه النخب الحاكمة في أقطار الوطن العربي، ولا لرغبة تلك النخب في الاستئثار بخيرات المجتمع دون بقية أفراده، بل يعود "إلى أن التطور التاريخي اللازم لتأسيس ونمو واستقرار الحكومة والدولة –معا– في المجتمع العربي يتطلب مثل هذا (الثبات) إلى حين إنجاز المهمة التاريخية في استكمال وبناء الدولة ومقوماتها ومؤسساتها الثابتة"54. كل ذلك يقتضي بالضرورة من "حركات المطالبة بالديمقراطية والتغيير السياسي"55 أن تكف عن مطالباتها تلك وتنتظر "نضج مؤسسات الحكومات والدول ومرتكزاتها في المرحلة الراهنة"56.
وهذا ليس بدعا في التاريخ، فالملاحظ "- تاريخيا– أن جميع الدول، في الشرق والغرب، قد جنحت نحو المركزية السلطوية المفرطة في عهود تأسيسها وتثبيتها (حتى تلك ذات الإرث الليبرالي)".57

إن الدعوة إلى تداول السلطة، ونقد الجهاز الحاكم وممارساته، التي يتماهى فيها الحاكم مع الدولة ويختلط فيها الخاص بالعام، لا يعبر عن وعي موضوعي –من قبل قوى التغيير- بطبيعة الدولة في أقطار الوطن العربي، التي يكون فيها "الجهاز الحاكم ذاته، وأحيانا الفرد الحاكم ذاته هو (صمام الأمان) بالنسبة إلى بقاء (الدولة)".. "فالسلطة هي التي تبني الدولة ومؤسساتها وأجهزتها في هذه المرحلة من التاريخ العربي حيث لا دولة من قبل. إن السلطة، في الوضع العربي الراهن، هي (حاضنة) الدولة وليس العكس أو كما يجب أن يكون. لذلك، فإن القضاء على (الحاضنة) يتضمن تهديد وليدها بالخطر وربما بالموت (إن لم يتم الانتظار حتى يبلغ الوليد سن الرشد)."58

3- تفسير الاستبداد


من أسباب نشوء الحكم الدكتاتوري أن تكون مشروعية الحكم في أزمة أي أن تصبح الأصول الأساسية والمبادئ الأولية التي تستمد السلطة سلطاتها منها محل نقد من قبل أفراد المجتمع أو بعضهم


إذا كان التسويغ يهدف إلى حجب الاستبداد وتغطيته وستره، بمظاهر التزيين والتجميل، ليبدو مقبولاً ومستساغا؛ فإن التفسير على العكس من ذلك يهدف إلى كشف حقيقة الاستبداد، على الأقل من وجهة نظر من يحاول الفهم. وقد قيل في فهم ظاهرة الاستبداد أكثر من تفسير، لن نسعى إلى الإحاطة بها، فذاك مقام يتجاوز هذه القراءة الأولية، بل سنعرض بصورة مختصرة لنماذج منها للفت الانتباه وإثارة الذهن، والتنبيه إلى أن ظاهرة الاستبداد السياسي، كغيرها من ظواهر الاجتماع، ظاهرة معقدة، تخضع لاعتبارات الزمان والمكان، يتداخل فيها الشخصي مع الاجتماعي، ولا يمكن تفسيرها بالنظر إلى جانب واحد من جوانبها، بل لابد من استخدام منظار متعدد العدسات علَّنا نخرج بصورة متكاملة تدنو من الحقيقة، وتكون عونا لنا في تناول وقراءة ظاهرة الاستبداد في الحياة السياسية العربية بصورة أقرب إلى الموضوعية.
لقد تراوحت التفسيرات بين الحدود القصوى لعلاقة الفرد بالجماعة، من محاولة فهم تبحث عن الاستبداد في شخصية الفرد، إلى أخرى تبحث عنه في بنية المجتمع بتكويناتها المتعددة.

3– 1: التفسير النفسي: السادومازوخية

يعد تفسير أريك فروم في كتابه "الهروب من الحرية" من تلك المحاولات التي تنشد فهم الظاهرة من خلال تحليل سلوك الفرد وشخصيته. ينطلق فروم في تحليله من أن نزعتي "السيطرة- السادية" و"الخضوع– المازوخية" موجودة عند البشر جميعاً أسوياء ومنحرفين، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة. ومن ثم فإن تفسير ظاهرة الاستبداد أو بالأحرى تفسير سلوك طرفي ظاهرة الاستبداد يكمن في تحليل سلوك هذين الطرفين. ذلك أن العلاقة بين المستبد والمستبد به تكمن في هاتين النزعتين.
المستبد يمارس ويعبر عن النزعة السادية –أي التلذذ بإيقاع الأذى بالآخرين- التي"ترتد، في نهاية الأمر، إلى دافع أساس واحد هو السيطرة الكاملة على الشخص الآخر، بأن تجعله موضوعاً عاجزاً تحت إرادتها"59؛ ذلك "أن متعة السيطرة التامة على شخص آخر هي ماهية الدافع السادي"60. فالمحرك لسلوك المستبد هو دافع السيطرة.

أما المستَبَد به الخاضع الخانع فهو يمارس ويعبر عن النزعة المازوخية –أي التلذذ بالألم الذي يقع عليه– من خلال الخضوع لشخصية أقوى منه تحرره من خوفه؛ ذلك أن النزعة المازوخية في جوهرها تعبير عن "الخوف"، خوف من الذات وما يرتبط بها من حرية ومسؤولية، فالمازوخي فرد خائف لا يتحمل ذاته الفردية المستقلة عن ذوات الآخرين؛ ذلك أن استقلاله يشكل مصدر قلق له لا يطاق، لهذا فهو يبحث عن ذات أخرى، أقوى منه، ينضوي تحتها ويخضع لها، ذات تمنحه الأمان، ويشعر من خلالها بالقوة؛ فالشخصية المازوخية هي في الواقع تعبير عن حل للصراع الذي ينتاب الفرد "بين أن يكون مستقلا وقوياً وبين شعوره بالتفاهة"61، وهو حل كما نلاحظ لا يجنح نحو امتلاك القوة بل ينتهي إلى الخضوع والتلذذ به. إن الخضوع للطغاة والمستبدين هو الذي يمنح المازوخيين إحساسهم بالقوة المفتقدة، فيزدادون إيغالاً في الخضوع ليزدادوا قوة، ويزول عنهم الخوف الذي يقلقهم.

والعلاقة بين الطغيان والخضوع (السادية والمازوخية) –بحسب فروم– تعبر عن حاجة متبادلة هي ما عبر عنها بـ"السادومازوخية"، فالطاغية –على عكس ما يبدو-يحتاج إلى موضوعه "بشدة مادام شعوره بالقوة كامنا في واقعة أنه سيد لشخص ما. وهو قد لا يعي هذه التبعية على الإطلاق."62 والخاضع يحتاج إلى سيده بشدة مادام شعوره بالقوة كامناً في أنه خاضع لشخص ما. هذا الاحتياج المتبادل هو ما يعبر عنه فروم بـ"التكافل" الذي "هو اتحاد ذات الفرد مع ذات أخرى بطريقة تجعل كلا منهما يفقد تكامل ذاته أو استقلالها ويعتمد على الآخر اعتماداً تاماً. وهكذا يحتاج الشخص السادي إلى موضوعه، بقدر ما يحتاج إليه الشخص المازوخي تماما".63

3– 2: التفسير النفس/اجتماعي: العادة

في تفسيره لظاهرة الاستبداد اتجه لابواسييه بفكره صوب الخاضعين المستبد بهم أكثر من المستبدين. إن ما استرعى انتباهه هو جانب الخضوع في الظاهرة أكثر من جانب الإخضاع؛ لذلك فهو يتساءل عن السر في انصياع هذا العدد الكثير من الناس لطاغية فرد واستسلامهم له وخضوعهم لأوامره. يقول: "كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم أن يتحملوا طاغية واحدا؟"64. إن ما أثار دهشة لابواسييه وهو ينظر في ظاهرة الاستبداد، ليس فعل الإكراه الذي يمارسه الطاغية، بل فعل الرضوخ والانصياع الذي يستجيب به أفراد المجتمع لأوامر المستبد، إن مصدر تعجبه هو سلوك هذا الحشد الكبير من الناس، لهذا اتجه بسؤاله صوب هذا الحشد محاولاً تفسير سلوكهم.

والذي جعل في الأمر سراً أو قريباً منه –في عين لابواسييه- هو أن مصدر قوة المُستَبِد لا يستمدها من ذاته، بل ممن استرقهم واستبد بهم، فالمستبد في رأي لابواسييه ليس له من القوة إلا ما منحه الناس إياها، وقدرته على إيقاع الأذى، وإنزال الشر بهم مستمدة من احتمالهم أذاه، وصبرهم بدل مواجهته.

إن المستبد منظوراً إليه في ذاته لا يملك من القوة أكثر مما منحه المستَبَد بهم، يقول لابواسييه مخاطباً جمهور الخاضعين65:

".. كل هذا الخراب، هذا البؤس وهذا الدمار يأتيكم لا على يد أعدائكم بل يأتيكم على يد العدو الذي صنعتم أنتم كبره، والذي تمشون إلى الحرب بلا وجل من أجله ولا تنفرون من مواجهة الموت بأشخاصكم في سبيل مجده. هذا العدو الذي يسودكم إلى هذا المدى ليس له إلا عينان ويدان وجسد واحد، ولا يملك شيئاً فوق ما يملكه أقلكم على كثرة مدنكم، التي لا يحصرها العد إلا ما أسبغتموه عليه من القدرة على تدميركم. فأنى له بالعيون التي يتبصص بها عليكم إن لم تقرضوه إياها؟ وكيف له بالأكف التي بها يصفعكم إن لم يستمدها منكم؟ أنى له بالأقدام التي يدوسكم بها إن لم تكن من أقدامكم؟ كيف يقوى عليكم إن لم يقو بكم؟ كيف يجرؤ على مهاجمتكم لولا تواطئكم معه؟ أي قدرة له عليكم إن لم تكونوا حماة للص الذي ينهبكم، شركاء للقاتل الذي يصرعكم، خونة لأنفسكم؟.. "


إذا كان الأمر كذلك فإن هزيمة الطاغية المستبد لا تستدعي أن ينهض المُستَبَد بهم لمحاربته كي يهزموه يكفيهم "الامتناع عن عطائه".. فيسقط "كتمثال هائل سُحبت قاعدته فهوى على الأرض بقوة وزنه وحدها فانكسر".66

والنتيجة التي يرتبها لابواسييه على هذا التحليل هي أن "الشعب هو الذي يقهر نفسه بنفسه ويشق حلقه بيده. هو الذي ملك الخيار بين الرق والعتق فترك الخلاص وأخذ الغل"،67 مادام خلاصه مرهوناً بالكف عن خدمة الطاغية.68

إذن "كيف استطالت جذور هذه الإرادة العنيدة، إرادة العبودية"69 أن تترسخ في نفوس المستبد بهم فتشلهم بحيث يعجزون حتى عن الرغبة، محض الرغبة، في الخلاص من أغلالهم؟ ما "الرذيلة التي استطاعت أن تمسخ طبيعة الإنسان، وهو وحده المولود حقيقة ليعيش حرا، وأن تجعله ينسى ذكرى وجوده الأول وينسى الرغبة في استعادته؟"70. ويجيب لا بواسييه بأن العبودية تجد طريقها إلى الناس من مدخلين الإكراه أو الخداع71، هذا في أول الأمر، لكن طول تعودهم على الاسترقاق وعناق الأغلال، يجعلهم يقنعون بالعيش خانعين خاضعين إلى الدرجة التي يبدو لمن يراهم أنهم لم يخسروا حريتهم، بل كسبوا عبوديتهم!72

"إن من ولدوا وهم مغلولو الأعناق ثم أطعموا وتربوا في ظل الاسترقاق، من دون نظر إلى أفق أبعد؛ يقنعون بالعيش مثلما ولدوا"73 فيصبح حال مولدهم هو الحال الطبيعي، ثم تأتي العادة لتجعل الناس يتجرعون "سم الاسترقاق من دون الشعور بمرارته."74 "لنقل إذن إن ما درج الإنسان عليه وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي، فلا شيء ينتسب إلى فطرته سوى ما تدعوه إليه طبيعته الخالصة التي لم يمسها التغيير، ومنه كانت العادة أول أسباب العبودية المختارة.. "75

3– 3: التفسير الاجتماعي: البناء الاجتماعي


أما دوفرجيه فإنه لا يبحث عن تفسير الاستبداد في سلوك الفرد رغم أهميته، إنما يحاول أن يجده في البناء الاجتماعي. ويبدأ بحثه بالتساؤل: هل وراء اختلاف أنظمة الحكم الدكتاتورية العديدة المختلفة في نماذجها والمتنافرة في ظروف نشأتها خيط واحد يجمعها؟ أو بصيغة أخرى: ما العوامل التي تؤدي إلى ميلاد الدكتاتوريات؟ ويجيب "أن عاملاً جوهرياً واحداً كان الأساس في ظهور كل هذه الأنظمة الدكتاتورية: هو تطور مختلف أشكال ونماذج البنيان أو التركيب الاقتصادي-الاجتماعي للعالم الذي نحياه"76، فالحكم الدكتاتوري ينشأ نتيجة تفاعل عوامل اجتماعية تضرب بجذورها في نسيج البناء الاجتماعي، أما تلك التي تظهر بسبب عوامل عارضة فإنها "نادرة الحدوث، ولا تدوم طويلا، ومصيرها الفشل دوماً"77
إن أنظمة الحكم الدكتاتورية المعاصرة "قد ولدت وتشكلت خلال مرحلة من اضطراب وعدم توازن البنيان أو التركيب الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات"78.

لكن كيف يؤدي عدم التوازن هذا إلى ظهور الحكم الدكتاتوري؟ عندما تتطور العناصر التي يتكون منها المجتمع بصورة غير متوازنة وغير متكافئة، أي إذا لم يصاحب النظام السياسي التغيرات التي تطرأ على النظام الاقتصادي والاجتماعي، فإنه سوف ينتج عن ذلك تباينات تصبح مع مرور الزمن غير محتملة، مما يجعل من تغيير النظام السياسي لينسجم مع تلك التغيرات حاجة ضرورية وملحة. هذه الحاجة تخلق أوضاعاً ملائمة لظهور الدكتاتوريات "التي تكاد تنحصر وظيفتها ومهمتها بإيقاد الشرارة التي (تحرك) و (تدفع)، أو على العكس، بإطفاء هذه الشرارة وتجميد الطاقات والقوى المحركة".79

لكن ما يجب أن نلاحظه هو أن التطور اللامتكافئ لعناصر المجتمع "لا يؤدي دوماً إلى قيام نظم دكتاتورية"80، وذلك في حالة قيام النظام السياسي بإصلاح "نفسه بنفسه" ومن ثم يعيد الانسجام بين عناصر المجتمع المختلفة. "ذلك أن الأزمات البنيانية تجد حلولاً لنفسها في أغلب الأحيان دون اللجوء إلى الطغيان والدكتاتورية، شريطة ألا تكون هذه الأزمات مصحوبة بأزمة في المعتقدات".81

إذن لكي ينشأ الحكم الدكتاتوري قد يستلزم توافر شرط آخر –إضافة إلى الأزمة البنيانية- هو أن "تكون مشروعية الحكم.. في أزمة"، أي أن تصبح "الأصول الأساسية والمبادئ الأولية التي تستمد السلطة سلطاتها منها" محل نقد من قبل أفراد المجتمع أو بعضهم؛ بحيث ينقسم أفراد المجتمع إلى "جبهتين متعارضتين وقويتين، ولابد من تعرض المبادئ الأساسية للسلطة إلى النقد أو المطالبة بإلغائها واستبدالها"82











4– تكريس الاستبداد


كيف يترسخ الاستبداد ويدوم؟ ما الوسائل التي يخضع بها المستبد مواطنيه، ويحصل بواسطتها على طاعتهم؟

في القرن الخامس قبل الميلاد عندما بحث أرسطو في الأسباب التي بها يحافظ الطغيان على استمراره، وجدها تتمثل في:83

.. القضاء على كل تفوق يرفع رأسه، والتخلص من الرجال أولي الألباب، ومنع الموائد العامة والاجتماعات، وحظر التعليم وكل ما يمت بسبب إلى التنور أعني اتقاء كل ما يؤتي عادة شجاعة وثقة بالنفس، ومنع ضروب الفراغ وجميع الاجتماعات التي قد يجد فيها المرء تسليات مشتركة، وعمل كل ما من شأنه أن يظل الرعايا يجهل بعضهم بعضاً، لأن العلاقات تجلب الثقة المتبادلة.
وفوق ذلك معرفة تنقلات المواطنين مهما قلت قيمتها وإكراههم بوجه ما على ألا يجوزوا أبدا أبواب المدينة حتى يكون الطاغية على علم بما يعملون، وتعويدهم بواسطة هذا الاستعباد المستمر الضعة ووجل النفس.. العلم بكل ما يقال وكل ما يفعل من جانب الرعايا.. وأن يبعث.. أناساً سماعين في الجماعات وفي المجالس.. وأن يبذر الشقاق والنميمة بين المواطنين، وأن يوقع الأصدقاء بعضهم في بعض، ويثير حقد الشعب على الطبقات العليا التي يجتهد في أن يفرق بينها.

مبدأ آخر للطغيان هو إفقار الرعايا حتى لا يكلفه حرسه شيئاً من جهة، ومن جهة أخرى أن الرعايا وهم في شغل لتحصيل قوت يومهم لا يجدون من الوقت ما فيه يتآمرون.. يمكن أن ترى وسيلة مشابهة في نظام الضرائب.. والطاغية يقرر الحرب ليشغل بها نشاط رعاياه ويلزمهم الحاجة المستمرة إلى رئيس حربي..




أما لابواسييه فيحدثنا عما صنعه كسرى إزاء الليديين الذي لم يشأ أن يجمد جيشه لحراسة مدينتهم خوفاً من تجدد الثورة عليه. فتفتق ذهنه عن حيلة كبيرة هي:84

.. فتح باب الدعارة والخمر والألعاب الجماهيرية ونشر أمراً يحض السكان على الإقبال على هذا كله. فكانت له من هذه الحيلة التي أغنته إلى الأبد عن أن يسل السيف في وجه الليديين. فقد انصرف هؤلاء المساكين البؤساء إلى التفنن في اختراع الألعاب من كل لون وصنف..

صحيح أن الطغاة لم يعلنوا جميعاً عما يسعون إليه من تخنيث الشعوب. ولكن ما فعله هذا صراحة يتوخاه معظم الآخرين خفية.. المسارح والألعاب والمساخر والمشاهد والمصارعون والوحوش الغريبة والميداليات واللوحات، هذه وغيرها من المخدرات كانت لدى الشعوب القديمة طعم عبوديتها وثمن حريتها وأدوات الاستبداد بها. هذه الوسيلة وهذا المنهج وهذه المغريات هي ما تذرع به الطغاة القدامى حتى تنام رعيتهم تحت النير.


وهل يغير الاستبداد من وسائله؟‍‍
إن الطغيان وتكريس الاستبداد يحكمه قانون عام في كل زمان ومكان، فهو يعتمد في انتزاع الطاعة من أفراد الشعب، سياسة العصا أو الجزرة، أو كليهما معا.85 وبين هذه وتلك أو بالإضافة لهما، يستخدم المستبد أساليب التسويغ، والكذب، والتحايل، والخداع، والتضليل، والإغراء، والإغواء. وينوع في العصا التي يستخدمها، وطرائق استخدامها، فهذه للتخويف والإرهاب، وأخرى للتعذيب، وثالثة للقتل. والجزرة أنواع وأشكال، أولها الهبة والمنحة والعطية قلت أو كثرت، والمنصب صَغُرَ أو كَبُر، وأعلاها الحظوة.86
_______________
باحث قطري
الإحالات:

1 – محمد عابد الجابري، "العقل الأخلاقي العربي – دراسة تحليلية نقدية لنظم القيم في الثقافة العربية". مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت لبنان ط 1 2001 ص 630.

2 – راشد الغنوشي، "الحريات العامة في الإسلام". مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت – لبنان ط 1 1993 ص 306 – 307.

3 – وقد وصف الاستبداد بصفات تميز بين أنواعه، إذا كانت له أنواع حقاً. من تلك الصفات صفة الاستنارة أو العدل؛ فمصطلح الاستبدادية المستنيرة يشير إلى تعبير سياسي بدأ المؤرخون الألمان استعماله في القرن التاسع عشر للدلالة على نظام معين في الحكم في تاريخ أوروبا الحديث. ويستعمل بعض الكتاب بدلا عنه تعبير "الدكتاتوريات المستنيرة " أو "الملكية المستنيرة ".. ويكاد المؤرخون يجمعون على اعتبار فريدريك الثاني ملك بروسيا (1740–1786) هو نموذج الملك المستنير إذ كان يعتبر نفسه الخادم الأول للدولة. عبد الوهاب كيالي. الموسوعة السياسية (15) كما وصف الاستبداد بالديمقراطي، وهو وصف رغم ما يبدو من مفارقة كبيرة في تركيبه، فإنه أُستخدم فيما نظن للفت الانتباه والتحذير من استغلال بعض الممارسات الديمقراطية لتحقيق أغراض غير ديمقراطية. ويعتبر توكفيل Tocqueville (الديمقراطية في أميركا) في حدود ما نعلم أول من استخدم هذا التركيب ليصف به الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها الحرية في المجتمع الديمقراطي. حيث بدأ يشير إلى "الاستبداد الديمقراطي والتشريعي" democratic and legislative despotism بالإضافة إلى "طغيان الأكثرية " tyranny of the majority. انظر إمام عبد الفتاح إمام، "مسيرة الديمقراطية.. رؤية فلسفية". عالم الفكر مج 22. ع 2. الكويت 1993. ص 39. كما استخدم عصمت سيف الدولة هذا التركيب في كتاب حمل نفس العنوان ليعبر به عن استغلال الاستفتاء الشعبي الذي هو.. خطوة ديمقراطية هائلة نحو الديمقراطية المباشرة.. ليكون ستارا عصرياً مروعاً –ولا نقول رائعاً– للاستبداد.. " ومن الصفات التي ألحقت بالاستبداد صفة "الشرقي" ربما يكون أرسطو هو أول من أشار إلى "الاستبداد الشرقي" من خلال تمييزه بين الطغيان كما عرفه اليونان والطغيان كما عرفته الشعوب الشرقية، الآسيوية على وجه التحديد 222 (17) ص 337 كما أستخدمه مونتسكيو، وفتفوجل.

4 – The Blackwell encyclopaedia of political thought. David (David Leslie) 1987.pp 119 - 122

5 - المرجع نفسه 119.

6 – أرسطو، "السياسة"، ترجمه من الفرنسية أحمد لطفي السيد. مطبعة دار الكتب المصرية – القاهرة 1947 ص 222.

7 – المرجع نفسه ص 199 - 200.

8 – المرجع نفسه ص 201.

9 - المرجع نفسه ص 334.

10 – موسوعة بلاك وول للفكر السياسي ص 121.

11 – "معجم العلوم الاجتماعية". إعداد نخبة من الأساتذة. تصدير ومراجعة إبراهيم مدكور. الهيئة العامة للكتاب. 1975. مادة طغيان.

12 – ناصيف نصار. "الموسوعة الفلسفية العربية". نقلاً عن كمال عبد اللطيف. في تشريح أصول الاستبداد – قراءة في نظام الآداب السلطانية. دار الطليعة. بيروت – لبنان. ط 1 1999 ص 174.

13 – "موسوعة البستاني". نقلاً عن: إمام عبد الفتاح إمام "الطاغية" -المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب– الكويت 1994. ص 46.

14 – عبد الوهاب كيالي. الموسوعة السياسية. مادة ديكتاتورية. انظر معجم العلوم الاجتماعية مرجع سابق. مادة دكتاتورية.

15 – خلدون حسن النقيب، "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر– دراسة بنائية مقارنة". مركز دراسات الوحدة العربية. ط2. 1996.

16 – انظر فيليب برو. علم الاجتماع السياسي. ترجمة محمد عرب صاصيلا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت ط 1 1998 ص191 وما بعدها.

17 – ابن منظور، "لسان العرب"، مادة : بدد. أنظر حسن حسين الكرمي. الهادي إلى لغة العرب.

18 - محمد جمال طحان، "الاستبداد وبدائله في فكر الكواكبي" اتحاد الكتاب العرب – دمشق – 1992 ص 22.

19 – في النظر إلى الاستيلاء على السلطة كأنه اغتصاب، انظر ناصيف نصار. منطق السلطة – مدخل إلى فلسفة الأمر. دار أمواج بيروت – لبنان ط 2 2001 ص 356 – 358.

20 – محمد جمال طحان. مرجع سابق ص 22 وما بعدها.

21 - خلدون النقيب مرجع سابق ص 21.

22 – عصمت سيف الدولة. الطريق إلى الديمقراطية أو سيادة القانون في الوطن العربي. دار الطليعة للطباعة والنشر. ط 1 1970 ص 23.

23 – ناصيف نصار. مرجع سابق ص 7.

24 - المرجع نفسه ص 356.

25 - محمد حافظ يعقوب. الخديعة والكلمات: دراسة في مفهوم الاستبداد العادل. الاجتهاد – العددان 51 / 16 – السنة الرابعة – ربيع وصيف 1992م 1413 هـ. ص 63 – 98.

26 - برهان غليون "نقد السياسة- الدولة والدين". المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت ط 1 1991 ص 32.

27 - محمد عابد الجابري، "العقل الأخلاقي العربي". ص – ص 155 – 156.

28 - جان جاك شوفلييه: تاريخ الفكر السياسي– من المدينة إلى الدولة القومية. ترجمة محمد عرب صاصيلا. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ط 1 1985 ص 144.

29 – المرجع نفسه ص 170.

30 – المرجع نفسه ص 170
31 - المرجع نفسه ص 172
32 – المرجع نفسه ص 176
33 – المرجع نفسه ص 204.

34 – تقوم نظرية حق الملوك المقدس أو نظرية الحق الإلهي كما صاغها المؤرخ الفرنسي بوسويه (Bossuet ) على "أربعة أركان رئيسية: أولها أن السلطة مقدسة، فالملوك هم خلفاء الله في الأرض وعن طريقهم يدير شؤون مملكته.. ولذلك لم يكن العرش الملكي عرشا ملكياً وكفى بل كان ذلك العرش عرش الإله ذاته. وثاني هذه الأركان أن السلطة الملكية سلطة أبوية إذ الملوك يحلون محل الله الذي هو الأب الحقيقي للجنس البشري.. وحيث كانت الفكرة الأولى عن القوة لدى الإنسان هي الفكرة التي يملكها عن القوة الأبوية.. فقد كان الملوك على غرار صور الآباء. وثالث الأركان، والناتج المنطقي والطبيعي عن الركنين المتقدمين، هو أن السلطة الملكية لا يمكنها أن تكون سوى سلطة مطلقة لا شي يقيدها أو يحد من إطلاقها، فليس للملك أن يقدم تبريراً لما يأمر به.. إذ بغير هذه السلطة المطلقة يكون عاجزاً عن فعل الخير وعن المعاقبة على الشر. وينبغي لسلطته أن تكون من القوة بحيث أنه ليس لأحد أن يأمل في الإفلات من قبضته. وأما الركن الرابع والأخير فهو أنه لا ينبغي لهذه السلطة أن تكون موضع اعتراض عليها من طرف الخاضعين لها ولا يجوز لها أن تكون موضع تذمر من المحكومين. وإذا فرضنا أنه ظهر من عَنَتِ الملوك على الرعية ما ينوء به حملها وبدا من فعل الملوك ما رأت الرعية فيه ظلما هائلاً فإنه ليس لتلك الرعية أن تعترض على عنف الأمراء إلا متى كان الاعتراض في شكاوى ملؤها الاحترام والتعظيم، من غير فتنة ولا شغب، وفي دعوات لهم بالرشد والهداية. سعيد بنسعيد العلوي. المستقبل العربي. عدد 158 – إبريل 1992.

35 – عن محمد عابد الجابري، "العقل السياسي العربي– محدداته وتجلياته". مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت – لبنان ط 4 2000 ص 236.

36 – المرجع نفسه ص 301 وما بعدها.

37 – المرجع نفسه ص 302.

38 - محمد عابد الجابري، "العقل الأخلاقي العربي". ص 81.

39 – المرجع نفسه ص 338.

40 – جان جاك شوفلييه المرجع السابق ص 326.

41 – المرجع نفسه ص 326.

42 – المرجع نفسه ص 328.

43 – المرجع نفسه ص 331.

44– روبرت دال. الديمقراطية ونقادها. ترجمة نمير عباس مظفر. مراجعة فاروق منصور. دار الفارس للنشر والتوزيع عمان 1995 ص 106 سبق أن عرض سيف الدولة فكرة "المستبد العالم" بالقول "مادام الواقع الاجتماعي الذي يثير المشكلات الاجتماعية محدداً موضوعياً ومادامت الحلول الصحيحة للمشكلات الاجتماعية محددة موضوعياً، فلماذا لا يصح أن التطور الاجتماعي يتم ويطرد أو يمكن أن يتم ويطرد ولو تولى واحد أو جماعة من العلماء أو العباقرة أو الملهمين.. الخ، تحديد المشكلات الاجتماعية واكتشاف الحلول الصحيحة، ويكون على الناس بعد ذلك أن ينفذوا بقوة عملهم تلك الحلول العلمية أو العبقرية أو الملهمة.. الخ؟ لماذا لا يصح هذا خاصة إذا لاحظنا أن معرفة المشكلات الاجتماعية والحلول الصحيحة لها قد تحتاج إلى كفاءة ثقافية لا تتوافر لكل أو أغلب الناس في المجتمع؟.. "نظرية الثورة العربية. دار الفكر. بيروت – لبنان 1971 ص 118، انظر نقدا للفكرة فيما يليها من صفحات.

45 – المرجع نفسه ص 99.

46، 47 – المرجع نفسه ص 100.

48 – المرجع نفسه ص 108 يستخدم دال الحجة لنقد المجتمع الأميركي.

49 – المرجع نفسه ص 111 – 112.

50 – اعتمدنا في صياغة هذا الجزء على موريس دوفرجيه. في الدكتاتورية. ترجمة هشام متولي. منشورات عويدات. بيروت ط 2 1977. ص120 - 121.

51 – محمد جابر الأنصاري. تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية – مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي. مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط 2 1995 ص 189.

52 – المرجع نفسه ص 186.

53، 54، 55، 56 – المرجع نفسه ص 187.

57 – المرجع نفسه ص 189.

58 – المرجع نفسه ص 190. انظر أيضا لنفس الكاتب "الديمقراطية ومعوقات التكوين السياسي العربي". "في المسألة الديمقراطية في الوطن العربي" علي الكواري وآخرون مركز دراسات الوحدة العربية بيروت ط 1 - 2000 ص 105 – 115. وأيضاً العرب والسياسة أين الخلل؟ جذر العطل العميق. دار الساقي ط2 - 2000. وينتقد برهان غليون هذا التسويغ بالقول: "أما الأطراف الأكثر اعتدالاً في هذه النخب الحاكمة.. فإنها تتخندق وراء نظرية عدم نضوج المجتمع سياسيا واقتصادياً للدخول في نظام الحرية والتصرف حسب مبادئ المسؤولية الوطنية. والنتيجة التي يريد أن يخلص إليها هذا الخطاب هي أن السلطات المستبدة ليست هي المسؤولة عن إخفاق التحول الديمقراطي، ولا عن إيصال الوضع العربي إلى المأزق السياسي الراهن، بما في ذلك تدعيم العصبيات الطائفية والعشائرية والعلاقات الزبائنية والعائلية لتحقيق التوازنات الداخلية الضرورية لاستقرار سلطة لا سياسية ولا إنسانية سادت العقدين الماضيين، وإنما المسؤول عن الأوضاع هو البنيات الاجتماعية والعقليات التاريخية والثقافات والأديان، أي هو المجتمع كله دون تحديد. وبدل أن تحاسب السلطات الحاكمة والحزبية الملتفّة حولها على إخفاقها في بلورة الخطط والإستراتيجيات اللازمة لتحقيق الانتقال السلمي والتدريجي نحو الديمقراطية وتجاوز عيوب البنيات الاجتماعية ومعالجتها، تجعل من إخفاقها ذاته برهانا على خطأ المنادين بالإصلاحات الاجتماعية والديمقراطية. وهكذا لا يصبح أنصار الاستبداد هم الذين على صواب فقط ولكن تتحوّل الوصاية على المجتمع من قبل نخبة (قومية) أو علمانية إلى رسالة تاريخية وطنية. وليس من الصعب إدراك أن هدف هذا المنطق هو الالتفاف على المطلب الديمقراطي، وما يتضمنه من مطالب اجتماعية واقتصادية وأخلاقية، ومن وراء ذلك تجديد عقيدة السلطة الاستبدادية والتعسفية التقليدية، إي استبعاد أي تغيير" برهان غليون. نكسة الديمقراطية في المنطقة العربية. في :حوار من أجل الديمقراطية. تحرير علي خليفة الكواري. دار الطليعة – بيروت ط 1 – 1996 ص 9 – 10.

59 – إمام عبد الفتاح إمام. الطاغية. مرجع سابق ص339.

60 – المرجع نفسه ص339 - 340.

61 – المرجع نفسه ص 338.

62 – المرجع نفسه ص 335.

63 – المرجع نفسه ص 340.

64 – اتين دي لابواسييه. مقال في العبودية المختارة. ترجمة مصطفى صفوان. مكتبة مدبولي. القاهرة ط 1 1990 ص 73.

65 – المرجع نفسه ص 82 – 83.

66 – المرجع نفسه ص 79، 83.

67، 68 – المرجع نفسه ص 79.

69 – المرجع نفسه ص 83.

70 – المرجع نفسه ص 87.

71 – المرجع نفسه ص 89 – 90.

72، 73 – المرجع نفسه ص 91.

74 – المرجع نفسه ص 92.

75 – المرجع نفسه ص 99.

76 – موريس دوفرجيه مرجع سابق ص 39.

77 – المرجع نفسه ص34.

78 – المرجع نفسه ص 43.

79 - المرجع نفسه ص 35 انظر ص 41 وما بعدها للإطلاع على أمثلة على الأزمات البنيانية.

80، 81 - المرجع نفسه ص 56.

82 – المرجع نفسه ص 59.

83 – أرسطو. مرجع سابق ص 434 – 436.

84- لابواسييه مرجع سابق ص 105 – 106.

85 – ربما عبر معاوية عن هذه المعادلة عندما قدم المدينة في بداية ولايته، حيث أكد في بداية خطبته على الأساس الذي انتزع به سلطته، الذي لم يكن "بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة". "الاستيلاء بالقوة على السلطة هو الأساس الذي أقام عليه معاوية حكمه. ومن أجل أن تستمر السلطة في يده نجده يوازن بين استخدام العصا والجزرة، فهو على استعداد أن يسلك طريق "لي ولكم فيه منفعة: مواكلة حسنة ومشاربة جميلة". هو الذي يقررها، لذا نجده يؤكد بالقول "إن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه". "وإذا لم يكن منكم إلا ما يستشفي به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك له دبر أذني وتحت قدمي". فالكلام مسموح به ما لم يحول بينه وبين الاستبداد بالسلطة. وقد عبر عن هذا في مناسبة أخرى بالقول "إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا". انظر تحليلا تفصيلياً لسياسة معاوية في محمد عابد الجابري. العقل السياسي العربي. ص 236 وما بعدها.

86– منذر عنبتاوي. في: علي الدين هلال وآخرون الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي. مركز دراسات الوحدة العربية– بيروت ط 3 ص 279. انظر أيضاً ناصيف نصار مرجع سابق ص 355، 393 – 396.
علي مفلح حسين السدح غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

 الفكر القومي العربي

إدارة الموقع لا تتحمل اي مسؤولية عن ما يتم نشره في الموقع. أي مخالفة او انتهاك لحقوق الغير يتحملها كاتب المقال او ناشره.
Free counter and web stats